أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / هيئة الحقيقة والكرامة: الإستماع إلى الإنتهاكات الواقعة إبّان خروج المستعمر الفرنسي من تونس

هيئة الحقيقة والكرامة: الإستماع إلى الإنتهاكات الواقعة إبّان خروج المستعمر الفرنسي من تونس

Spread the love

هيئة الحقيقة

في إفتتاح جلسة الإستماع العلنيّة الخاصّة بالإنتهاكات الّتي شابت خروج الإحتلال الفرنسي من تونس، أكّدت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، مساء الجمعة، أنّ خروج هذا المحتلّ من تونس “لم يكن هديّة، أو نتيجة لمفاوضات فقط، بل كان نتيجة معارك خلّفت مئات الشّهداء والمفقودين”.

وأضافت أنّ هيئة الحقيقة والكرامة توصّلت إلى جملة من الشّهادات والمعطيات، إثر أعمال تقصّ عديدة خاصّة بتلك الفترة، وما شاب خروج المستعمر الفرنسي من تونس، مؤكّدة أنّه من حقّ التّونسيين “أن يعرفوا الزّعماء والقيادات، من نساء ورجال، الّذين قادوا تلك المعارك ضدّ المحتلّ الفرنسي طيلة 3 سنوات”، مشدّدة على أنّ تلك المعارك تشير إلى أنّ “خروج الفرنسيين من تونس لم يكن بالأمر الهيّن كما تصوّره أحيانا بعض وسائل الإعلام”.

وبخصوص الفترة الّتي أعقبت خروج الفرنسيين من تونس، لاحظت بن سدرين أنّ الخلافات الكبيرة الّتي حفّت بخروج الفرنسيين، تحوّلت لاحقا إلى “صراعات وحرب أهليّة أنتجت شرخا كبيرا في المجتمع التّونسي” آنذاك، مضيفة أنّه “من الضّروري مواجهة ذلك الشّرخ بكلّ موضوعية وشجاعة، وعدم الخوف من الحقيقة”، حسب تعبيرها.

ولاحظت أيضا أنّ وحدة النّسيج المجتمعي في تونس ستظلّ “رهينة ذلك الشّرخ، الّذي لم تتحقّق المصالحة حوله بين الفرقاء في ذلك الوقت”، وأنّه بات اليوم ضروريّا “مواجهة الحقيقة كما هي وبكلّ شجاعة، بعيدا عن التّوظيف السّياسي والرّواية الرّسمية لتاريخ تونس”.

ودعت رئيسة الهيئة الجامعات التّونسية والمؤرّخين إلى إعادة كتابة تاريخ تونس إستنادا إلى “المادّة الأوّلية الّتي تمّ جمعها من قبل الهيئة، والمستندة إلى أعمال تقصّ وشهادات، بشكل يساعد على تحقيق المصالحة الحقيقيّة”.

وتمّ في بداية الجلسة عرض شريط وثائقي حول أهمّ المراحل والمحطّات التّاريخية الّتي شهدتها تونس منذ سنة 1952.

وسلّطت الشّهادات الّتي قدّمها مقاومون من الجنسين، الضّوء على الخلافات الّتي شهدتها الحركة الوطنية على خلفيّة إتّفاقية الإستقلال الدّاخلي وما نتج عنها من صدامات تواصلت طيلة عقود، تعرّض خلالها العديد من التّونسيين إلى السّجن والتّعذيب.

الشّهادة الأولى كانت لمبروكة بالضّياف وهي من مواليد 10 ماي 1929 بمنطقة سدادة بمدينة دقاش من ولاية توزر، وهي شهادة مسجّلة تمّ عرضها في بداية الجلسة وروت فيها هذه المقاومة ما عايشته في صباها وخاصّة بين 1955 و1956 ومساعدتها للمقاومين الّذين إستوطنوا في الجبل واختاروه حصنا لمقاومة المستعمر، حيث كانت تساعد الثوّار عبر تقديم الطّعام والعلاج وإخفائهم عن عيون العدوّ عند إصابتهم وكذلك عبر نقل السّلاح للثوّار تحت طيّات لباسها.

ومن بين من ساعدتهم، عمر الصّيد، وهو أحد المقاومين الّذين رفضوا تسليم السّلاح بعد إمضاء إتّفاقية الإستقلال الدّاخلي وفضّلوا مواصلة المقاومة المسلّحة وكاد أن يلقى حتفه جرّاء الجوع والتّعب لولا أن أنقذته مبروكة بالضّياف الّتي آوته “بدوّار” العائلة بمنطقة الشّارب وقدّمت له الطّعام والملجأ.

وعمر الصّيد الّذي قدّم شهادته في جلسة البارحة، من مواليد اوت 1933 بدوز وهو ينتمي إلى عائلة مقاومة حيث أنّ جدّه لوالدته محمّد الغول هو أحد قادة إنتفاضة المرازيق بالجنوب. كما إلتحق مبكّرا بالعمل السّياسي حيث إنتسب إلى الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي في ديسمبر 1949 وتدرّج في المسؤوليات الحزبيّة إلى أن شغل منصب كاتب عام شعبة الحزب بالعوينة الشّماليّة بدوز سنة 1954 ثمّ أمين مال سنة 1955 للشّعبة الحزبيّة الّتي أصبحت حينها تنتمي للأمانة العامّة.

وشارك الصّيد في عديد المعارك الّتي شهدها الجنوب التّونسي ضدّ الإستعمار الفرنسي لعلّ أبرزها معركة جبل عشرات بتطاوين تحت إمرة القائد علي بن حمد. وطالب الصّيد في نهاية شهادته بتخليصه من صفة خائن الّتي وسم بها على خلفيّة إنحيازه إلى صالح بن يوسف، والإعتراف به كمقاوم ساهم في تحرير تونس وردّ إعتباره بعد تعرّضه للإهانات العديدة من قبل منتسبي لجان الرّعاية بمنطقة دوز وحرمانه من أبسط الحقوق كالصحّة والعمل.

الشّهادة التّالية كانت لأرملة المقاوم الأزهر الشّرايطي الّذي حوكم بالإعدام سنة 1963 بعد إتّهامه بالخيانة العظمى. وطاوس الشّرايطي الّتي قدّمت الهيئة شهادتها مسجّلة، هي من مواليد 10 سبتمبر 1925 ببوصليعة السّرس من ولاية الكاف.

عايشت هذه المرأة الكثير من التّضييقات وتعرّضت للتّعذيب بالصّعق بالكهرباء والضّرب والتّعليق من طرف الجندرمة الفرنسية خلال إستنطاقها للتعرّف على مكان زوجها الّذي خاض عديد المعارك ضدّ الإستعمار الفرنسي ومنها معركة زلين في أبّة القصور في 14 جوان 1952 ومعركة جبل السلّوم في خريف 1952 ومعركة سيدي عيش الأولى في 18 سبتمبر 1954، ومعركة الرّديف في أكتوبر1954، ومعركة سيدي عيش الثّانية 20 و21 نوفمبر 1954 الّتي تعتبر من أكبر المعارك ضدّ الإستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا. كما رافقت الطّاوس زوجها إلى جبال الكاف، حيث أصيبت بعدّة رصاصات بركبتيها عندما تفطّنت لها قوّات الجيش الفرنسي المرابطة بسفح الجبل.

أمّا بخصوص مطالبها، فتتمثّل في إرجاع رفات زوجها حتّى تتمكّن من دفنه في مسقط رأسه وتمكين العائلة من الهنشير الّذي إفتكّته الدّولة منها، إضافة إلى إسترجاع منزلها الّذي ترغب في تحويله إلى متحف لإحياء ذكرى زوجها، وأيضا تمكينها من العلاج في المستشفى العسكري.

وتعود الشّهادة الرّابعة إلى المقاوم أحمد المسعودي، وهو من مواليد سنة 1927 بمنطقة الذّهيبة من ولاية تطاوين. وقد إنخرط ونشط في الحزب الحرّ الدّستوري منذ سنة 1948 وبالإتّحاد العام التّونسي للشّغل منذ 1951، وشارك في ثورة المرازيق وهو في سنّ الـ17. شارك المسعودي في عديد المعارك ضدّ قوّات الإستعمار على غرار معركة عفينة ومعركة شعبة إمسلّم ومعركة سيدي حمد ومعركة قصر أولاد دبّاب وأبرزها معركة اقري في ربيع 1956، حيث طوّقت القوّات الفرنسية جبل تطاوين من جميع الإتّجاهات وإستعملت مدافع وطائرات حربية وإستبسل حوالي 200 مقاوم في القتال واستمرّت المعارك منذ السّاعات الأولى من الفجر إلى حدود السّاعة الـ3 مساء حيث نفذت الذّخيرة وتمّ قتل وأسر عدد كبير من المقاومين على يد جيش المستعمر. ووقع إستعمال بعض الأسرى كدروع بشريّة للضّغط على بقية المجموعات لتسليم أنفسهم.

وكان المسعودي من بين المقاومين الّذين وقعوا في الأسر وتمّ إحتجازهم بثكنة تطاوين في ظروف سيّئة، أين تمّ ضربهم وتعذيبهم والتّنكيل بهم، حيث كانت توضع كمّيات كبيرة من الملح في الأكل وفي الماء، إلى حين زيارة بورقيبة لتطاوين. وأمام عدم إستقباله بحفاوة من طرف الأهالي أمر بإحضار أسرى الثّكنة العسكرية إلى السّجن المدني بتطاوين وأظهر تعاطفه معهم وأمر بالإفراج عنهم.

وبسبب توجّهه اليوسفي، لم يقع الإعتراف بصفة المسعودي كمقاوم بعد الإستقلال رغم تحصّله على وسام الإستقلال من الصنف الرّابع، ووقع إقصاؤه من الحياة الحزبية ومنع من تقلّد أيّة مناصب.

وخصّص حمّادي غرس شهادته للحديث حول تفاصيل تتعلّق بأسباب الخلاف بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، وما رافق ذلك من إغتيالات ومحاكمات ومداهمات، إضافة إلى التطرّق إلى أسباب رفض المقاومين التّونسيين تسليم أسلحتهم بعد التّوقيع على وثيقة الإستقلال الدّاخلي.

ومحمّد صالح بن غرس المعروف باسم “حمّادي غرس” مولود في 09 فيفري 1932، متقاعد وكان يشغل سابقا خطّة مدير تجاري في شركة “رينو” بتونس. شارك في النّضال الوطني ضدّ الإستعمار الفرنسي وكان من المنتمين لفرقة رضا بن عمّار.

بدأ بن غرس النّضال الوطني ضدّ التّواجد الفرنسي بتونس منذ مؤتمر 18 جانفي 1952 وشارك في عدّة مظاهرات إندلعت إثر هذا المؤتمر، ثمّ دخل مرحلة الكفاح المسلّح خلال سنتي 1953-1954، وكان ينتمي للحزب الحرّ الدّستوري الجديد بالمرسى، إذ ترأّس فريق المناضلين بالدّائرة التّرابيّة الّتي تشمل كلاّ من العمران وتونس العاصمة والمرسى.

تولّى أعمال تحضير القنابل والمفرقعات، وعارض بشدّة قرار تسليم المقاومة الوطنية سلاحها للجيش الفرنسي إثر دعوة الرّئيس بورقيبة في ديسمبر 1954. وعلى خلفيّة هذا الموقف أصدرت محكمة القضاء العليا بتاريخ 24 جانفي 1957 حكما على غرس بالسّجن مدّة عشرة أعوام، قضّى منها 5 أعوام مع إخضاعه للمراقبة الإدارية لمدّة عشرة أعوام، من أجل تكوين عصابة مفسدين والنّيل من أمن الدّولة وحمل السّلاح، وهي تقريبا التّهمة ذاتها الّتي سبقت محاكمة محمد صالح بن غرس على أساسها أمام المحكمة العسكرية الفرنسية بتونس زمن الإستعمار من أجل الإنتماء إلى عصابة من المخرّبين.