شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | برنامج الحدّ الأدنى الإصلاحي للإنجاز الوطني/ قبل أن يكفر بكم الشّعب جميعا من خارج الصّندوق/ ملاحظات أساسيّة للتّفاوض الوطني العامّ…

برنامج الحدّ الأدنى الإصلاحي للإنجاز الوطني/ قبل أن يكفر بكم الشّعب جميعا من خارج الصّندوق/ ملاحظات أساسيّة للتّفاوض الوطني العامّ…

Spread the love
image_pdfimage_print
الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الآن حصل ما في الصّناديق وبلعت الأرض ماء التّناهش الاِنتخابي المشروع واِستوى برلمان فسيفسائي على جودي الواقع وإكراهات وطن عليل وشعب صبور.

ذهب إلى الصّندوق جزء من الشّعب الطيّب مازال يثق في إمكانية التّغيبر “بالسّياسة” والّتي هي أحسن وصمت جزء آخر كبير يأسا أو لامبالاة لكنّه مازال مكتفيا بإنكار المنكر بقلبه أو بلسانه منتظرا معجزة اِستفاقة “نشطاء شأن عام” لعلّهم يعقلون قبل أن يغيّر بيده وهو يرى بأمّ عينه ديمقراطيات شكلانية بلا إنجاز يحاصرها شارع غاضب لا يميّز بين أحد من السّياسيين حكما أو معارضة وهو يراهم يستعرضون عضلاتهم في “الكلامان” ترجمة للعبارة الإفرنجية “برلمان” دون إنجازات وليس العراق أو المغرب الأقصى آخرهما بل إنّ الغضب الشّعبي على “ديمقراطيّة سياسية لا تنجز” أصبح في عقر دار الدّيمقراطية الغربية نفسها وما السّترات الصّفراء في فرنسا إلاّ دليل على أنّ عجز السّياسة المؤسّساتية على الإنجاز يمكن أن تعصف بها سياسة أخرى تمارسها الشّعوب في الشّوارع.

اِستمعت إلى تصريحات عجولة لا أدري مدى صحّتها من أصدقائنا في التيّار الدّيمقراطي وتلميحات من إخوتنا في حركة الشّعب وبعض الجمل المتناثرة من ناجحين نحملهم موضوعيّا على جبهة الاِنتصار للشّعب الطيّب الصّبور.

جوهر هذه التّصريحات: لم يمنحنا الشّعب قدرة الحكم وسنعارض ولن نحكم مع كيت وكيت… سنحمل مؤقّتا هذه التّصريحات على تحسّسات أوّلية للمشهد وسنفهمها ذكاء تحسين لشروط التّفاوض ولكن لأنّ الزّمن الشّعبي ومعاناته لا تنتظر سنسرع بتوجيه جملة من الملاحظات والنّصائح المساعدة على قراءة اللّحظة حتّى لا تهرب فرس العناد بمن لا يحسن تلقّف حساسيّة اللّحظة الشّعبية والوطنية.

أوّلا.. لا شكّ أنّ الفسيفساء البرلمانية يقف على رأسها حزب النّهضة بما هو الأكبر في الصّغار بعد أن أخرج النّاخبون كلّ الأحزاب بلا اِستثناء صغارا بل إنّ النّاخبين قد عصفوا بكبار سابقين وكبّروا في المقابل صغارا ليصبحوا أكبر بين مشهد الصّغار (التيّار وحركة الشّعب).

نظريّا سيتمّ تكليف النّهضة بتشكيل الحكومة وهذا سيجعل عمليّا من “السّهل” على التيّار وحركة الشّعب إعلان تموقعهم في المعارضة بتبريرات إيديولوجية أو بالاِعتماد على أداء النّهضة وشراكتها في حصاد خماسيّة تعيسة مع النّداء الرّاحل. لكن ما لا يعلمه التيّار وحركة الشّعب أنّ التمترس في طهريّة “رفض الحكم” وصناعة الجملة “الثّورية” في قبّة “الكلامان” (البرلمان ) لن يكون له مستقبلا مردودية سياسية عند شعب اِنتخب نوّابه “ليحكموا” لا “ليعارضوا”. وإذا غضب بعد ذلك على طبقة سياسية لا تنجز سيكون غضبه على الجميع من حكم وفشل ومن عارض دون أن يتحمّل مسؤوليّته في الحكم.

ثانيا… تتوزّع باقي الكتل بين حزب الشّبهة الّذي جاء ثانيا ولن يقبل مبدئيا أيّ طرف الحكم معه هذا إذا لم يتصدّع في الأيّام القليلة القادمة. وبعد حزب الشّبهة تبرز أطراف تتفاوت في قربها وبعدها لما نسمّيه بالاِنحياز إلى اِنتظارات الشّعب الصّبور المؤمن بالثّورة والاِنتقال الدّيمقراطي: حزب خطاب الفاشية النّوفمبرية الّذي سيكون من العار على أيّ طرف ديمقراطي التّفكير في طلب دعمه حكما أو معارضة. ثمّ “تحيا تونس” الّذي نصنّفه نواة ممكنة لحزب “المنظومة المتصدّعة” الّتي قبلت بالثّورة والدّيمقراطية ويمكن أن يكون شريكا في مشروع حكم الحدّ الأدنى الإصلاحي للإنجاز لو أراد. ويبقى “اِئتلاف الكرامة” باِندفاعة شبيبته وكهوله المحافظين قوّة صاعدة تخسر إشعاعها لو أعطت الاِنطباع بأنّها تعارض دون رغبة في البناء والإنقاذ الوطني.

ممّا تقدّم لا بدّ من ملاحظة ثالثة في شكل نصيحة: إنذ شعبكم الصّبور لن يفهم تبريراتكم بأنّكم “لا تريدون الحكم” أو أنّكم لن تحكموا إلاّ بعد تجانس تامّ مع من تحكمون معه… عندما تمرّ شهور بلا حكومة وبالإضافة إلى غرق البلاد وحتّى لو ذهبنا إلى مبكّرة فإنّها لن تكون إلاّ بغضب شعبي عارم يحاصركم جميعا في قبّة “الكلامان” ليحمّلكم جميعا المسؤوليّة حكما ومعارضة كما يفعل عراقيّون وقبلهم لبنانيون مثلا حين قالوا للجميع “طلعت ريحتكم” وكما قد تفعل شوارع عربية أخرى مع طبقة سياسيّة حزبية تقليدية بطيئة في قراءة الأحداث.

هل معنى ذلك أنّنا ندعو إلى تشكيل حكومة كما اُتّفق وبشكل متسرّع وضمن توافقات مغشوشة…. أبدا… ليس هذا المقصود.. لكن ما أردته أنّ كلّ من لا يتحمّل مسؤوليّته الوطنية العاجلة في ضرورة الاِنطلاق في إنجازات للنّاس سيكون خاسرا… مضاغة البرنامج الوطني المشترك مجرّد كذبة كبيرة.. فعناوين الإصلاح العاجلة متّفق عليها وما إنجاز وثيقة قرطاج 2 منذ سنوات إلاّ دليل على إمكانيّة صياغة هذا المشترك المرحلي على الحدّ الإصلاحي الأدنى للإنجاز لإعادة ثقة النّاس في السّياسة.

شروط النّجاح في تشكيل “حكومة الحدّ الأدنى الإصلاحي للإنجاز” تتطلّب أوّلا أن ننطلق من وضعيّة اِنتخابية بيضاء بلا حزب أوّل مع جواز إخراج حزب الشّبهة وحزب الخطاب النّوفمبري الفاشي من معادلة الحكم. وثانيا اِعتماد التّشكيل على تفاوض وطني عام بشراكة جدّية من المنظّمات الوطنية الكبرى لتحديد مفردات وتفاصيل الأدنى الإصلاحي للإنجاز. وثالثا وضع توصيف للحكومة بماهي حكومة كفاءات سياسية خارج المحاصصة الحزبية ولكنّها بدعم حزبي سياسي لا يتنصّل منها. ورابعا اِعتبار النّجاح في هذا التّشكيل مسؤولية إكراه وطني لتوازن الضّعف الّذي يضطرّ إلى حماية السّياسة أوّلا وإرضاء الشّعب الصّبور وإنقاذ تونس المتروكة الآن لأبنائها فقط في فضاء إقليمي وعالمي مشغول بنفسه وصراعاته، وقد تحرقنا شرارة منه إذا واصل السّياسيون ركوب “فرسة هاربة”.