أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / ‎هل السّياسة نجاسة؟

‎هل السّياسة نجاسة؟

Spread the love

الفارابي

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

تجوب المدوّنة التّراثيّة طولا وعرضا على اختلاف مجالاتها وعلومها ومعارفها ومذاهبها ومدارسها واختصاصاتها وحقبها التّاريخيّة، بما توفّره لك التّكنولوجيا الرّقميّة من محرّكات بحث، فلا تجد في تعريف السّلف والخلف وتابعيهم للسّياسة من يسمّها أو يصمها بالنّجاسة أو الفعل النّجس أو المُنَجِّسِ، رغم التّحذير الوارد في هذه المدوّنة من جور الحكّام والتّنفير من الوقوف بباب السّلطان ومصاحبة أهل الصّولجان وتهيّب أهل الصّلاح من المناصب خاصّة القضاء خشية إنتهاك حقوق النّاس.

ولكن لا تجد البتّة من يستقذر الشّأن السّياسي ويعدّه من النّجاسات أو الخبائث أو الرّجس الشّيطاني الّذي يجب إجتنابه والتوقّي منه.

‎ من أين جاء إذن هذا الوصم للسّياسة بالنّجاسة وللسّياسيين بالأنجاس؟

هو من آثار السّياق المسيحاني الّذي قسّم الحياة والعالم والوجود إلى فضاء روحيّ طاهر مقدّس متعالٍ وفضاء زمانيّ أرضيّ نجس مدنّس. وفاضل بين الفضائين رغم سطوة المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة ممثّلة في الكنيسة الكاثوليكيّة على الفضائين من خلال تحالفها مع المؤسّسة الملكيّة طيلة القرون الوسطى وممارستها أبشع الإنتهاكات.

وهو كذلك من آثار خطاب العلمنة لتبربر الفصل بين الدّين والسّياسية، حيث دعا أهلَ الدّين إلى عدم تدنيس الدّين بنجاسة السّياسة حتّى يحافظ الدّين على طهرانيّته وصفائه ونقائه وتبقى السّياسة مجالا خالصا للسّياسيين يمارسون فيه اللّعبة السّياسيّة القذرة ومناوراتها.

وهي تصوّرات غريبة عن سياقات التمثّل التّراثي لإدارة الشّأن السّياسي، حيث يحيل لفظ السياس في المعجم العربي على حسن التّدبير والرّياضة ورعاية مصالح النّاس وإصلاحهم.

وقد دخل لفظ السّياسة في عناوين المؤلّفات في القرن الرّابع للهجرة ليحيل على فنّ من فنون المعارف والعلوم الّتي صنّفت ضمن الحكمة العمليّة في كتب تصنيف العلوم وإحصائها.

‎ومنهم من ربط بين السّياسة والدّين مثل إبن سينا، حيث إعتبر هدف السّياسة من حيث هي فرع من فروع الحكمة العملية الوصول إلى خير الإنسان في دنياه وآخرته.

‎ومنهم من لم ير ذلك مثل الفارابي الّذي يرى أنّ العقل كفيل بتحقيق الفضيلة، وصنّف السّياسة ضمن العلم المدنيّ الّذي يضبط أنواع الرّياسة والسّياسات والإجتماعات المدنيّة وأحوالها.

ومهما إختلفت التمثّلات والمفاهيم، لم تنفصل السّياسة أبدا عن الأخلاق والحكمة والفضيلة في كتب تصنيف العلوم وإصطلاحات الفنون.

‎ولم يشذّ الفقهاء والأصوليّون وعلماء السّياسة الشّرعيّة عن هذا المعنى حيث أورد إبن عقيل وهو فقيه حنبلي في تعريف السّياسة أنّها: ” ما كان من الأفعال بحيث يكون ‎النّاس معه أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرّعه الرّسول صلى الله عليه وسلّم ولا نزل به وحي”.

السّياسة إذن، فعل شريف ومهمّة نبيلة تقرّها العقول والأديان طالما لم يداخلها تسييس للمقدّس وإضفاء قداسة على الكسب البشريّ في إدارة الشّأن العامّ، ولم تتحوّل إلى جور وقهر وتسلّط على رقاب النّاس وتنفّع وفساد وإفساد في الأرض.