أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / نهاية حزب الوشاة الفرنسيين بتونس/ بيان العار السّياسي في تونس

نهاية حزب الوشاة الفرنسيين بتونس/ بيان العار السّياسي في تونس

Spread the love
الأستاذ نور الدين العلوي

فعل القوادة فعل مرذول عند أهل العربية ويختلف معناه بين جناحي الوطن. فإذا كان في الشرق العربي يحتمل معنى أخلاقيا مدانا فإنه في المغرب العربي يحتمل معنى سياسيا بشعا فهو مرادف للخيانة. والقواد في تونس هو الواشي والخائن وتزداد قوادته بشاعة عندما يجري القواد في مصالح عدو الوطن ولا يقبض إلا الخيبة. وهذا المعنى وجدناه اليوم في بيان جمعياتي أمضته نقابة الصحافيين التونسيين ساعية إلى إيغار صدر فرنسا على أحزاب تونسية متهمة إياها بتدبير عملية اغتيال الشرطية الفرنسية على يد تونسي مهاجر بزعم أنه مدرب ومرسل من قبل التيار الإسلامي بتونس لقتل المواطنة الفرنسية.

فرنسا لم تتّهم تونسيّين

فرنسا الرسمية لم تصدر نص إدانة صريح واكتفت في بيان الجهاز الأمني المتضرر بالحديث عن شبهة إرهاب. ولم تنشر ما يفيد تورط جهة تونسية حزبية فهي تحقق بعد. ولكن قبل اكتمال التحقيق الرسمي في بلد الضحية استبق تونسيون يقفون في مواقع مؤثرة (نقابة الصحافيين ورابطة حقوق الإنسان) إلى ربط العملية بحزب النهضة التونسي وائتلاف الكرامة وهما كيانان سياسيان لهما تمثيل برلماني منتخب. ودعا الممضون من ضمن اللفيف الجمعياتي الذي لا نعرفه إلا على الورق إلى دفع فرنسا إلى إدانة الحزبين المسؤولين عن العملية (هكذا) برغبة أن يتبع الإدانة تدخل فعال لحسم الصراع الداخلي بما يعنيه ذلك من محاولة إدخال سلطة أجنبية في الخصومات السياسية الداخلية للبلد الذي يمر بأزمة سياسية بلا أفق.

إنها عملية استقواء بأجنبي في صراع داخلي وهذه الجملة كانت من مفردات بن علي السياسية التي كان يرجم بها معارضيه من الإسلاميين وغيرهم (وبعضهم أمضى اليوم على البيان). فكل تواصل مع منظمات حقوق الانسان زمن الدكتاتورية كان يفسره بن علي على أنه استعداء الأجانب على البلد ولكن بيان اليوم لم يكن (تخابرا) مع حقوقيين دوليين كما كان دأب المعارضة في زمنه في ظل انسداد تام للحديث السياسي الديمقراطي تحت راية الوطن الواحد، بل هو استعداء دولة أجنبية على مكونات سياسية وطنية منتخبة وتشارك في إدارة البلد من موقع الحق لا من موقع التفضل.

بعيدون نحن الآن عن حقوق الإنسان

الذين دعوا فرنسا للتدخل في الشأن الداخلي بزعم محاربة الإرهاب هم أنفسهم الذين زغردوا لإعدام الإسلاميين في مصر. واحتفلت منشوراتهم بالتخلص من (كمشة الإرهابيين). غني عن التذكير أنهم حزام حفتر أو طابوره الخامس في تونس. وفيهم من يفتخر بعد بصور رسمية معه. غني عن القول أيضا أنهم أعداء الثورة والتغيير الذين يقفون الآن جماعات وأفرادا مع الرئيس المعادي للثورة ويعمل على تخريبها مستقويا بأخيه السيسي.

لم يزدنا بيان الاستقواء بفرنسا إلا يقينا بأن الوضع الداخلي في تونس يعيش قطيعة جذرية بين مكوناته، حاولنا دوما تجاهله وبناء الآمال على نهايته لكنه يأبى إلا أن يذكرنا بحقيقة موجعة. التونسيون أعداء لبعضهم إلى درجة استدعاء دولة الاحتلال لتكون حكما بينهم بل حكما منحازا. هنا تذكرنا وكيف لا نفعل سيرة القواد القديم الذي كان يخبر عن مكامن المقاومة ويرشد إليها جندرمة فرنسا لتبيدهم مقابل ملاليم قليلة يتلقاها مع كثير من البصاق الفرنسي على وجهه وهو يمد يده لقبض من ثمن أرواح بني عمومته حملة السلاح ضد المحتل.

تغيرت الخلفية لكن الجوهر واحد فقد كان القواد القديم بلا خلفية فكرية إلا وضاعته وفقدانه للكرامة أما القواد الجديد فيساري تقدمي يروج للحرب الثورية ضد الرجعية ويا لها من حرب يستعين فيها الثوري بعدوه على بني جلدته.

الثوري القواد هو من أمضى بيان اليوم باسم محاربة الإرهاب ولكنه أمضى مرسوم موته الأخلاقي والسياسي فلو كان قادرا على فعل ما استقوى بغيره لفعله. لقد كشف عجزه وهوانه على شعبه.

إنّها النّهاية الأخلاقية لليسار التّونسي

إذا كان من حق اليساري التونسي أن يقاوم الإرهاب (وهذه نكتة لا تضحكنا) فإن هذا الحق يترجم بالاشتكاء إلى القضاء التونسي بتقديم أدلة مادية ملموسة على ضلوع حزب النهضة وائتلاف الكرامة في ترتيب عملية إرهابية في فرنسا. فالقضاء التونسي جهة مخولة من الداخل الوطني للبت في جرائم مماثلة بناء على أدلة حقيقية. القضاء التونسي مخول بأخذ حق المواطنة الفرنسية الضحية من مجرم (إرهابي) تونسي فهو قضاء دولة مستقلة ذات سيادة يمكنه لاحقا أن يعاقب معتمدا على قوته الخاصة.

أما اجتناب التظلم إلى القضاء والمسارعة إلى تحريض جهة أجنبية فهو دليل كاشف على تهافت الموقف وعلى هوان أصحاب البيان. لم يعد موقف اليسار من فرنسا وثقافتها موقفا ثقافيا خالصا صاغه دوما ضمن منظور التقدمية ومحاربة التخلف والرجعية الدينية. بل انتقل إلى مرحلة القوادة والوشاية والاستقواء بقوة أجنبية وهنا يتجلى العجز وقلة الحيلة.

يعرف الممضون على البيان أن فرنسا لن تتدخل قضائيا في متابعة أي كان بتونس ففرنسا رغم جبروتها وظلمها التاريخي لتونس وجوارها العربي والأفريقي احتفظت بسمعتها كدولة تقدر سيادة الدول شكليا. نعرف أنها تكيد لمستعمراتها القديمة وتخربها لكنها تفعل ذلك سرا لا جهرا وتضع عملها في إطار الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية لكنها تحسن تغليف فعلها الرسمي بغلاف القانون لذلك فهي لن تتلقى البيان إلا كتعبير كوشاية رخيصة لا يبنى عليها فعل قانوني. من قبيل المطالبة بمحاكمة أسماء او شخصيات تونسية بتهم لن يمكنها اثباتها.

تتذكر فرنسا أن المقاومة الجزائرية زمن حرب الاستقلال قد نقلت جزءا من معاركها إلى الداخل الفرنسي وألحقت بفرنسا أضرارا جسمية لكن رغم ذلك لم تلاحق قيادة المقاومة الجزائرية خارج حدودها بتهم مماثلة وإنما حاسبت من فعل في الداخل بطريقتها ودون محاكمات وكان ذلك زمن حرب ومقاومة. لا زمن دولة.

لذلك لا نرى فرنسا ستلقى بالا لبيان الوشاية التونسي وربما أثار لديها حالة قرف من الوشاة الجدد والأكيد أن البيان سيثبت لها أن أنصارها في الداخل التونسي قد كشفوا ضعفهم وهوانهم وأنه لم يعد يمكنها الاعتماد عليهم لقيادة معاركها ضد الإسلاميين في الداخل. فقد هربوا إليها يطلبون النجدة ولن تنجدهم فهم أهون عندها من ورقة البيان نفسها. لقد قالوا لها دون أن يشعروا أو يقدروا حجم خسارتها لقد انهزمنا في الداخل. وعوض أن تنجدهم ستفكر حتما في بديل لهم فمصالحها في تونس أهم لديها من أن توكل الدفاع عنها إلى هؤلاء الوشاة. ولو كان تقدر الوشاة لقدرت جماعة الحركيين الجزائريين الذين لحقوا بركابها فعاملتهم كعبيد بلا قيمة حتى الآن. لذلك نختصر بنشوة، رب بيان أدان أصحابه وهز مكانتهم وأنهى دورهم ورب ثورة عرت الوشاة والقوادة وحسمت مصيرهم.