أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / وثيقة قرطاج 2 والمواقف “المبدئيّة” لأطرافها

وثيقة قرطاج 2 والمواقف “المبدئيّة” لأطرافها

Spread the love

إبراهيم الزغلامي

يبدو أنّ الوضعيّة السّياسيّة في البلاد تتّجه إلى مزيد من الاِنسداد، وذلك إثر تمسّك الجميع بمواقفهم “المبدئيّة”، بل إنّ هناك من بدّل موقفه “المبدئيّ” في يومين ( فقد كان رئيس اِتّحاد الصّناعة والتّجارة من بين الموقّعين على بقاء الشّاهد في اِجتماع الثّلاثاء، ولكن بقدرة قادر اِنقلب  في اِجتماع يوم الجمعة وأصبح من بين المطالبين برحيله).

وممّا زاد الأمر تعقيدا هو غموض موقف رئيس الجمهوريّة الباجي قايد السّبسي الّذي اِكتفى بـ”الفرجة”، ولم يدلُ بدلوه ولم يحسم أمرا واضحا في مآل الشّاهد، الأمر الّذي دعا النّهضة إلى مزيد التمسّك به.

ويبدو أنّ موقف النّهضة “المبدئيّ” من الشّاهد مبنيّ على عديد المعطيات، خاصّة المالية للبلاد، والّتي أحاط بها الباجي علما مؤخّرا ( الأمر الّذي أربكه). وأهمّ أمر اِرتكزت عليه النّهضة هو إعلام ممثّل البنك الدّولي للحكومة عن طريق أحد وزرائها باِستحالة إرسال تقريره إلى إدارة البنك الدّولي الثّلاثاء القادم، وذلك بسبب غموض مصير الشّاهد وحكومته ( وهم محقّون في ذلك: فلمن سيقع صرف القسط المتبقّي: لحكومة الشّاهد أم لحكومة جديدة لم تتبيّن ملامحها بعد؟). وأكّد ممثّل البنك الدّولي بأنّه في صورة ما إذا لم يقع إرسال التّقرير، طبعا في صورة رحيل الشّاهد، فالبنك لن يصرف الـ500 مليار، وبالتّالي فالدّولة تصبح عاجزة عن صرف أجور الموظّفين لشهر جوان).

وبالتّالي فهمت النّهضة أنّ “الشّركاء” الإقليمييّن والدّوليين ضدّ إزاحة الشّاهد، وهو الأمر الّذي تأكّد لديها بعد الزّيارة الّتي قام بها سفير فرنسا إلى مونبليزير، والّتي أكّدت “تطابق” وجهات النّظر فيما يخصّ مصير الشّاهد.

ويبدو أنّ النّهضة أخذت العبرة من التّجربة السّابقة، فتغيير رئيس الحكومة والاِتّفاق على بديل له يستوجب شهرا من الزّمان على الأقلّ، إضافة إلى الاِتّفاق على الفريق الحكومي الّذي يستغرق قرابة الشّهرين… وهو ما دعا النّهضة إلى القبول بتغيير جدّي جزئيّ للحكومة ولكن على أساس تقويم علميّ للوزارات المقترحة للتّغيير. فالنّهضة مع تجديد الحكومة ولكن تبقى الأولويّة للاِستقرار والإصلاحات والحوكمة الرّشيدة… حسب ما صرّح به أحد قياداتها.

لكنّ الملفت للاِنتباه هو الموقف المتشدّد لاِتّحاد الشّغل من الشّاهد وفريقه. فالاِتّحاد لم يترك حيلة إلاّ واِبتدعها لـ”إقناع” شركائه بحتميّة تغيير الشّاهد. وبصراحة، إلى حدّ السّاعة لم أقف على سبب مقنع لـ”مبدئيّة” موقف الاِتّحاد من الشّاهد.

ومن بين الحيل المبتدعة، اِقتراحه لتكوين حكومة سياسيّة، ويبدو ذلك وكأنّه ترضية للنّهضة، الّتي أعربت عن اِلتزامها بخيار الحكومة الحزبيّة… بل، وفي خطوة مفاجأة، أعرب الاِتّحاد عن اِستعداده للاِلتزام كتابيّا بالموافقة على النّقاط الخلافيّة في وثيقة قرطاج ( ملفّ التّربية…) مقابل موافقة النّهضة على تنحية الشّاهد.

إضافة إلى ذلك، بدأ الاِتّحاد و”أذرعه الخفيّة” حملات إعلاميّة منظّمة ومشيطنة لحكومة الشّاهد، وبطريقة مفضوحة تصل إلى حدّ القذارة في بعض أجزائها ( اُنظر إلى تصريح بوعلي المباركي في حقّ وزير العدل: “كيما حطّك الاِتّحاد ينحّيك”) وحملة “التفّاح” كدليل على فشل الحكومة!!

هذا فضلا على تحرّكات الطبّوبي العديدة، والّتي تتجاوز موقعه النّقابي والاِجتماعي، في جميع الاِتّجاهات للتّأثير على الفرقاء بصوابيّة خيار الاِتّحاد، وآخرها لقاؤه لقيادة “المسار” ( موقفها معارض لتنحية الشّاهد)، هذا إضافة إلى لقاءاته المتعدّدة (مباشرة أو عن طريق وسطاء) مع الغنّوشي. وربّما فهم الاِتّحاد غلطا رسائل النّهضة حول مصلحة البلاد واِستقرارها وعدم التّصادم مع الاِتّحاد… فالنّهضة، حسب فهمي البسيط لها، لا مصلحة لها البتّة في مواجهة الاِتّحاد ولكن لا مصلحة لها كذلك في تغوّله وأخذه حجما يصبح بموجبه يولي الحكومات ويعزلها…

وحتّى ندرك حجم المأزق الّذي تعيشه البلاد، علينا بقراءة سريعة لمواقف “النّداء” من كلّ هذا. فبمقانة بسيطة جدّا لتدوينتين كتبهما حافظ قايد السّبسي بقلم برهان بسيّس نفهم تهافت مواقف هذا الحزب الّذي يحكم البلاد. ففي التّدوينة الأولى، تقريبا هدّد فيها حافظ بقلم بسيّس النّهضة بعواقب التمسّك بالشّاهد، وهدّد بفضّ التّوافق… لكنّ حافظ قايد السّبسي عاد اللّيلة عبر تدوينة جديدة بقلم بسيّس يستجدي فيها “سيدي الشّخ” من جديد، ويذكّره بالشّراكة السّياسيّة وبحيويّة مسألة الاِستقرار في البلاد…

إلى حدّ السّاعة، ما زال الجميع متمسّكين بمواقفهم “المبدئيّة” تجاه الشّاهد، لكن لي يقين بأنّه لو أعرب الباجي قايد السّبسي عن موقفه، أيّا كان، فإنّ النّهضة ستتراجع عن موقفها “المبدئيّ” من الشّاهد، وتصبح مسألة “الاِستقرار” و”مصلحة” البلاد كلام ليل.