أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / 23 جانفي 1961م ذكرى القصف الفرنسي لمنطقة الزّيتون بغارالدّماء

23 جانفي 1961م ذكرى القصف الفرنسي لمنطقة الزّيتون بغارالدّماء

Spread the love

ظلّت أحداث منطقة الزّيتون الّتي وقعت في شهر جانفي سنة 1961م غامضةً ومجهولةً لدى أغلب سكّان منطقة غارالدّماء فما بالك بالمناطق الأخرى، ولا يَذكُرها النّاس إلاّ قليلاً، باِستثناء كبار السنّ الّذين عاشوا في تلك الفترة. وهي أحداثٌ مهمّة للغاية إذ سالت فيها دماء تونسيّة زكيّة بسبب القصف الّذي نفّذته القوّات الفرنسيّة في داخل التّراب التّونسي على إثر اِتّهام التّونسيين بمساندة الثّوار الجزائريين.

ولا ندرى بالتّحديد الأسباب الّتي جعلت الدّولة التّونسية تتجاهل هذه الأحداث وتضرب عنها صفحًا، ولا توليها الأهمّية الّتي أولتها لأحداث ساقية سيدي يوسف بجارتها الكَاف، رغم أهمّيتها والظّرفية الاِستثنائية الّتي وقعت فيها.

وهنا لا بدّ من التّذكير بمعطيات مهمّة تكشّفت لنا بعد البحث والتقصّي في الأرشيف الوطني التّونسي، ولدى من عايشوا مرحلة الثّورة الجزائريّة ما بين 1954 و 1962م من التّونسيين والجزائريّين. فلقد أثبت شهود العيان، وأثبتت الوثائق أنّ منطقة غارالدّماء الواقعة على الحدود التّونسية الجزائرية من جهة الشّمال الغربي كانت تمثّل مركزًا لقيادة جيش التّحرير الوطني الجزائري بالمنطقة الشّرقية بقيادة هواري بومدين وزعماء آخرين مثل الرّئيس الأسبق الشّادلي بن جديد وعبد الرّحمن بن سالم وغيرهم.

ولعلّ متحف الذّاكرة المشتركة التّونسية الجزائرية في مركز المدينة يعدّ اِعترافا بسيطا بهذا التّضامن بين الشّعبين الشّقيقين التّونسي والجزائري، بيد أنّ نشاطه ظلّ محدودا جدّا وباهتا ومجهولا حتّى لدى أبناء الجهة أنفسهم، ولا بدّ من تفعيل نشاطه الثّقافي والتّاريخي.

الأمر الآخر أنّه بعد اِندلاع الثّورة الجزائريّة عام 1954م لجأت أعداد كبيرة جدًّا من الجزائريّين إلى داخل التّراب التّونسي قدّرت بنحو 88 ألف لاجئ، وتمركز هؤلاء اللاّجؤون في مناطق مختلفة من غارالدّماء، وخصوصا في القرى الجبليّة مثل عين سلطان والفايجة وكاف النّسور وقبر زهير ومسيوة والفدّان والعيون وغيرها من المناطق. وكانت منطقة الزّيتون قاعدة للتّدريب العسكري للثّوار الجزائريّين، ومن هنا اِستهدفها الفرنسيّون بالقصف من داخل التّراب الجزائري ممّا أسفر عن اِستشهاد 4 أشخاص منهم 3 نساء.

وقد نقلت صحيفة الصّباح في عددها رقم 2627 ، والصّادر بتاريخ 7 شعبان سنة 1380/ الموافق لــ 24 جانفي 1961م معلومات مهمّة ومفصّلة عن هذه الحادثة، وقالت إنّ خطورة هذه الأحداث تذكّر بأحداث ساقية سيدي يُوسف بالكاف الّتي وقت بتاريخ 8 فيفيري سنة 1958م والّتي راح ضحيّتها 79 شخصا من بينهم 11 اِمرأة و20 طفلا وأزيد من 130 جريحا. وقالت الصّحيفة “صوّبت المدفعيّة الفرنسيّة المنتصبة بالجزائر نيرانها نحو التّراب التّونسي وقذفته بما يقرب من 500 قذيفة، واِستمرّ القذف من منتصف النّهار إلى السّاعة الواحدة بعد الزّوال، وتسبّب في عدد من الموتى والجرحى”.

وقد أصدرت كتابة الدّولة للدّفاع الوطني بلاغا جاء فيه:
“تُعلن السّلطات العسكرية التّونسية أنّ القوّات الفرنسيّة وطيرانها المرابطة على الحدود التّونسية الجزائرية اِرتكبت عدّة حوادث خلال أيام 21 و 22 و 23 جانفي.
ففي يوم 21 جانفي حلّقت طائرة من نوع ب 26 على جهة عين سلطان. وفي يوم 22 جانفي أطلقت المدفعية الفرنسية المرابطة بالجزائر نيرانها على مركز روى (معتمدية غارالدماء) حيث أحصيت 80 قذيفة من عيار 105، وعلى مركز الحمام (معتمدية عين دراهم) حيث عُثر على 100 قذيفة من عيار 105، وعلى العين الصّغيرة والعين الكبيرة حيث عمدت الدّبابات الفرنسيّة إلى قذف التّراب التّونسي فتحطّمت إحداها عند مرورها فوق لغم. وكانت الطّائرات الفرنسية تقوم بنشاط حثيث في هذه الأماكن، وأسفرت هذه العمليات عن أضرار مادّية”.

وفي يوم 23 جانفي قامت المدفعية الفرنسية المرابطة بسيدي الهميسي في التّـراب الجزائري بإلقاء 20 قذيفة من عيار 105 على جهة بلاد الزّيتون، فاِستشهد أربعة مدنيّين من بينهم 3 نساء وهم: الحبيب بن عمر بن عمارة (25 عاما)، فاطمة بنت عمر بن علي (35 عاما)، فضّة بنت عمارة بن العابد (18 عاما)، فضّة بنت عمارة (18 عاما). كما ألقيت في نفس اليوم 160 قذيفة من عيار 105 بالقرب من مركز روى، و200 من عيار 105 بالقرب من مركز الحمام (معتمدية عين دراهم) و75 بالمكان المعروف بالسطاطير (معتمدية غارالدماء).

ورغم الخسائر الّتي لحقت بالتّونسيّين جرّاء اِحتضانهم لإخوانهم الجزائريّين ودعمهم لهم فإنّهم لم يتخلّوا عنهم، وبقيت غارالدّماء والمناطق التّابعة لها قاعدة اِنطلاق لكثير من عمليّات المقاومة والهجوم ضدّ المحتلّ الفرنسيّ في الجزائر إلى أن أُعلن عن الاِستقلال عام 1962م ورجع اللاّجؤون الجزائريّون والثّوار إلى بلادهم في أجواء هي خليط من الحزن والفَرح كما صوّر لنا ذلك السّيد نورالدّين خروف أحد أبناء الثّورة والّذي أقام في غارالدّماء أثناء سنوات الثّورة عندما كان تلميذا في مدرستها، ورجع إليها بعد عقود من الغياب، كان السّيد نورالدّين القادم من عناية يحدّثنا والدّموع تفيض من عينيه شوقا لتونس وحبّا لها واِعترافا بالجميل الّذي لَقيه من أبنائها.