شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | المسلسل الرّوسي “تروتسكي”

المسلسل الرّوسي “تروتسكي”

Spread the love
image_pdfimage_print
الأستاذ برهان السحاوي

شاهدت على مدى يومين متتاليين على موقع Nitflix مسلسلا تلفزيونيا روسيّا أنتجته القناة التلفزيونية الرّوسية الأولى بعنوان: “تروتسكي”.

المسلسل قام بإخراجه إثنان هما: ألكسندر كوت و قسطنطين ستاتسكي، وكتب السّيناريو له ثلاثة كتّاب هم: أوليك مالوفيجكوف، روسلان كاليف، وبافل تيبرسكي، أمّا التّصوير فقام ثلاثة مصوّرين بإنجازه هم: سيرغي ترمفيميوف، نيكولاي بوغاجيف، وألغبيك خمرايف. أمّا دور تروتسكي فقد قام به باِقتدار قسطنطين خابينسكي، وزوجته نتاليا أدّته الممثّلة أولغا سوتولفا، ودور لينين أدّاه يفغيني ستيجكين، والصّحفي الّذي اِغتال تروتسكي أدّاه مكسيم متفيف، ودور ستالين أورخان أبولوف أمّا دور فريدة كاهلو فقد أدّته الممثّلة فيكتوريا بولتوراك.

المسلسل يشكّل صدمة كبيرة لكلّ مثقّف يساري مضادّ للسّتالينية ويعتبر تروتسكي ثوريّا مظلوما، أو كما أطلق عليه أسحق دويتشر كاتب سيرته في الثّلاثية المعروفة لفظ (النّبي): النّبيّ المسلّح، النّبيّ الأعزل ثمّ النّبيّ المنبوذ.

المسلسل يأتي بعد أكثر من ربع قرن من سقوط الاِتّحاد السّوفيتي، أي لم يأت كردّ فعل على المرحلة السّوفيتية، وإنّما هو قراءة روسية دقيقة لآلاف الأطنان من الوثائق عن تلك الشّخصية وعن تفاصيل الثّورة الرّوسية وشخصيّاتها في بناء درامي محكم. ولو كان المسلسل قد أنتج في فترة وجود الاِتّحاد السّوفيتي أو حتّى في فترة يلتسين لقلت إنّه مسلسل لتشويه سيرة قائد ثوريّ تاريخيّ أسّس الجيش الأحمر السّوفيتي، لكنّه جاء بعد أكثر من ربع قرن من اِنهيار الاِتّحاد السّوفيتي وفي فترة حالية تحاول روسيا في النّهوض عسكريّا واِستعادة امجاد الجيس السّوفيتي الأحمر فكيف تشوّه سيرة مؤسّسه الشّهير تروتسكي..!.

بالنّسبة لي شخصيّا كنت أتعاطف كتعاطف معظم المثقّفين اليساريّين مع تروتسكي ضدّ ستالين الجلف. لكنّ المسلسل كشف جوانب لم نعرفها عنه سابقا بل وعن معظم الحركة الاِشتراكية الرّوسية. كشف الخديعة الّتي وقعنا فيها، وسذاجتنا الثّورية الّتي جعلتنا ننظر إلى نماذج دمويّة وعميلة واِنتهازية كأيقونات ثوريّة.

المسلسل يكشف عن وجه بشع ودمويّ واِنتهازي وعميل لليون تروتسكي. ولا أعتقد الأمر تجنّيا أو تشويها له، فالفيلم كتب السّيناريو له ثلاثة بارعون من كتّاب السّيناريو الرّوس، وقام بإخراجه إثنان من خيرة مخرجي الدّراما التّلفزيونية.

المسلسل كشف عن تفاصيل وقوع ليون تروتسكي (بالرّوسية: Лев Давидович Троцкий) (اِسمه الحقيقي ليف دافيدوفيتش برونشتاين) (25 أكتوبر 1879- 21 أغسطس 1940) في براثن المخابرات الألمانية والرّوسية من قبل عملاء مزدوجين.. وكان الشّخص الّذي جنّده قد فاتحه منذ البداية بأنّه يتلقّى المال من الألمان ويريدونه أن يبرز وينتشر وسط المهاجرين الرّوس في باريس ووسط العمّال في بيتروغراد، وعليه أن يختار ما دام هو يريد الوصول بأيّ شكل من الأشكال، وفعلا منحوه المال وأمّنوا له السّكن، ووفّروا له الحاضنة الإعلامية كي يبرز وسط المثقّفين والثّوريين الرّوس في المنفى.

