أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف /  نجح الإضراب وفشلنا إلى حين… وإن شاء الله زينة

 نجح الإضراب وفشلنا إلى حين… وإن شاء الله زينة

Spread the love

نعم، نجح الإضراب، وفشلنا كلّنا، اِتّحادا وحكّاما ومجتمعا..

الأستاذ محمد الصّالح السّعدي (ناشط نقابي سابق)

نجح إضراب السّابع عشر من جانفي 2019 الّذي قرّره الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل من أجل تحقيق الزّيادة في أجور أعوان الوظيفة العموميّة. نجح الإضراب بنسبة عامّة فاقت 95 في المائة بمعايير الاِتّحاد، نجح الإضراب وتباهي النّقابيون والأمين العام للاِتّحاد بهذا النّجاح، أقاموا التّجمعات في السّاحات والشّوارع اِحتفالا بما سمّوه اِنتصارا مبينا، اِنتصار اِعتبروه دليلا على شرعيّة المطالب وقانونيّة الإضراب وقوّة الاِتّحاد، نجح الإضراب رغم محاولات الإفشال الّتي يقف وراءها بعض المندسّين والمخترقين حسب الإشارات الّتي يمكن اِلتقاطها من خطب الأمين العام وبعض مساعديه. نجح الإضراب بالمقاييس النّقابيّة الّتي تتعامل بالكمّ دون اِعتبار لدرجة الاِقتناع. نجح الإضراب وفشلنا كلّنا: اِتّحادا ورئيسا وحكومة وبرلمانا وأحزابا ومجتمعا مدنيّا ومستقلّين، وفشلنا تربيّة وثقافة وإعلاما ومنابر دينيّة…

فشل الاِتّحاد لأنّه لم يستطع أن يقنع بالإضراب أغلب التوّنسيين بمن فيهم الموظّفين الّذين نفّذ من أجلهم الإضراب، وهو يعلم أنّ هؤلاء، أي الموظّفين، أو أغلبهم، ما كانوا لينخرطوا في الاِتّحاد لولا الخصم المباشر وما كانوا ليشاركوا في الإضراب لولا الهرسلة والضّغوطات والتّهديدات الّتي تمارس عليهم من هنا وهناك، وذلك لأنّهم- كما يعبّر كثير منهم بصفة مباشرة أو عن طريق الفايسبوك أو حتّى عن طريق وسائل الإعلام التّونسيّة والأجنبيّة، مقتنعون أنّ البلاد تمرّ بصعوبات اِقتصاديّة كبيرة وتحتاج إلى تضحيّات من كلّ التّونسيين، وأنّ الزّيادة في الأجور لن تحسّن في المقدرة الشّرائيّة للأجراء لأنّها ستتبع حتما بزيادة في الأسعار والضّرائب. كما أنّهم لو خيّروا بين الزّيادة وتشغيل المعطّلين لاِختاروا الثّاني، فهم يرون أنّ الزّيادة في مرتّباتهم قد تنعشهم مادّيا لفترة محدّدة لكنّ تشغيل أبائهم وبناتهم ستنعشهم مادّيا ومعنويّا واِجتماعيّا بقيّة العمر. فشل الاِتّحاد لأنّه لم يستطع أو لم يرد أن يدعّم الثّورة ويمهلها هدنة اِجتماعيّة ولو بسنتين، ورفض أن يشارك في إنجاح مرحلة الاِنتقال الاِقتصادي المترتّبة عنها كما فعل في المراحل الاِنتقاليّة السّابقة مع بورقيبة ومع نويرة ومع بن علي، فلم يبادر بتنظيم مؤتمرا من أجل إنقاذ اِقتصادي واِجتماعي يساعد على مراكمة الثّروة وملامسة العدالة الاِجتماعيّة. فشل الاِتّحاد لأنّه رغم مطالبته المتكرّرة بتغيير منوال التّنميّة لم تحدّثه نفسه يوما بتغيير منوال الاِحتجاج النّقابي. ولو غيّره (بوضع الشّارات الحمراء أو حتّى السّوداء مثلا) لحقّق نجاحا أكبر ولربّما تحصّل على جائزة نوبل ثانية.

فشل رئيس الجمهوريّة وهو الّذي جاء لإنقاذ تونس من “فشل التّرويكا”، وهو الّذي وعد التّونسيين في حملته الاِنتخابيّة بالإقلاع الاِقتصادي والاِجتماعي، وهو الذّي تعهّد من تلقاء نفسه بأن يكفكف دموع المرأة التّي لم تضق اللّحم منذ أشهر ومن ورائها كلّ الفقراء والمحرومين في تونس ويوفّر لهم العيش الكريم. فشل رئيس الجمهوريّة وهو الّذي وعد– بشخصيته الاِعتباريّة وحنكته السّياسية- بتحقيق السّلم الاِجتماعيّة وتوفير أسباب نجاح الحوار الاِجتماعي ووضع حدّ للاِضطرابات الّتي تعطّل الإنتاج، وإذا به يفشل– أو لم يرد- حتّى في جمع قيادات الحكومة وقيادات الاِتّحاد حول مائدته للحوار والتّوافق بما يجنّب البلاد هزّات متعدّدة الأضرار كانت تونس الثّورة وما تزال في غنى عنها، وهو الّذي يقدّم لنا نفسه بأنّه أبو التّونسيين كلّهم، وكلّهم يحترمونه ويأخذون برأيه. فشل الرّئيس عندما لم يصلح ذات البين بين التّونسيّين بل يرى البعض أنّه عمّق خلافاتهم وأجّج الصّراعات لأنّه إمّا أنّه كان لا يريد أو لا يعرف أو له مصلحة شخصيّة و/ أو عائليّة و/ أو حزبيّة في التّوتّرات السّياسيّة والاِجتماعيّة. ولو أراد الإصلاح لوفّقه الله.

فشلت كذلك الحكومة، وهي الّتي جاءت تحت لافتة الوحدة الوطنيّة، فشلت لأنّها عجزت عن إدارة الأزمة الاِقتصاديّة والاِجتماعيّة أو على الأقلّ التّخفيف منها أو على الأقل بثّ الأمل في نفوس التّونسيين في التّغلّب على هذه الصّعوبات. فشلت الحكومة لأنّها لم تستطع أن تكسب ثقة عامّة التّونسيين أو على الأقلّ ثقة أعوان الوظيفة العموميّة والقطاع العمومي الّذين يرجعون إليها إداريّا بالنّظر. فهي لم تتحاور معهم، ولم تسع إلى مدّ جسور التّواصل الأفقي معهم، ولم تشعرهم بأنّهم منها وأنّهم منها، فاِزدادت حواجز القطيعة بينها وبينهم سمكا واِرتفاعا حتّى إذا كان يوم الإضراب هجروها وكأنّهم لا تربطهم بها سوى علاقة المؤجّر والأجير. فشلت الحكومة لأنّها لم تتمكّن من تحويل اِتّحاد الشّغل من مجرّد طرف نقابي مطلبي لا يهمّه– ظاهريّا- سوى مصالح نظرائه إلى شريك أساسي في الاِنتقال السّياسي والاِجتماعي معنيّ بمختلف المشاكل الّتي تعاني منها البلاد وخاصّة تلك الّتي تهدّد مسار الاِنتقال الدّيمقراطي والرّفاه الاِقتصادي والعدالة الاِجتماعيّة في إطار مستحقّات الثّورة الّتي شارك النّقابيون في إنجاحها ورسم توجّهاتها الكبرى، مع طمأنته– طبعا- على اِستقلاليّته وحياده. فشلت الحكومة لأنّها أبانت عن ضعف كبير في التّواصل مع النّاس سواء بصفة مباشرة أو عبر وسائل الإعلام التّقليدية والمستحدثة. وعوض أن تكثّف وتنوّع من فرص الاِتّصال والتّواصل مع النّاس لتشرح لهم رؤيتها وتبرّر لهم موقفها وتقنعهم بوجهة نظرها آثرت سياسة النّعامة فلا ترى لها وجها ولا تسمع لها صوتا. ولو عملت على هذه الأبعاد الإنسانيّة والوطنيّة والعلائقيّة لما كان هناك تباعد مع الاِتّحاد ولا كان هناك لا إضراب ولا مضربون.

فشل مجلس النوّاب والحال أنّ أغلب أعضائه إمّا مارسوا العمل الحكومي والنّقابي. كان أغلبهم  منخرطا في اِتّحاد الشّغل إن لم يكونوا قد تحمّلوا مسؤوليّات نقابيّة فيه، فشل مجلس النوّاب رغم أنّ رئيسه كان وزيرا للشّؤون الاِجتماعيّة وأشرف على عديد الحوارات بين الاِتّحاد والحكومات الّتي عمل فيها. فشل المجلس لأنّ الوطنيّة الحزبيّة الّتي كانت تحرّك كلّ عضو من أعضائه كانت وطنيّة حزبيّة تفريقيّة ولم تكن وطنيّة تونسيّة جامعة. فشل مجلس نوّاب الشّعب لأنّ أغلب كتله دخلت في حملة اِنتخابيّة غير معلنة وسابقة لأوانها. ولو اِجتمعوا من أجل تونس لاِجتمعت كلمة الفرقاء على إلغاء الإضراب.

فشلت الأحزاب، نعم فشل أكثر من مائتي حزب اِستفادت من الحرّية السّياسيّة الّتي أنعمت بها عليها الثّورة، فشلت كلّها كبيرها وصغيرها، جديدها وقديمها، يمينها ويسارها، من كان منها مشاركا في الحكم ومن هو في المعارضة، فشلت كلّها في تجنيب تونس هذه الهزّة الّتي يمكن أن تمهّد– لا قدّر الله- لاِنتكاسة سياسيّة واِقتصاديّة واِجتماعيّة تنسف ما حصلت عليه هذه الأحزاب من مكاسب. وعوض أن نراها تتعاون على البحث عن صيغة سياسيّة تساعد على نزع فتيل الأزمة (جلسة حوار وطني مثلا) رأيناها تكتفي بإصدار بيانات إنشائّية فضحت ما بها من عجز ومن سلبيّة ومن اِنتهازيّة ومن اِستجداء ومن اِستهتار. وعوض أن نراها تهدّئ الخواطر وتساعد على التّوافق نراها (بعضها على الأقلّ) تصبّ البنزين على النّار غير عابئة بعواقبها الوخيمة الّتي لا تصيب إذا ما اِشتعلت- لا قدّر الله- الّذين ظلموا منّا خاصّة وإنّما سيحترق بها الجميع إلاّ ما رحم ربّك. ولو فهمت الأحزاب الوجه الإيجابي للتحزّب- غير الخلافات والتّفرقة والصّراع- لجمّدت عوامل الفرقة وفعّلت عوامل الاِلتقاء وتمكّنت من نصرة الإخوة الأعداء الظّالم منهم والمظلوم حتّى لا يكون هناك لا غالب ولا مغلوب وتكون تونس الثّورة هي المنتصرة.

فشل كذلك المجتمع التّونسي بكلّ مكوّناته وبكلّ فعاليّاته، فشل المجتمع التّونسي بشيبه وشبابه، بنسائه ورجاله، بمتعلّميه ومثقّفيه وخبرائه، بمتحزّبيه ومستقلّيه، بمدنيّيه و”متديّنيه”، فشل المجتمع التّونسي في تفادي المصيبة الّتي لحقت البلاد بسبب صراع البعض من مكوّناته على قيادة السّفينة والاِنفراد بالزّاد، وبسبب اِنشغال معظم أعضائه بمشاكلهم الشّخصيّة ومستحقّاتهم الأسريّة وعزوف أغلبهم (قرابة 70 في المائة) عن الاِهتمام بالشّأن العام واِختيارهم الجلوس على الرّبوة واِنتظار “المنتصر” ولسان حالهم يقول “الله ينصر من صبح”. فشل المجتمع التّونسي بسبب خوفه من الاِنتقال من نظام حكم الزّعيم الأوحد والحكيم الملهم والدّيكتاتور العادل إلى نظام الشّعب الحرّ والمجتمع المتحضّر الدّيمقراطي، من نظام شعب الدّولة إلى نظام دولة الشّعب، من نظام دولة الحزب إلى نظام أحزاب الدّولة، من نظام الاِختلاف نقمة ويفسد للودّ قضيّة إلى نظام الاِختلاف رحمة ولا يفسد للودّ قضيّة. فشل المجتمع التّونسيّ لأنّ نخبته المثقّفة– هذا إن كان لديه نخبة- لم تصل بعد إلى مستوى النّخبويّة العضويّة الّتي تقود الحراك الاِجتماعي في الميدان ومع النّاس ولا تكتفي بالخطابات اللّفظيّة الرنّانة من وراء الحجب ومن الأبراج العاجيّة. فشل مجتمعنا لأنّ كلّ بيئاته التّربويّة، الأسرة والمدرسة والمسجد ومنابر الثّقافة ووسائل الإعلام تعمل بلا روح ولا هويّة تربويّة واضحة. معظم القائمين عليها يدينون بدين المادّة والدّينار أكثر من دين المبادئ و الرّوح والإنسانية والوطنيّة. ولو اِستطاعت هذه البيئات أن تؤسّس لثورة ثقافيّة قوامها العلم والعمل والأخلاق لحذفت عبارة إضراب من أذهان التّونسيين ومن قوانينهم ومن سلوكاتهم الاِجتماعيّة وربّما من قواميسهم اللّغوية.

نجح الإضراب وفشلنا لأنّنا أصبحنا، بعد الثّورة، نحلم في أعماقنا بنظام مثاليّ تسوده الوحدة والتّوافق والتّفاهم والاِنسجام والإخاء والإيثار وإعلاء المصلحة العّامة على المصلحة الخاصّة، لكنّنا ينسينا أنّنا في عالم البشر وليس في عالم الملائكة. وفي المقابل كبرت طموحاتنا واِرتفع سقف طلباتنا وأصبحنا نقارن تونسنا بالبلدان الغنيّة المعترف لها بالتّقدّم العلمي والتّكنولوجي كاليابان مثلا ونسينا أنّ جغرافيّتنا  ليست كجغرافيتهم، وتاريخنا ليس كتاريخهم، وأنّه ما كان لهذه الشّعوب أن تحقّق ما حقّقت إلّا بفضل ما أحدثته في أذهانها من ثورة فكرية قوامها المعرفة العلميّة والعمل الرّشيد، وفي أرواحها من غنى وفي وطنيتها من حبّ وإيثار وتضحية وفي سلوكاتها من اِستقامة. لكنّنا– مع الأسف- مازلنا غير قادرين على تقدير الأسباب الموضوعيّة الكامنة وراء نجاح هذه الشّعوب وفي مقدّمتها تقديسها لقيم الحرّية والعلم والعمل. ولو قدّرنا سلطان الحرّية والعلم والعمل حقّ قدره لكان يوم الخميس 17جانفي 2019 يوم نفاذنا من أقطار السّماوات والأرض لا يوم إضراب عن العمل.

والنّتيجة أنّ يوم 17جانفي 2019 كان يوم نجاح واحد وفشل متعدّد جعل البعض من عشّاق تونس يخافون عليها وعلى الثّورة وعلى مسار الكرامة والحرّية العدالة، وبلغت قلوبهم الحناجر وظنّوا بالثّورة الظّنون حتّى إذا جاء يوم 18 جانفي وعادت الحياة تسير بصفة طبيعيّة وكأنّ لا إضراب ولا خسائر ولا مسيرات، عادت البسمة إلى أفواهنا وأشرقت وجوهنا واِطمأنّت قلوبنا وأيقنّا أنّ يوم 17 جانفي ما هو إلّا يوم من سنة تعدّ 365 يوما، وإنّ تونس وإن اِنتكست يوما من السّنة فإنّها– بحول الله وبإرادة أحرارها- ستتعافي  بقيّة أيّامها والسّنوات والقرون القادمة وسنغنّي مع الفنّان الرّاحل علي الرّياحي رحمه الله: قول إن شاء الله زينة، زينة، زينة. إن شاء الله زينة.