أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / هل الفساد في تونس إستراتيجية دولة؟

هل الفساد في تونس إستراتيجية دولة؟

Spread the love

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

ليس قدر دول العالم الثّالث أن تظلّ إلى الأبد متخلّفة. كما لا يمكن بأيّ حال من الأحوال فهم عمليّة الإنحطاط الّتي تصرّ عليها دول الجنوب إلاّ ضمن إرادة صميمة من قبل النّخب الحاكمة على إختلاف مشاربها الأيديولوجية. إذ ثمّة تخلّف ذاتيّ يرخم في شخصيّة حاكم العالم الثّالث، الّذي تنازل عن أيّ مدلول من مداليل الكبرياء الجماعي، والعنفوان الوطني، وإنكفأ على نوع من العظمة الكاذبة والأبّهة المزيّفة.

فالدّولة حين تستبسل في نزع حقوق مواطنيها وعلى مرأى العالم، وتُشهد نفسها على الظّلم والفساد والإستبداد، يستحيل أن تحافظ على مفهوم الدّولة، وقد إختار لها علماء الإجتماع السّياسي مصطلح “الكليبتوقراطية”، وهو المصطلح الّذي تناوله فقهاء وفلاسفة علم السّياسة بكثير من الإستفاضة، وأشاروا إلى نوعيّة مثل هذه الأنظمة الّتي تنطبق عليها صفة اللّصوصية أكثر من صفة النّظام السّياسي كما يشرح ذلك الفقيه القانوني الألماني روبرت أليكسي في كتابه الشيّق “فلسفة القانون “.

فمصطلح الكليبتوقراطية، يحيل إلى مجموعة من اللّصوص يستحوذون على مقاليد الحكم، وهم بعيدون كلّ البعد عن مفهوم الحكم باعتباره مسارا ديمقراطيّا، يتأسّس على إرادة الشّعب وإختياره في انتخاب من يسيّر شؤونه ويدبّر أموره. إذ أنّ تحوّلات أيّ مرحلة لا تحمكها في مثل هذه الأنظمة رهانات العالميّة والكونيّة، بقدر ما تدفعها أطماع شخصيّة بحتة للإستحواذ على أكبر قدر من الثّروة، وجعل الشّعب أو الأمّة تحت سوط الحاكم.

لا يعقل مثلا في دولة ديمقراطية أن تضجّ وسائط الإعلام بأخبار الفساد الّذي يشمل كلّ جهات الدّولة ومؤسّساتها ومرافقها وكثير من رجالاتها، دون أن ينهض جهاز ما إلى فتح تحقيق أو محاكمة الفاسدين. بل إنّ الأمر يزداد خطورة حين تصدر مؤسّسة رسمية تعتبر بنية من بنيات الدّولة وجزءا من هيكلها تقارير واضحة بالفساد، دون أن يثير هذا أيّ ردّ فعل من قبل الدّولة والقضاء، أو جميع الأجهزة الرّقابية، كما حدث مؤخّرا بالنّسبة لفضيحة أوراق بنما أو لتقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ورئيسها الأستاذ شوقي الطبيب الّذي صرّح بأنّ الفساد تجاوز الخطوط الحمراء وأنّ أجهزة الدّولة هي المتّهم الرّئيسي. ولم يسمع الرّأي العام أيّ تحرّك بهذا الصّدد، مع العلم أنّ الحكومة منذ تشكيلها وضعت محاربة الفساد أولوية أولويّاتها؟. هذا دون العودة إلى ملفّات الفساد الّتي أثيرت بعد الثّورة مباشرة وتورّط فيها جملة من رجال الأعمال الفاسدين ورموز النّظام البائد. ليس هذا فحسب، بل إنّ ميزانية مجلس النوّاب والرّئاسة مرتفعة جدّا في دولة يعاني شعبها من الفقر وشبابها من البطالة وإرتفاع وغلاء المعيشة بالإضافة إلى إرتفاع مديونيّتها، دون أن يراجع النوّاب هذه الميزانية. كما تصرف مبالغ مالية من مختلف الوزارات والمؤسّسات الرّسمية في عبث لا طائل منه دون أن يحرّك ذلك ساكن للجهات الرّقابية للمالية الوطنية. وبينما يتفنّن المسؤولون الجهويّون والمحلّيون في التصرّف في الميزانيات المرصودة إلى المناطق الرّاجعين إليهم بالنّظر والمشاريع المبرمجة للتّنمية والنّهوض بالبلاد في الرّفوف والبلاد تشهد حالة من الفوضى. فالأوساخ في كلّ مكان وبالإضافة إلى إنتشار الأسواق العشوائية والسّلع المهرّبة، من البنزين إلى لعب الأطفال، والقائمة تطول… والأخطر من ذلك المواد الغذائية والمنزلية المهرّبة والموجودة في الأسواق والّتي تهدّد صحّة مستعمليها ومستهلكيها.

وإذا كان الفساد كابحا مباشرا لأيّ تنمية أو عملية ديمقراطية، ويقف حائلا أمام الإنخراط في روح العصر، وهذا باقرار جميع اللاّعبين السّياسيين من حكومة ومعارضة في تونس، فإنّ السّؤال الّذي يحيّر علماء السّياسة، كيف إذن إستطاع الفساد أن يتطوّر بشكل غير مسبوق في فترة وجيزة، رغم أنّ مختلف التّقارير الدّولية تشير إلى مؤشّر صعوده في جميع المجالات؟. فهنا لا يمكن الحديث عن أيّ نزعة للتّسامح، مادام أنّ ممارسة الفساد أصبح منهج “دولة” رغم أنّ الحكومة من أهمّ نقاط برنامج عملها محاربة الفساد، لكنّها لم تفعل أيّ شيء حتّى للحدّ منه، رغم إحداث لحنة مكافحة الفساد وقانون حماية المبلّغين… للإشارة فإنّ الحكومة الحالية ليست الوحيدة الّتي فشلت في مقاومة هذه الآفة، فالثّورة قامت على محاربة الفساد…

إنّ الفساد في تونس أصبح إستراتيجيّة دولة، منها يخرج وإليها يعود. وكلّ من يفضح أيّ ملفّ من ملفّات الفساد، مهما صغر حجمه ووضعه تتمّ متابعته، أو تفتح تحقيقات داخلية في المؤسّسة أو الوزارة المعنيّة، وكالعادة يتمّ التستّر على الفاعلين، وفي المقابل يعاقب المبلّغون. فمتى يتمّ تطبيق قانون حماية المبلّغين عن الفساد؟ ومتى يتمّ إعطاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الضّوء الأخضر للبدء في الكشف والتّشهير بالفاسدين؟ ومتى يقوم الإعلام بدوره وبفتح هذه الملفّات الحسّاسة؟ كلّ المراقبين يؤكّدون إستفحال الظّاهرة الّتي غدت تمشي بيننا على رجليها وتخاطبنا مباشرة بصوتها المشروخ، وكأنّنا نعيش خارج المنظومة الكونية الّتي تعاقب المرتشين والفاسدين في دول مثلنا كجنوب إفريقيا مثلا.

إنّ غياب الإرادة السّياسية من قبل الدّولة، وعلى رأسها رئيس الحكومة ورئاسة الجمهورية والبرلمان، ومن بعض الأجهزة الّتي تضخّمت وأصبحت تفوق كلّ السّلط، لا يمكن إلاّ أن يجرّ البلد إلى مزيد من التخلّف ويعود به قرونا من الإنحطاط المادّي والأخلاقي.