شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | الإسلام السّياسي، البحث العلمي والحرّيات الأكاديميّة: رؤوس أقلام

الإسلام السّياسي، البحث العلمي والحرّيات الأكاديميّة: رؤوس أقلام

Spread the love
image_pdfimage_print

الأستاذ المهدي مبروك

يعود نشأة مبحث الإسلام السّياسي في الجامعة التّونسية إلى بداية الثّمانينات وكان على يدي عالمي اِجتماع تونسيّين هما محمّد عبد الباقي الهرماسي والمرحوم عبد القادر الزّغل ضمن مقاربات مختلفة.

تحدّث الأوّل عن الإسلام الاِحتجاجي صدر مقالات عديدة. وتحدّث الثّاني عن عودة المقدّس في أشكاله المتعدّدة وتحديدا الشّكل السّياسي…

من المؤرّخين كان الشابّ آنذاك عليّة العلاّني ينجز أطروحته في التّاريخ المعاصر حول الظّاهرة الإسلاميّة بتونس من خلال حركة النّهضة…

مع بداية التّسعينات واِنحصار فضاء الحرّيات الأكاديمية تراجع المبحث تقريبا. شيء من الرّقابة الذّاتية وعزوف الأساتذة المشرفين عن تأطير مثل هذه البحوث دفعا إلى تراجع الاِهتمام بالظّاهرة الدّينية عموما (ما عدى الإسلام الطّرقي) وخصوصا أشكال الإسلام الحركيّ.

ظلّ عبد اللّطيف الهرماسي وعليّة العلاّني يشتغلان حول الظّاهرة… في الأثناء نمت في الغرب وتحديدا في فرنسا مقاربات متعدّدة لعلّ أهمّها مقاربتي جيل كيبيل واليفيي لوروا حول الإسلام المعولم والظّاهرة الجهادية إلخ.

بعد الثّورة اُستؤنف هذا المبحث وتخيّرت مفاهيمه ومصطلحاته ومقارباته. ونشرت عشرات الكتب والمقالات وبعثت وحداث بحث حول الظّاهرة الدّينية. وقد اِستفاد البحث العلمي من اِتّساع فضاء الحرّيات العامّة والحرّيات الأكاديمية الّتي تمّ التّنصيص عليها في الدّستور…

أصدر المرحوم عبد القادر الزّغل صحبة آمال موسى وعبد اللّطيف الهرماسي وبشير الخليفي وحمّادي الرّديسي ومحمّد حمزة وسامي ابراهم وعبد اللّطيف الحنّاشي والعشرات من الباحثين الآخرين أعمالا مهمّة تنتمي إلى اِختصاصات مختلفة ومقاربات متنوّعة في ظلّ اِلتباسات المفهوم (الإسلام السّياسي) وتعدّد أشكاله الّتي تتّسع من السّلفية العلميّة الإخوانية الاِجتماعية الإصلاحية إلى الجهادية الرّاديكالية…

نظّمت المؤسّسات العلمية والأكاديميّة ومراكز البحوث (السراس، بيت الحكمة… مخابر البحث ووحداته) عشرات المحاضرات والنّدوات الّتي لم تشهد أيّ نوع من العنف. تماما مثلما نظّمت تلك الهياكل ندوات حول الدّستور التّونسي بمناسبة مرور خمس سنوات على صدوره أو مسألة الحرّيات الفردية والمساوة إلخ… حضر الجامعيّون والطّلبة والعديد من الرّموز السّياسية تلك الأنشطة وتابعوها باِهتمام كبير وتدخل البعض منهم فيما هو متاح من نقاش دون أن يثير ذلك أيّ اِعتراض مع الجهات المنظّمة أو الجمهور.

تبرير ما حدث بكلّية الآداب منّوبة من طرد قياديين من النّهضة ومنعهما من متابعة أشغال ندوة تعنى بالإسلام السّياسي وإجبار المنظّمين على تعليقها.. وتبرير ذلك يعني:

– الاِعتداء على مبدأ الحرّيات الأكاديمية.
– التّمييز بين المواطنين التّونسيين على أسس الاِنتماء الحزبي والعقائدي والعودة إلى محاكم التّفتيش الّتي أوكلت لميلشيات سياسية تمارس العنف الثّوري “الطّهور المطهّر”.. فكأنّ هذه المجموعات تعمل تحت شعار “يمنع على الإسلاميّين متابعة أنشطة علميّة ويسمح لغيرهم بها…”
– حرمان تعبيرة مهمّة من الإسلام السّياسي أن ترى صورتها في البحث العلمي مع ما يمكن أن يحصل من فائدة لها من أجل تعديل مواقفها وتطوير خطابها ودفعها إلى مراجعة أطروحاتها.
– النّقابات الّتي ساندت هذه الأفعال الشّنيعة أجازت لنفسها مسائل ليس من اِختصاصها فضلا على أنّها تثبت أنّها تتحوّل إلى نقابات حمراء مستعدّة إلى ممارسة كافّة أشكال الاِستبداد.
– المواقف النّصفية والمتلعثمة تثبت مرّة أخرى أنّ البعض من نخبنا ليس أقلّ اِستبدادا من “خصومه” وأنّهم ما زالوا في مرحلة ما قبل الاِنتقال الدّيموقراطي وأنّ بن علي قد حكم بصمتهم وتواطؤهم ومباركتهم.
– تبريرات العنف تحت مسوّغات: لقد مارس الإسلاميّون بدورهم العنف، الكلّية قلعة العقلانية والنّضال، التّوظيف السّياسي للنّدوة… يثبت مرّة أخرى أنّنا مستعدّون عن تناسي مبدأ “العنف لا مبرّر له” وتحويله إلى شعار أجوف طالما كان خصمنا ضحيّته.

%d مدونون معجبون بهذه: