أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / هذا ما يمكن لقوى الرّبيع العربي أن تتعلّمه من تجربة كوربين

هذا ما يمكن لقوى الرّبيع العربي أن تتعلّمه من تجربة كوربين

Spread the love
جيريمي كوربين
“تحوّل كوربين من إنسان لا يؤبه له إلى سيّد صاحب شأن، وفي هذا بلا شكّ دروس يمكن أن يتعلّمها جنود الرّبيع العربي المثخن بالجراح”
ديفيد هيرست

ديفيد هيرست

أيّ فرق هذا الّذي يصنعه مرور عام. في مثل هذا الوقت من العام الماضي كان جيريمي كوربين يناضل حتّى يبقى زعيما لحزب العمّال. لم يكن مهمّا جدّا (لمعارضيه في الحزب) أن يعاد اِنتخابه من ربع مليون من أعضاء الحزب، فيما يعتبر أكبر تفويض يحصل عليه أيّ زعيم لحزب سياسي بريطاني (في التّاريخ). بل والأقلّ أهمّية (لمعارضيه هؤلاء) هو أن يصبح حزب العمّال أكبر حزب سياسي من حيث عدد الأعضاء في أوروبا كلّها (منذ أن أصبح كوربين زعيما للحزب).

لم يسلم كوربين من الهجمات الشّرسة الّتي شنّها عليه أعضاء البرلمان من حزب العمّال وبعض وسائل الإعلام، حتّى إنّ أحد الأشخاص العاملين ضمن فريقه قال: “لن يتوقّفوا حتّى يروا دمنا مسفوحا على الأرض”.

وتعرّض كوربين للهجوم لأنّه لم يردّد النّشيد الوطني، ولأنّه أثار الجدل حول ما إذا كان ينبغي أن يضع على صدره زهرة خشخاش بيضاء أو حمراء، ولأنّه رفض أن ينحني أمام الملكة، وأطلقت عليه صحيفة الديلي ميل ذات التوجّه اليميني لقب “الرّفيق كوربين”، ولم يكن اليسار النّاعم أقلّ قسوة عليه.

حتّى الهيئة البريطانية للإذاعة والتّلفزيون “بي بي سي”، والّتي من المفروض أنّها خدمة إعلامية عامّة يناط بها واجب النّزاهة وعدم الاِنحياز، شحذت سكاكينها وأشهرتها في وجهه. فمحرّرتها السّياسية لاورا كوينسبيرغ هاجمته بشدّة بسبب معارضته الشّهيرة للأسلحة النّووية، وكذلك بسبب معارضته إعطاء الشّرطة الحقّ في إطلاق النّار على المشتبه بهم بهدف القتل.

في إحدى المقابلات الطّويلة المنشورة معه قاطعته لاورا كوينسبيرغ قائلة: “أجب بنعم أو لا. ألن تضغط أبدا على الزرّ النّووي؟”، فأجابها كوربين: “لقد أجبتك بكلّ وضوح. اِمتلاك أو اِستخدام الأسلحة النّووية عمل لاأخلاقي. وهذا هو موقفي الّذي عبّرت عنه بوضوح طوال حياتي”.

ولم تكلّف نفسها عناء الإشارة إلى أيّ من الحجج المعارضة، مثل تلك الّتي يعبّر عنها الاِستراتيجيون العسكريون الّذين يشكّكون في حكمة اِحتفاظ بريطانيا بسلاح لن تتمكّن أبدا من اِستخدامه بقرار مستقلّ. كان هدف هذه الإعلامية وهمّها الوحيد هو إظهار كوربين في صورة رجل لا يصلح للحكم.

ما لبث نصف أعضاء حكومة الظلّ أن اِصطفّوا خلفها ليساعدوها في إيصال تلك الرّسالة: “آندي بيرنهام، وزير الدّاخلية في حكومة الظلّ، وماريا إيغيل، وزيرة الدّفاع في حكومة الظلّ، وهيلاري بين، وزير الخارجية في حكومة الظلّ، واللّورد فالكونر، وزير العدل في حكومة الظلّ، وهايدي أليكساندر، وزيرة الصحّة في حكومة الظلّ”.

بعد المقابلة، أُحيلت كوينسبيرغ إلى مجلس أمناء الـ”بي بي سي” الّذي حقّق في أدائها وحكم لصالح كوربين، حيث خلص إلى أنّ المحرّرة السّياسية لـ”بي بي سي” نقلت آراء زعيم حزب العمّال حول سياسة إطلاق النّار بهدف القتل بشكل خاطئ، إذ صوّرت آراءه في القضية كما لو كانت إجابة على سؤال محدّد حول هجمات باريس، بينما لم تكن كذلك إطلاقا.

إلاّ أنّ كوينسبيرغ لم يردعها الحكم الصّادر عن مجلس أمناء “بي بي سي” الّذي خلص إلى أنّها اِنتهكت القواعد الّتي تلزم بها الهيئة نفسها من مراعاة الحياد والنّزاهة والإنصاف، فقد كان ذلك موسم الصّيد السّياسي، وبدا لها كوربين صيدا سمينا، بل وكان كلٌ من المذيعيْن البارزين مارثا كيرني وجون همفريز مشاركين في حفلة الصّيد تلك.

تحوّل مذهل

اُنظر بعد أشهر قليلة ما الّذي آلت إليه الأوضاع وكيف صارت لاورا كوينسبيرغ، الّتي جاءت إلى مؤتمر حزب العمّال الأخير الأسبوع الماضي يرافقها حارس شخصي، تعامل جيريمي كوربين. لقد تلاشت محاولات تشويه صورته ووصمه بألقاب ساخرة، فقد صارت التّقارير الصّحفية تأخذ كوربين على محمل الجدّ وبدأت “بي بي سي” تعامله كما لو كان رئيس الوزراء القادم.

وكذلك ينبغي أن يعامل لأنّه يمكن بسهولة أن يصبح رئيس وزراء البلاد القادم. وحتّى لو لم يتحقّق ذلك أبدا، بات زعيم حزب العمّال هو من يقرّر الأجندة المحلّية. خذ على سبيل المثال: التقشّف، خصخصة الصحّة العامّة، إعادة تطوير الأحياء الدّاخلية، رسوم الدّراسة لطلاّب الجامعات، وعقود العمل غير الملزمة للطّرفين– هذه الكلمات الّتي شكّلت السّردية السّائدة على مدى العقدين الماضيين أضحت سامة من النّاحية السّياسية. ويذكر في هذا الصّدد القول المنسوب لبيتر ماندلسون بأنّ حزب العمّال لن يكون تارة أخرى متراخ جدّا تجاه الأثرياء القذرين (في فيفري من هذا العام، قال ماندلسون إنّه يعمل كلّ يوم من أجل تقويض جيريمي كوربين وإفشاله).

مهما كان يحمل المستقبل لجريمي كوربين، فلقد تمكّن الرّجل من تغيير المشهد السّياسي. لقد كان مذهلا تحوّله من إنسان لا يؤبَه له إلى سيّد صاحب شأن، وفي هذا بلا شكّ دروس يمكن أن يتعلّمها جنود الرّبيع العربي المثخنين بالجراح.

ثمّة تشابه كبير بين كوربين والقوى الّتي قادت الرّبيع العربي: فكلاهما يمثّل الفقراء والطّبقات العاملة، وكلاهما نشأ من هامش الطّيف السّياسي، وكلاهما فاجأ المؤسّسة الحاكمة التّقليدية، وكلاهما اِصطفت معظم وسائل الإعلام ضدّه، وكلاهما اُستهدفا مرارا وتكرارا من قبل المحاولات الاِنقلابية.

لقد نجح الاِنقلاب العسكري في مصر، ولكنّ نفس القوى المضادّة للثّورة والمموّلة من ذات الدّيكتاتوريات قامت بمحاولات الاِنقلاب في تونس وفي تركيا وأخيرا في قطرـ تماما كما سعى التيّار اليميني داخل حزب العمّال ومعه معظم أعضاء الحزب داخل البرلمان (وبدعم من الدّولة العميقة البريطانية ورجال الأعمال والإعلام) وبشكل سافر مرارا وتكرارا إلى خلع زعيم حزب العمّال.

ولكن ثمّة فروق كبيرة أيضا. ففي أصعب لحظاته وأحلك أوقاته ظلّ كوربين متمسّكا بقاعدته ولم ينأ بنفسه عنها أبدا. لم يسع لاِسترضاء أحد حتّى في اللّحظات الّتي بدا فيها وضعه سيّئا، ولم يفكّر في التلوّن أو تغيير رسالته، بل ظلّ متشبّثا بما لديه من سلاح وهو اليقين بأنّ النّاخبين سوف يؤدّون ما عليهم، وذلك ما فعلوه.

لقد ظنّ الإسلاميون الّذين اِنتصروا في أوّل اِنتخابات حرّة في التّاريخ الحديث تجرى في كلّ من مصر وتونس بأنّهم بحاجة لأن يتصالحوا مع أعدائهم في النّظام القديم وفي قطاع الأعمال وفي المؤسّسة الحاكمة لكي يضمنوا الاِستقرار في المجتمع. إلاّ أنّهم سمحوا من خلال ذلك للدّولة العميقة بأن تدقّ إسفينا بينهم وبين ناخبيهم وبينهم وبين رفاقهم في الثّورة.

بدأ محمّد مرسي فترته الرّئاسية بأداء القسم في ميدان التّحرير، وأنهاها بالتخلّي عن اليسار العلماني لصالح (من ظنّهم) أصدقاءه الجدد داخل الجيش. وقبل أسبوع واحد من تغييبه وراء القضبان في السّجن ظنّ مرسي أنّه يحظى بدعم الجيش له.

واليوم، قام حزب حركة النّهضة في تونس، الّذي ما لبث يقدّم التّنازلات الواحدة تلو الأخرى، بمساندة قانون يمنح العفو للمتّهمين بالفساد في عهد بن علي. أن تكون مؤيّدا للرّبيع العربي يعني أن تتعرّض باِستمرار للغدر والخيانة. ومقابل ماذا؟ فتات من المعونات الدّولية؟ صندوق النّقد الدّولي؟
لا يعفي ذلك شركاءهم في اليسار العلماني الّذين لم يكن أداؤهم أحسن حالاّ، إذ أفسدتهم الرّشاوى الّتي دفعت لهم مقابل تخريب جهود رفاقهم في الثّورة. لقد اِنهمكوا هم أيضا في لعبة سياسات الهويّة، وفقدوا الرّؤية الّتي تمكّنهم من إدراك أنّ الوحدة أهمّ من المكاسب الفئوية.
من أجل الجميع وليس البعض
أدركت الحركة المؤيّدة لكوربين أنّ وسائل الإعلام لن تسانده، ولذلك عملت على إيجاد قنوات بديلة خاصّة بها للتّواصل مع النّاخبين، وكانت تلك وسيلة ناجعة شملت مواقع التّواصل الاِجتماعي وتنظيم الاِجتماعات أمام أبواب البيوت وداخل قاعات البلدية، وكلّ ذلك بعيدا عن أعين وسائل الإعلام الوطنية.
أمّا القوى الّتي قادت حركة الرّبيع العربي فقد تسلّط عليها عداء وسائل الإعلام لها حتّى نال منها وحال بينها وبين التّواصل مع النّاخبين، واِنتهى بهم المطاف في حالة تشرّد وهم أبعد ما يكونون عبارة عن حكومة في المنفى. وها هي جماعة الإخوان المسلمين قد نالت من جسدها الخلافات والاِنشقاقات، ولن يتسنّى لها اِستعادة دورها والوقوف على قدميها من جديد إلاّ حينما تتمكّن من إفراز قيادة شبابية جديدة. أمّا عناصر المعارضة الأخرى فحالها أسوأ بكثير.

ومشكلتهم الرّئيسة أنّهم لا يسعون إلى الإجابة على السّؤال المركزي في العالم العربي. فالأمر لم يعد يتعلّق بسياسات الهويّة وما إذا كنت تعتبر نفسك إسلاميّا أم علمانيّا، وإنّما يتعلّق بكيف تكون حاكما من أجل الجميع وليس لمصلحة القلّة كما عبّر عن ذلك كوربين نفسه.

يتعلّق الأمر بمنح كلّ إنسان نصيبا عادلا من موارد الدّولة، ويتعلّق ببناء دولة تحمي الشّعب لا تتربّص به لتفترسه، ويتعلّق باِقتصاد ناجع ناجح ومنصف. وهنا، لا تيّار الإسلام السّياسي ولا القوى اللّيبرالية العلمانية المناهضة له تقدّم أجوبة أو بدائل فيما عدا الحديث عن إخفاقات النّظام الرّأسمالي العالمي.

نعم، لديها القدرة على الاِستمرار كحركة اِحتجاجية ولكن ليس لديها برنامج أو خطّة لما بعد سقوط الدّكتاتور، يريدون السّلطة ولكن ليس لديهم أدنى فكرة ماذا عساهم يفعلون بها.

لا أقصد القول إنّ قوى المعارضة هذه اِنتهى دورها أو فقدت صلاحيتها، بل ثمّة حاجة إليها اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لأنّ الأنظمة العربية الّتي قامت منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية فشلت فشلا ذريعا في إقامة عالم عربي واثق من نفسه، مستقلّ، ويتمتّع بالرّخاء الاِقتصادي، وبات نموذج الحكم الّذي قدّموه مهشّما.

هاك أغنى بلد في العالم العربي، المملكة العربية السّعودية، الّتي يحكمها نظام يسعى لإعادة “توسيم” نفسه كمدافع عن حقوق النّساء. في هذه الأثناء يقوم هذا النّظام بإهدار ما يقرب من نصف تريليون دولار من ثروة البلاد على عقود مدنية وعسكرية وتعهّدات لدونالد ترامب بينما يعاني اِقتصاد البلاد حالة من الاِنكماش.

في المقابل، توجد لدى كوربين خطّة، وإذا كان ثمّة عامل وحيد يقف وراء نجاحه حتّى الآن فإنّ ذلك يتمثّل في برنامجه الاِنتخابي. فقط قبل خمسة أسابيع من تاريخ الاِنتخابات العامّة الماضية، كان كوربين متأخّرا عن المحافظين في اِستطلاعات الرّأي بما لا يقلّ عن عشرين نقطة، بل كان حزب العمّال قد مني بخسارة فادحة للتوّ في الاِنتخابات المحلّية. تبدّلت حظوظه بمجرّد ظهور برنامجه الاِنتخابي. لماذا؟ لأنّه، ولأوّل مرّة ولأجيال عديدة، تقدّم من النّاخبين ببديل بدا لهم جذّابا وواضحا.

وثمّة درس آخر يكمن هنا يمكن أن تتعلّمه قوى التّغيير في العالم العربي، ومفاده أنّ الرّأي العامّ سريع التقلّب ولا يوجد معركة يمكن أن تكسبها أو تخسرها بشكل مستدام. لقد أنفقت قوى الثّورة المضادّة الّتي يقف وراءها الملوك والحكّام الطّغاة في العالم العربي مليارات الدّولارات حتّى تروّج لفكرة أنّ الرّبيع العربي مات وأنّ كلّ من شارك فيه فإنّ عليه أن يجمع متاعه ويعود إلى بيته. إلاّ أنّ كوربين يثبت أن ثمّة حياة بعد الموت.

الدّرس الأوّل: لا تستسلم أبدا. الدّرس الثّاني: تعرّف على قواعدك الجماهيرية. الدّرس الثّالث: لا تسمح لأحد بدقّ إسفين بينك وبينها. الدّرس الرّابع: أوجد وسائل إعلام خاصّة بك. الدّرس الخامس: أعد برنامجا متكاملا للحكم يساعد الطّبقة العاملة والفقيرة. الدّرس السّادس: لا تسعى للتّصالح مع أولئك الّذين يكرهونك، لأنّك بذلك ستخسر مهما فعلت.

أيّا كان المستقبل الّذي ينتظره، فقد غيّر كوربين مشهد السّياسة البريطانية، وهو ما لا يمكن أن ينسب إلى ثلّة من زعماء حزب العمّال من أسلافه. لا تحتاج الدّول العربية زعيما تقليديا آخر، بل تحتاج إلى التّغيير الحقيقي.

ولن يتسنّى إنجاز ذلك إلاّ من الدّاخل، من الشّباب فما فوق. لن تساعدهم في ذلك قوّة خارجية، بل ربّما سعت لإحباطهم وتقويض جهودهم. إنّ الجماهير العربية بذاتها ووحدها من تناط بها هذه المهمّة، لقد دفع العرب ثمن خسارتهم الأولى من دمائهم في مصر وسوريا وليبيا واليمن، ولكنّهم سينتصرون لا محالة في يوم من الأيّام، ولكن عليهم أن يعدّوا لذلك اليوم من الآن.
للاِطّلاع على المقال الأصلي، اُنقر هنا: http://www.middleeasteye.net/columns/what-jeremy-corbyn-can-teach-arab-spring-2043851933