شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | في الحراك السّوداني: الاِنقلاب وبعد؟

في الحراك السّوداني: الاِنقلاب وبعد؟

Spread the love
image_pdfimage_print
رويترز

L’image contient peut-être : 1 personne, lunettesلم يبطئ الشّعب السّوداني – وهو الشّعب المسيّس والمثقّف- في اللّحاق بموكب الحراك الشّعبي العربي الّذي دشّنته تونس بداية العقد الثّاني لهذا القرن رغم ما عرفه هذا الحراك الشّعبي من اِلتفاف أو ضرب أو تعفين في عديد محطّاته من اليمن إلى مصر وسوريا وليبيا وما تعرفه التّجربة التّونسية من تعثّرات.

لا تختلف أسباب الحراك السّوداني عن غيرها في باقي البلاد العربية والمتمثّلة في اِستبداد سياسي طال أمده من طرف قيادة سياسيّة لا تعرف التّداول ولا التعدّدية تراكم الفشل الاِقتصادي وتقمع الحرّيات.

ربّما بدا للبعض أنّ النّظام السّوداني له صبغة خاصّة اِستمدّها من كونه جاء مدعوما من حركة تستهدف التّغيير والإصلاح أطاحت بنظام عسكري مستبدّ جاء بعد اِنقلاب سنة 1969 وهو نظام جعفر النّميري، ورمت إلى اِستبداله بنظام يمنح الشّعب الحرّية ويعزّز الخيار الدّيمقراطي ويحقّق أكثر نماء وعدالة اِجتماعية إلاّ أنّ التيّار الّذي أطاح بالنّميري وفسح المجال لحكم مدني تساهم فيه الأطراف السّياسية الرّئيسية وهي حزب الأمّة بقيادة الصّادق المهدي والحزب الاِتّحادي بقيادة المرغني والجبهة الإسلامية بقيادة التّرابي وفي ظلّ اِختلاف بين هذه القيادة الثّلاثية وخاصّة في ما يتعلّق بالموقف من مسألة اِنفصال الجنوب سارع التيّار الإسلامي إلى اللّجوء إلى الخيار العسكري مجدّدا لإعادة ترتيب الأوراق غير متنبّه إلى خطورة الآليّة المتّبعة وهو ما تجلّى بوضوح بعد فترة وجيزة من اِنقلاب البشير سنة 89 ورفضه الخيارات الدّيمقراطية الّتي كان يتبنّاها التّرابي وجبهته، وكان الطّلاق بين الرّجلين.

عمر البشير خلال إلقاء كلمة في دارفور

كان لهذا الطّلاق أثره في إحداث شرخ في الجبهة الإسلامية أدّى إلى اِنقسامها بين مؤيّد للبشير والاِنخراط معه في دولة العسكر المتسربلة بالخيار الإسلامي، في حين أيّد فريق آخر التّرابي الّذي تحوّل إلى معارض للنّظام من منطلق الشّرعية التّاريخية.

لا شكّ أنّ الضّغوط الإقليمية والدّولية الّتي مورست على نظام البشير بعد اِكتشاف هويّته الإسلامية بداية التّسعينات لعب دورا كبيرا في إحداث الطّلاق بينه وبين التّرابي من ناحية وبينه وبين المشروع الإسلامي القائم على الدّيمقراطية والحرّيات من ناحية ثانية، وتحوّل نظامه شيئا فشيئا إلى نظام عسكري يبعد عن الشّعب وينغمس رجالاته تدريجيّا في الفساد ما أدّى برغم طول فترة حكمه إلى عدم تحقيق أيّ رفاه للشّعب السّوداني وظلّت فاقته القديمة متواصلة.

كما راكم الرّئيس البشير إلى جانب فشله السّياسي في ملفّ الدّيمقراطية والحرّيات والشّراكة فشلا أكبر بأن تمّ تقسيم السّودان على عهده وخروج جنوب السّودان مركز الثّروة النّفطية في دولة مستقلّة، وأضاف إلى ذلك ملفّا حقوقيّا ثقيلا في حرب دارفور لعبت عليه القوى الدّولية للضّغط على النّظام السّوداني ومحاولة تدجينه.

لا شكّ أنّه برغم صدور بطاقة جلب من محكمة الجنايات الدّولية في حقّ البشير فإنّه لا يوجد حرص يذكر في هذا الاِتّجاه منذ اِندلاع الرّبيع العربي وأصبح النّظام السّوداني يلقى دعما من أغلب المحاور الإقليمية والدّولية خاصّة أنّه أظهر براغماتية تقارب الاِنتهازية جعلته يقفز من دعم محور الممانعة الإيراني السّورى إلى المحور الخليجي.

أثار اِنطلاق الحراك السّوداني منذ ديسمبر الماضي إثر مضاعفة ثمن الخبز ثلاث مرّات قلقا في الإقليم وخاصّة لدي الدّول المتصدّية لمقاومة الرّبيع العربي والعمل على إجهاضه مثل السّعودية ومصر والإمارات الّتي تجد عناء في الملفّ اللّيبي والملفّ السّوري وليس أقلّ في الملفّ التّونسي وذلك خوفا من اِنبلاج بؤرة جديدة للثّورة العربية الّتي لا زالت محتدمة، كما تتابع المحاور الدّولية بنفس الاِنشغال هذا الحراك.

لا شكّ أنّه مع التّصميم الشّعبي أضحت أيّام البشير معدودة ونهايته حتميّة، لذلك اِلتقت إرادة أهل النّفوذ في الدّاخل السّوداني والمنظومة الإقليمية والدّولية على ضرورة المسارعة بإزاحة الرّجل وتجنّب سقوط النّظام وإجهاض الثّورة من خلال ذلك، فكان اِنقلاب وزير الدّفاع اِبن عوف يوم 11 أفريل 2019، نصف قرن بعد اِنقلاب جعفر النميري سنة 1969.

والبيان رقم 1 الصّادر اليوم عن القيادة العسكرية شكلا ومضمونا يمثّل اِنقلابا كلاسيكيّا عرفته المنطقة العربية منذ الأربعينات في العراق وسوريا تلته مصر في الخمسينات وليبيا نهاية الستّينات، وكلّها مثّلت فصلا مؤلما من تاريخ المنطقة اِصطبغ بالعسف والاِضطهاد والفشل الاِقتصادي.

فلا غرو أن رفض رموز الحراك الشّعبي السّوداني هذا الاِنقلاب وما قرّره من صيغة تسيير البلاد مدّة سنتين من طرف العسكريّين الّذين يمثّلون جزءا من النّظام المستبدّ لعمر البشير وتصادمه مع المطالب الشّعبية في تحوّل ديمقراطي يكون السّياسيون شركاء في تسيير مرحلته الاِنتقالية.

إنّ خروج جحافل المواطنين اللّيلة لخرق حظر التجوّل الّذي أقرّه الاِنقلابيون يذكّرنا بخروج الملايين من الإيرانيين سنة 79 لخرق حظر التجوّل ليلا الّذي أقرّه بختيار الوزير الأوّل بعد مغادرة الشاهنشاه إلى الخارج في اِنتظار هدوء الأوضاع، وكان لتلك الحركة الأثر في اِنتصار الثّورة. فهل يعيد التّاريخ نفسه؟ فما ذلك على شعب السّودان ونخبه المتميّزة وأحزابه العريقة بعزيز.

(الأستاذ قسومة قسومة: 11/ 4/ 2019)

%d مدونون معجبون بهذه: