شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | اللّعبة الكبرى وقواعد اللّعب الجديدة

اللّعبة الكبرى وقواعد اللّعب الجديدة

Spread the love

Résultat de recherche d'images pour "‫الشاهد والغنوشي‬‎"
L’image contient peut-être : 1 personneسؤال قد يجدر طرحه وبقوّة ونحن نشاهد الكوارث الّتي تصنعها هذه الحكومة الفاسدة العدوّة لشعبها: ماذا يريد الشّاهد من هذه السّياسة؟ ما غايته من هذه السّياسة الّتي لا يمكن اِستيعاب معقوليّتها خاصّة إذا أخذنا بعين الاِعتبار نيّة، الشّاهد وحزبه الجديد، خوض غمار الاِنتخابات التّشريعية والرّئاسية؟ كيف لرئيس حكومة يفترض أنّه مرشّح لاِستحقاقات اِنتخابية قريبة أن يأخذ إجراءات لا شعبيّة؟ أليست قرارات قد لا تؤدّي إلاّ إلى اِنتحاره سياسيّا؟

كيف يغامر هذا الشابّ بما يمكن أن يؤلّب الرّأي العام عليه ويدفعه إلى الاِنتفاضة. وهو بذلك لا يهدّد مستقبله هو فقط بل إنّه يهدّد مستقبل المسار الاِنتقالي في خطواته اﻷخيرة قبل الوصول إلى محطّة أساسيّة وضروريّة لترسيخ الدّيمقراطية بما يقطع نهائيّا مع الماضي الاِستبدادي؟

يجدر بنا أيضا أن نتساءل عن هذه الطّمأنينة الّتي يبدو عليها شريكه اﻷساسي حزب النّهضة الّذي يفترض أنّه أكثر اﻷطراف السّياسية حرصا على الوصول إلى الموعد الاِنتخابي من دون أيّ مخاطر أو تدخّل لعناصر التّوتير غير المحسوبة؟ وتؤكّد تصريحات قياداته الحزبيّة بأنّهم أحرص النّاس على نجاح الثّورة وهم على يقين أنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ بشرطين ضروريّين وهما ضمان السّلم ااِجتماعي ونجاح الاِنتخابات؟

ألا يمكن أن تتطوّر حالة الغضب الشّعبي والحالة الاِحتجاجية لتصبح حالة اِنتفاضة؟ وهو ما قد يؤدّي إلى ما لا يمكن السّيطرة عليه أو التنبّؤ بمآلاته وقد ينتهي بسقوط السّقف على رؤوس الجميع؟

تغيير قواعد التحكّم والمقايضة:

من أهمّ القواعد المعتمدة في التحكّم الاِستبدادي وفي هندسة السّياسات الاِقتصادية الاِجتماعية المقايضة، وذلك بوضع شعب ما في وضعيّة يكره فيها على الاِختيار بين خيارين شرط أن يتنازل عن أحدهما ولا يفكّر في حلّ ثالث. وعلاوة على كون هذه القاعدة تقوم على مغالطة فإنّ هذه المغالطة لها دور كبير في تحديد مآلات مسار سياسي أو اِقتصادي اِجتماعي في لحظة حاسمة لمجتمع ما.

وقد اِستقر في أذهان المطّلعين على الفكر السّياسي والفلسفة السّياسية النّموذج الهوبزي كأهمّ نموذج يقدّم لنا قاعدة المقايضة في هندسة الاِستبداد، لقد جعل هوبز من حالة الطّبيعة تلك الحالة الّتي سبقت ظهور الدّولة حالة حريّة طبيعيّة مطلقة يحكمها صراع أهواء نهايتها الموت العنيف. لذا اِختار اﻹنسان في هذه الحالة وهو يواجه خطر الموت العنيف، ومن خلال عمليّة حسابيّة قارن فيها بين مكتسبات هذه الحالة ومخاطرها، أن يتنازل عن الحرّية الطّبيعية المطلقة لصالح شخص أو هيئة لها الحقّ المطلق والسّلطة المطلقة مقابل أن تضمن له اﻷمن وتحفظ له بقاءه.

إنّ مبدأ مقايضة اﻷمن بالحرّية الّذي يعني أن يتخلّى اﻷفراد عن حقّهم الطّبيعي للحاكم المستبدّ وعن حرّيتهم مقابل أن يوفّر لهم اﻷمن، مبدأ تتأسّس عليه قاعدة الحكم الاِستبدادي، وهو ما تستعمله الأنظمة المستبدّة الحاكمة وهي في أوجها وكذلك تستعمله وهي ساقطة أو في حالة سقوط حيث تمارسه من خلال أعوانها وأتباعها من المتمركزين في مواقع التّأثير أي أولئك الّذين يمثّلون أذرع الدّولة العميقة، وكذلك من خلال أذرعها الإعلامية والأمنية وأذرعها في المجتمع المدني وخاصّة المنظّمات الكبرى وأذرعها المالية أصحاب رأس المال الفاسد.

كلّ هؤلاء يجتمعون على مشروع واحد وهو خلق الشّروط الضّرورية ﻹعادة إنتاج الاِستبداد. وهذه الهندسة السّياسية والاِقتصادية الاِجتماعية تقوم على تأزيم اﻷوضاع من كلّ الجوانب، تعطيل العجلة الاِقتصادية، خلق جوّ مناسب للعمليّات الإرهابية، إثارة القضايا الخلافية الإيديولوجية… وحينما يضيق الرّزق ويتهدّد اﻷمن يصبح الاِستبداد مطلبا لدى أغلبيّة من المجتمع. ولا شكّ أنّ هذه الشّروط قد توفّرت واِستكملت وها نحن نرى الكثيرين يردّدون خطابا يمجّد بن علي وبورقيبه… ويلعن الثّورة…

ومع ذلك تصرّ أغلبيّة أخرى في تونس الحرّة وهي الّتي شاركت في الثّورة وآمنت بها على إنجاح ثورتها وتصطفّ صفّا واحدا ضدّ عودة الاِستبداد. وﻷنّ الآليّة الوحيدة للحكم الدّيمقراطي هي الاِنتخابات ترضى هذه اﻷغلبيّة بكلّ هذا الشّقاء وترفض أيّ سيناريو يدعو إلى تغيير بغير الصّندوق وترفض كلّ أشكال الاِنقلابات. وقد أدّى هذا اﻹيمان بالاِنتخابات إلى حدّ التوجّس من التحرّكات الاِجتماعية خشية أن تكون مطيّة ﻹدخال البلاد في الفوضى الّتي قد تؤدّي إلى سقوط كامل المسار الاِنتقالي خاصّة وأنّنا نعرف جيّدا ما يطلبه أعداء الثّورة من أيتام المخلوع وعملاء الاِستعمار ونعرف مدى الجنون الّذي يسيطر على عقول العديد من المغامرين المنخرطين في أجندات معادية للثّورة وهم ينتظرون اللّحظة المناسبة للتوثّب على السّلطة.

إنّ معاينة الواقع تكشف لنا أنّ أغلبيّة من الشّعب التّونسي، بوعي أو بغير وعي، تتصرّف وفق هذا المبدأ: أن نضحّي ونقبل بهذا البؤس مقابل الوصول إلى المحطّة الاِنتخابية لننهيه بالدّيمقراطية.

هذا الخيار هو مبدئي للبعض ورومنسي ﻵخرين ولكنّه في كلّ الحالات يمثّل مغامرة غير محسوبة ولكن لا يبدو لنا حلّ غيره.
وقد لا تخالف النّهضة هذه اﻷغلبيّة في تصوّرها للحلّ السّياسي من أجل تجاوز اﻷزمة ولكن ماذا عن الشّاهد؟ كيف يقيّم الشّاهد الحالة السّياسية وكيف يرى الحلّ حسب ما يظهر من خلال سياسات حكومته؟

مقايضة الاِنتخابات بمطلب التّخفيف من ضغط غلاء المعيشة:

لقد أدرك الشّاهد هذه الحقيقة فهم أنّ اﻷغلبية المؤثّرة في المجتمع المدني السّياسي التّونسي تعتبر الاِستحقاق الاِنتخابي خيار مصيري لا مجال للتّنازل عنه وأن لا مجال للتخلّي عن الدّيمقراطية. وبالتّالي فإنّ الوعي السّياسي التّونسي أو العقل الحسابي التّونسي أصبح مبرمجا على هذه القاعدة ممّا يجعل سلوكه السّياسي اِقتصادي جدّا. يرفض أيّ مغامرة ممكنة أو أيّ توتير ممكن للوضع. ومن الضّروري بالطّبع أن نميّز بين محدّدات السّلوك السّياسي عند رجال السّياسة وما يقابلها عند عامّة النّاس.

إنّ عامّة النّاس، أولئك الّذين لا يطمعون في سلطة أو كرسي لا تهمّهم حسابات السّياسيّين فكلّ ما يهمّهم هو ما يتعلّق مباشرة بخبزهم اليوميّ ومعيشتهم لذا يكون لزيادة الأسعار تأثير مهمّ في تحديد سلوكهم الاِحتجاجي ولن يهمّهم مآل أيّ تحرّك اِحتجاجي حتّى وإن أدّى إلى سقوط المسار الدّيمقراطي برمّته.

إنّ المحدّد الاِقتصادي لسلوك هؤلاء هو ما يترتّب عنه من مضارّ على مداخليهم (عملهم) وخبزهم وأمنهم، لا يمنعهم عن الاِحتجاج إلاّ تهديد أمنهم كالإيقاف اﻷمني أو الطّرد من العمل أو توقّف اﻷجر بسبب تعطل الإنتاج للعاملين منهم في القطاع الخاصّ. ما عدى هذه الاِعتبارات لن تعنيهم حسابات أخرى وليذهب كلّ شيء إلى الجحيم.
إذن، إذا كان اﻷمر كما قلنا وأنّ هؤلاء لا يراهنون على الاِنتخابات فمّا الّذي منعهم عن الاِحتجاج والحال كما نرى بلغ مداه؟ ألم يصل الظّلم والجور حدّا لا يطاق؟
تكشف لنا التّجربة أنّ الظّلم مهما كان حدّه لا يكفي ليدفع مجموعة من اﻷفراد إلى الاِنتفاضة على حكومة ما والثّورة عليها وإذا حدث ذلك فلن يكون لهذا الحراك حظوظ كبيرة في النّجاح إذا لم تجد هذه المجموعة سندا لها لدى النّخبة المثقّفة والموجّهة وتحديدا الحقوقيّين والنّقابيّين والسّياسيين. ﻷنّ هذه النّخبة هي الّتي ستعيد بناء المطالب وتعيد بناء مسار الحراك وفق أهداف سياسيّة تتجاوز المطلب المادّي المباشر الّذي صاغته الحاجة تحت ضغط الواقع الحينيّ لتحوّله من حراك فئوي أو جهوي إلى حراك وطني يجمع حوله جميع أبناء الشّعب الرّافض لسياسات الحكومة بقطع النّظر عن اِنتماءاتهم الحزبيّة أو ميولاتهم الأيديولوجية.

النّهضة والاِتّحاد غطاء الشّاهد:

يدرك الشّاهد حقيقة مفادها أنّ الشّارع لا يحرّكه إلاّ طرفان إمّا النّهضة أو الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل وغير هؤلاء لا أحد يستطيع أن يجيّش مهما كانت القضية ومهما كان الحدث. فالنّهضة حزب مهيكل وله قاعدة واسعة من المنخرطين والمتعاطفين وهي متغلغلة في نسيج المجتمع ولها هرميّة قيادية ناجعة حيث تلعب القيادات القاعدية الموجودة في عمق المجتمع الدّور اﻷساسي في الحشد والتّجييش ونفس الأمر بالنّسبة إلى الاِتّحاد الّذي يتمتّع بهيكلية وهرمية مشابهة مع فارق بالطّبع. وهو لا يجيّش فقط منخرطيه بل كلّ المعارضين للحكومة وللنّهضة. وإذا كانت دعوة النّهضة تستجيب لها قواعدها ويلبّيها كلّ أصحاب الميولات الإسلامية والمدافعين عن الهويّة فإنّ دعوة الاِتّحاد تلبّيها في الحال قوى اليسار وأصحاب الميولات اليسارية.

ولكن هل يقبل حزب النّهضة أو الاِتّحاد اليوم أن يلعبا دور تأطير حراك اِجتماعي اِحتجاجي قد تكون له تبعات سياسيّة لو حدث؟
بالطّبع لا، فقد تمّ تحييد الاِتّحاد نسبيّا بعد أن تمّ توريطه في لعبة التّفاوض الاِجتماعي وترويضه وقد اِنطلت عليه حيلة الزّيادة في الأجور الّتي كانت حيلة ماكرة لم يجني منها الشغّالون سوى البلاء.

أمّا النّهضة فقد تورّطت بدورها و لا يمكن التّعويل عليها. فدخول النّهضة في شراكة مع النّداء منذ اِنتخابات 2014 كان بمثابة صفقة اِستفادت منها المنظومة القديمة الّتي جعلت من النّهضة شريكها في مشروع تصفيّة الثّورة تدريجيّا وعلى مهل. وتظنّ النّهضة أنّها حقّقت إنجازا لها وللثّورة بوجودها في الحكم ولكنّها في الحقيقة تقف اليوم حاجزا بين الشّعب ومنظومة الاِستبداد الرّاجعة. وتظنّ النّهضة أنّها باِختيارها للشّراكة مع النّداء تنقذ النّهضة وهي في الحقيقة قد عدّلت من سيناريوهات الثّورة المضادّة حيث دفعتها إلى اِستبدال سيناريو التّصفية العنيفة للثّورة ولمسارها وللثوّار بسيناريو ملطّف أقلّ عنفا حاليّا وأطول وقتا.

يعلم الشّاهد أنّ الشّعب المقهور أصبح حائرا وحيدا ليس له سند غير أصوات الشّباب وتغريدات الفايسبوك وبعض الأصوات الإعلامية الّتي ليس لها من دور سوى التّنفيس على الشّعب وهو ما يخفّف من الاِحتقان بما يخدم مصلحة الشّاهد وحكومته.
لا يمكن أن ننتظر من النّهضة أن تقف اليوم مع حراك الشّارع المحتجّ والغاضب على عربدة الحكومة، فالنّهضة هي جزء من الحكومة من جهة وهي أيضا فاعل سياسي له حساباته من جهة أخرى. وككلّ سياسي ينظر بعين الطّامع في الاِستحقاق الاِنتخابي تكون الحسابات الاِنتخابية هي المحدّد لسلوكه. وبالتّالي يمكن القول أنّ النّهضة هي أكثر اﻷطراف اِستعدادا للوقوع في المغالطة ولعبة المقايضة. أن تقبل بسياسات الحكومة القاسية والمجنونة مقابل الوصول للاِنتخابات، أمّا إذا اِختارت الاِحتجاج وإسقاط الحكومة فإنّها ستخسر الاِنتخابات وكامل المسار.
إنّها اللّعبة القذرة وأقسى اِبتكارات العقل السّياسي التحكّمي الماكر.

قواعد اللّعب:

منذ الإعلان عن هروب المخلوع يوم 14 جانفي 2011 اِنكشفت لنا حقيقة هذا الاِنقلاب على الثّورة اِعتمادا على خطّة التّضحية برأس النّظام من أجل اِحتواء الاِنتفاضة الشّعبية وإعادة توجيه مسارها بطريقة تساعد على المحافظة على النّظام وأخذ الوقت ﻹعادة رسكلته وتنظيمه واِعتماد خطّة اِنسحاب ثمّ إعادة اِنتشار. وتبيّن لنا مع تكرار نفس اﻷحداث في مصر وغيرها أنّ هناك ورقة لخطّة واحدة معتمدة من الجميع وهي معدّة مسبقا في مراكز بحث اِستراتيجي اِشتغل عليها خبراء كبار بشكل علميّ، قاموا بنمذجة الاِنتفاضات والثّورات. واِعتمادا على النّمذجة وقع التحكّم في الثّورات وتمّ تعطيل بعضها وإفساد أخرى ونسف البقيّة.
وتقدّمت الأذرع التّابعة للمنظومة القديمة الاِنقلابية للقيام بمهمّة تنفيذ هذه الخطط الجاهزة ونجحت في ذلك مستغلّة رومنسية الثّوار وسذاجة السّياسيين وأنانيّتهم.
ولا أعتقد أنّ الشّاهد أو فريقه يتمتّعان بالذّكاء أو الخبرة العلمية أو السّياسية ليلعبا هذه اللّعبة اأخيرة الّتي نراها اليوم، لعبة المقايضة الّتي ليس من السّهل الاِنتباه إليها ﻷنّ المقايضة المعروفة والممارسة في اﻷنظمة الاِستبدادية هي مقايضة الأمن بالحرّية وليس الاِنتخابات بالتّخفيف من ضغط الغلاء أو لنقل الرّفاه المفقود.

فهل اِستبدل الشّاهد الأولى الهوبزية بالثّانية؟

نحن نعيش حالة في تونس تستحقّ الدّرس. حالة مركّبة ومعقّدة. فخصوصيّة التّجربة التّونسية لا يساعد على فهمها إلّا الاِستنجاد بأكثر من نموذج علمي. ومن أهمّ النّماذج العلميّة المساعدة على تحقيق مطلبنا النّموذج البيولوجي. إنّ أيّ كائن يتشكّل في وضع غير طبيعي أو في وسط غريب عنه أو يتعرّض إلى تأثيرات قويّة فإنّه يولد مشوّها. وهكذا هي الدّيمقراطية التّونسية ولدت مشوّهة ومعوقة. والخطاب السّياسي الرّسمي هو تحريفي لها. ولا أعتقد أنّ هذه الدّيمقراطية الفاسدة والعاطلة والعبثيّة يمكن أن تؤدّي إلى شيء إذا لم تحدث ثورة حقيقيّة في العقل السّياسي التّونسي وفي سلوك المواطن التّونسي اِنتخابيا وسياسيّا ونقابيّا.

أفسدت الدّيمقراطية منذ المناسبة الاِنتخابية اﻷولى للمجلس الوطني التّأسيسي حيث اِنكشفت حقيقة النّخبة السّياسية واِنكشف زيف وعيها وتحجّرها الفكري وتعصّبها الأيديولوجي واِنعدام الرّؤية والمشروع لديها. كانت المآلات رفض الحكم وفق آليّة الاِنتخابات واِستبدالها بالتّوافق. ومن المغالطات المتداولة أنّ الدّستور التّونسي لا يسمح ﻷحد بأن يحكم في حين أنّ الحقيقة هي كون لا أحد يريد أن يحكم لأنّه لا أحد يريد أن يتحمّل المسؤوليّة. وها نحن نرى النّهضة لا تريد أن تفوز بالموقع اﻷوّل في الاِنتخابات حتّى لا تتحمّل مسؤوليّة الحكم. وهذا الهروب ليس في حقيقته بسبب العجز بقدر ما هو معاداة الوسط السّياسي للنّهضة. ممّا يعني أنّنا بسبب هذه العقلية الاِستبدادية الكامنة في عقول المعادين للنّهضة مهدّدون بقوّة بعودة الاِستبداد. لأنّ هؤلاء يعتمدون حيلة وهي أيضا مقايضة الدّيمقراطية بالنّهضة، ديمقراطية بلا نهضة أو الاِستبداد. علما وأنّه لو ظنّ أحمق أنّه إذا لم يكن لنا من حلّ ﻹرساء الديّمقراطية غير التّضحية بالنّهضة فلنضحّي بها. وهنا سيكون من اللاّزم القول أنّ الدّفاع عن النّهضة ليس دفاعا مبدئيّا وإنّما هو اِستراتيجي وبراغماتيّ، فالنّهضة هي الجسم الكبير الّذي تتشكّل حوله قوّة سياسيّة ويمثّل قوّة ديناميكية للحياة السّياسية لو ضربت لحدث الفراغ الّذي سيمكّن أعداء الثّورة من أبنائها. ولكن وللأسف فإنّ أخطاء قيادات النّهضة الاِستراتيجية واِختيارهم لسياسة اللّعب السّلبي يجعل من هذا الجسم أيضا حائلا دون حسم معركة المواجهة ضدّ منظومة الاِستبداد.

إنّ الشّاهد اليوم هو رأس هذه المنظومة، وسيعلم قادة النّهضة بعد فوات اﻷوان أنّهم أخطأوا خطأ قاتلا في حقّ أنفسهم وفي حقّ الثّورة، وسيدركون أنّه هو اﻷخطر على مسار الاِنتقال الدّيمقراطي.
إنّ الشّاهد في الحقيقة لم يستبدل المقايضة الهوبزية الأمن بالحرّية بمقايضة الاِنتخابات والدّيمقراطية بالرّفاه والسّلم الاِجتماعي بل إنّه يستعملهما معا ويراوح بينهما. إنّه يضع كلّ الفاعلين تحت سيطرة هذه اللّعبة. فالكلّ ينخرط بلاوعي في هذا اﻷفق المتأزّم الّذي لا ينفتح إلاّ على الضّبابية. ولو طرح كلّ واحد منّا سؤالا على نفسه ماذا علينا أن نفعل؟ هل نسقط الشّاهد اﻵن ونستبدله بآخر؟ ولكن هل سيكون من السّهل؟ فهذا لا يخلو من مخاطر وأطراف عديدة يمكن أن تدخل على الخطّ وتحوّل مسار أيّ حراك عكس ما يريد الشّعب خاصّة مع الوضع الإقليمي المتوتّر والمعادي للثّورة التّونسية. إذن لنتحمّل الشّاهد ولننتظر الاِنتخابات. ولكن هل الوصول للاِنتخابات مضمون وهل ستكون نزيهة وتنتهي بتغيير منظومة الحكم؟