في المنفى تعرّف تروتسكي على لينين، مهندس الثّورة، الّذي اِنتبه لطموح تروتسكي المتأجّج للظّهور بأيّ شكل فاَستغلّ موهبته البلاغية في الخطابة، كما تعرّف تروتسكي أيضا على مهاجرة روسية صارت عشيقته ورفيقته وهي الّتي عرّفته على المعارض والفنون وعلى سيغموند فرويد، وأنّ الحياة ليست سياسة فقط.

الطّموح الشّيطاني وموهبة التحدّي لدى تروتسكي دفعاه إلى اِتّخاذ لقب (تروتسكي) كاِسم سياسي وفنّي له وهو في الحقيقة اِسم مدير السّجن الّذي كان محتجزا فيه ودار أثناء قيادته إضرابا للسّجناء حوار بينه وبين مدير السّجن الّذي كان لقبه (تروتسكي) حول نهاية الاِمبراطورية وإعادة دورة الدمّ والقمع فتحدّاه الآخر، وحين اِلتحق (برونشتاين، وهو اللّقب الحقيقي له) بصحيفة الايسكرا (الشّرارة) ودفع بمقال إلى الجريدة سئل عن اللّقب الّذي يريد أن ينشر مقاله به فتذكّر حواره مع مدير السّجن وتحدّيه له فقال لينشر تحت اِسم (تروتسكي) فصار لقبه التّاريخي.

المسلسل فيه حوارات رائعة وعميقة عن النّضال وجدواه والبشر وطبائعهم والثّورات وأسرارها النّتنة وعن دورة التّاريخ الدّموية . علما أنّه مبنى على طريقة التّداعي (الفلاش باك) ومن وجهة نظر التّحليل النّفسي الفرويدي، لاسيما وأنّ في المسلسل تظهر شخصيّة سيغموند فرويد حيث يحضر تروتسكي وعشيقته المعجبة بفرويد محاضرة له ويدور نقاش بينهما عن دور الجنس في الحياة، فيعترض عليه تروتسكي بأنّه ثوري ويحلم بالثّورة العالمية فيسمع الإجابة الفرويدية العميقة بأنّ دافعه إلى الثّورة العالمية لا يبتعد كثيرا عن الرّغبة الجنسية لكن في أشكال تصعيديّة ويكشف فرويد عن تشخيص مخيف لشخصيّة تروتسكي تتّضح لاحقا حيث قال له حين قابله بأنّه رأى فراغا مخيفا في عينيه ونظرته.

في صراع تروتسكي ستالين يبدو تروتسكي لا يقلّ دمويّة عن ستالين لاحقا، لاسيما حين كان تروتسكي قوميسار الجيش الأحمر.. فقد أعدم الألوف من الجنود، وحاك المؤمرات للأبرياء، بل فرض إعادة حكم الإعدام الّذي كانت الثّورة قد ألغته من أجل أن يعدم أشخاصا لفّق لهم التّهم لأنّهم تحدّوا قراراته، لاسيما ضابط البحرية المسؤول عن كرونشتات الّتي اِنتفضت بعد إعدام قائدها بطريقة مخاتلة وجبانة من قبل تروتسكي.

المسلسل يمكن مشاهدته مترجما للعربية أيضا على موقع نت فليكس Netflix.

كم من الأوهام رافقتنا خلال فترة الشّباب. وكم من الجرائم الّتي لم نكتشفها عن الثّورات والثوّار والمفكّرين.

وهذا ما دعاني للتّفكير في التّراث العربي الإسلامي سواء كتب السّيرة النّبوية والأحاديث ومساجلات فجر الإسلام وخلافاته وحروبه والّذي بدأ تدوينه منذ العام 145 من الهجرة!! بينما نحن بعد 1440 عاما ننظر إليه بقداسة لا تمسّ حرفا أو تشكّك في حادثة ما أو قول..، بينما نحن نرى أنّ التّاريخ القريب جدّا وفي زماننا هذا، زمن العلم والتقدّم التّقني، يتمّ تزويره مع وجود الوثائق والصّور..!. فحتّى تاريخنا القريب جدّا جدّا نجد ثمّة تزوير هائل يمسّه، وفي كلّ المجالات السّياسية والاِجتماعية والثّقافية.

لمشاهدة الشّريط في نسخته الأصليّة، اُنقر هنا: https://www.youtube.com/watch?v=WsyI9y0WNNA

%d مدونون معجبون بهذه: