الأستاذ الهذيلي منصر

عندما أتدبّر حالنا تونسيّا وأيضا عربيّا أخلص إلى ملاحظة لعلّها تنفع: في العام نضيع الوقت في هدم ما يبنيه الآخرون نقدا وسخريّة وسبّا ولعنا. نعتقد أنّنا نقنع الآخرين بما نبنيه عندما نهدم ما بناه الآخرون أو يبنونه. عندما نضمن لأنفسنا فراغا يكون لنا الحضور أو هكذا نقدّر ونفكّر. يجب أن يخلو السّوق من الباعة ليكون لسلعتي كلّ الرواج. هكذا أمرنا في الرّؤى والسّياسات والفكر والفتاوى.

أعتقد أنّ البناء المتين يمتلك من القدرة على الإقناع والجذب ولا يحتاج دخولا في سجال ومناكفات ويتعرّف عليه وجيها في ذاته لا بمقارنات. التطوّر من بناء بالنّفي إلى بناء بالإثبات ذهني. ليس تطوّر فكر ولا هو تطوّر اِعتقاد.

السّؤال عن الكيف طبعا. كيف نضمن هذا التطوّر أو الاِنتقال؟ نحتاج عمليّة شبيهة بتلك الّتي ينجزها المختصّون في الحواسيب عندما يكون اِمتلاء وتشابك ملفّات وتسرّب فيروسات. نحتاج مسح القرص. في كلّ حقل تقريبا نحتاج من هذا المسح أو الفسخ. زرت مكانا أخّاذا جميلا منذ أيّام. مكان يُشتغل فيه على إعادة تركيب الأشياء وتأليف المواد وبناء العلاقات. مكان يجلّي، على الأقلّ كما أشعر معنى أبحث عنه وأرى فيه بشارة خلاص.

أيّ معنى؟ معنى أنّ هناك دائما ذلك الممكن المتروك أو الممكن الّذي نغفل عنه. المكان ينطق بما فيه من أشياء ويعبّر تجلّيا وحضورا وإشارة وليس هذا بالقليل ولكن في عمق عمقه نصّ قويّ وبديع. يكفي أن نترجم المكان إلى كلمات لنبدع حلولا لورطاتنا في الفكر والسّياسة والدّين. من قال أنّنا إذا تأمّلنا برعما أو إذا تشمّمنا عطرا لا نعيد تركيب العالم؟ الخلاص يأتي دوما من بسيط تفتّق وأخرج عميقه. جاء في السّابق خلاص إلى عالم بزمن إمبراطوريات عاتية من غار متروك تعبّد فيه الرّسول وظفر فيه بعزيز المعنى. لا أرى أنّ تجربة حراء معجزة في المطلق. أرى أنّها ممكن إنساني متجدّد لا يمنعه إلاّ نسياننا الإنساني. يكفي أن نتذكّر ولكي يكون ذلك نحتاج نطفة مذكّرة. بعدها حمل فمخاض فوضع.