بالطّبع لا، فلا شيء مضمون. كيف لنا أن نوهم أنفسنا بكوننا سنعيش اِنتخابات نزيهة! إنّ سلوك الشّاهد وحكومته هو من يؤكّد ذلك. فأن يتّخذ رئيس حكومة إجراءات قاسية معادية للشّعب قبل الاِنتخابات بمدّة قصيرة لا يمكن أن يكون معقولا خاصّة وأنّه وحزبه يستعدّون لخوض الاِنتخابات.
إنّ سياسات الحكومة خاصّة تلك الّتي تسبق الاِنتخابات بقليل هي الّتي تؤثّر في تحديد السّلوك الاِنتخابي. فكيف سيستميل الشّاهد الشّعب بتصرّفاته هذه؟
يبدو أنّ الشّاهد وجماعته يفكّرون بمنطق آخر، ليس تحت تأثير مغالطة مؤسّسات سبر اﻵراء، وإنّما وفق منطق المنظومة القديمة المال فاسد وتزوير الاِنتخابات شرط ضمان الاِنتخابات ولا شيء آخر.
ومن مظاهر تشوّهات ديمقراطيّتنا نذكر مبدأين مشوّهين:
في النّظام الدّيمقراطي يكون المحدّد اﻷساسي لتجديد الثّقة في حزب يقود الحكومة هو مدى خدمتها للمصلحة العامّة. هذا المبدأ لا قيمة له في تونس، فبإمكان السّياسي أن يتّخذ كلّ السّياسات اللاّشعبية ويراهن على النّجاح في الاِنتخابات. فالسّلوك الاِنتخابي مثل السّلوك السّياسي لا تحكمه مبادئ العقل السّليم.
المبدأ الثّاني المنتهك: الشّعب مصدر السّيادة، لذا هو من يفوّض ﻷشخاص ينتخبهم حقّ حكمه وإدارة شؤونه. ولكن في تونس يتوجّه السّياسيون إلى الشّعب لاِنتخابهم ولكن لا يكتفون بذلك ولا يعترفون بسيادته وإنّما يتوجّهون إلى دول الهيمنة ليستمدّوا منها شرعيّة حكم أخرى، لذا تراهم يسارعون إلى إرضائهم وخدمتهم وإن كان على حساب الشّعب الّذي اِنتخبهم، وهذا ما يحدث غالبا. فنرى الشّعب ينتخب نوّابا يشرّعون قوانين ويصادقون على حكومات تضع سياسات ضدّهم.
ولا يشذّ الشّاهد وجماعته عن هذه القاعدة، وها هو يخيّرنا بين بؤس اِجتماعي مع اِنتخابات أو نضال اِجتماعي وإنهاء الدّيمقراطية.

وإذا قبلنا بهذا البؤس وقلنا سنرضى ونصبر فهل سيتوقّف الشّاهد عن غيّه. إنّ حكومة الشّاهد ستواصل في نفس السّياسة ﻷنّ رئيسها قرّر أن يستغلّ الفرصة ليمرّر كلّ القرارات القاسية في هذا الوقت القصير المتبقّي ويعوّل على كلّ وسائله وعلاقاته لتهوين البلاء علينا حتّى نبلع الحربوشه ورا الحربوشه ونتجرّع كلّ أنواع السمّ المعدّ لقتل كلّ أمل فينا.

فماذا سيكون بعد كلّ هذا الصّبر؟

ستأتي لحظة الاِنفجار. سيهندسون للاِنفجار في مختبراتهم وتأتي لحظة المقايضة اﻷصلية وقتها نكون قد خارت قوانا ولم يعد لنا جهد للمقاومة والاِحتجاج ونكون أمام طريق واحد يؤدّي بنا إلى سجن الاِستبداد من جديد.

للأسف الشّديد لم يبق ما يكفي من الوقت لإنقاذ الموقف الّذي لن يكون بدون شرط إبعاد الشّاهد. ولكن وقد أضاعت النّهضة الوقت، وقد أعيد تشكيل حزب النّداء ومعه تغيّرت الاِرتباطات غير المعلنة، هل سيكون بإمكان النّهضة إسقاط الشّاهد؟ فات الميعاد.

لقد فقدت الحكومة شرعيّتها السّياسية اﻷخلاقية رغم محافظتها على شرعيّتها القانونية الدّستورية. وفقدت الطّبقة السّياسية شرعيّتها النّضالية وأصبح الشّعب حائرا وحيدا يواجه منهكا أعباء الحياة وكوارث الحكومة. لا شيء لنا غير الإيمان بالله وبالثّورة وبالشّباب. إنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا. وما النّصر إلاّ صبر ساعة.  (الأستاذ خليد بلحاج)

%d مدونون معجبون بهذه: