أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء: تكريس لطغيان السّياسة على العدالة ومصادرة لإرادة النّاخبين

نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء: تكريس لطغيان السّياسة على العدالة ومصادرة لإرادة النّاخبين

Spread the love

المجلس الاعلى للقضاء
على الرّغم من الإختلاف القائم حول تقييم نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء إلاّ أنّه من منظور منطقيّ ومن منظور هويّة عربية إسلامية، فإنّ هذه النّتائج لم تحقّق ما كان يُصْبَى إليه من عدالة وانتصار للحقّ والنّزاهة، إذ كانت انعكاسا وترجمة للكثير من المظالم الّتي تغصّ بها التّشريعات الخاصّة بمجال القضاء والعدالة ككلّ الواردة سواء بالدّستور أو بالقانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء. ومن بين هذه المظالم مظلمة مصادرة حرّية اختيار هذا المجلس شكلا ومحتوى. فالشّكل يتعلّق بتركيبة المجلس الّتي يطغى عليها القرار السّياسي، ويسحب من أهل هذا السّلك حرّية تحديد مكوّناته ولا يترك لهم ممارستها إلاّ بطريقة شكلية وغير جوهرية. أمّا من ناحية المحتوى فقد وقعت مصادرة حريّة اختيار النّاخبين لأعضاء هذه التّركيبة وذلك بفرض شرط أو بدعة التّناصف في اختيار ممثّليهم.
فالمظلمة الأولى تُترجم اختلال فادح في تركيبة المجلس – الّذي يتكوّن من 45 عضوا- لصالح فئة القضاة على حساب بقية الفئات الأخرى. والأرقام الآتي ذكرها تظهر هذا الخلل الثّغرة في تركيبة هذا المجلس الّذي يتركّب من خمسة أصناف من رجال القانون والعدالة وهم كالتّالي:
الصّنف الأوّل، قضاة: 30 قاض ويُمثّلون ثلثي المجلس – تقريبا 66.5% – يقع تعيين 12 منهم بالصّفة. وهو مبدأ تختصّ به السّلط التّنفيذية بينما يقع انتخاب البقيّة – 18 عضوا – من طرف زملائهم بعد أن يكونوا قد وقع انتدابهم أوّل مرّة للعمل بهذا السّلك من طرف السّلط التّنفيذية أيضا!! هذا مع الإشارة إلى أنّ القضاة المعيّنون وقع الاختلاف حول طريقة تعيينهم إلى ثلاثة آراء: فالرّأي الأوّل يقول بأنّ هذا التّعيين يقع من قبل السّلط التّنفيذية تحت مبدأ ” التّعيين بالصّفة ” الواردة بالنّصوص التّشريعية وتختصّ به السّلط التّنفيذية. والرّأي الثّاني يقول أنّ هؤلاء يقع انتخابهم من طرف زملائهم الـ18 المنتخبين وسالفي الذّكر، وهو ما لم يرد فيه أيّ نصّ تشريعي. والرّأي الثّالث يقول بأنّ المنتخبين الـ18 يرشّحون هؤلاء الـ12 لدى السّلط التّنفيذية الّتي تتولّى الحسم في قبول هؤلاء من عدم قبولهم سواء الجميع أو البعض منهم. وفي إنتظار توضّح الأمر أكثر حول هذا الأمر، فإنّ الرّأي الأخير ينسجم مع النّصوص التّشريعية أكثر من غيره، وهو المعتمد عليه في هذا النّصّ ويظهر أنّ انتداب هؤلاء القضاة، سواء المنتخبين منهم أو المسمّين بالصّفة، هو قرار يخضع بدرجة أولى لقرار السّلطة التّنفيذية، وهو قرار سياسيّ. وبالتّالي فقد وقع تغليب المبدأ السّياسي على المبدأ العدلي الّذي يُمكن بلورته من قبل أهل الاختصاص وليس من قبل أهل السّياسة!
* الصنف الثّاني، محامون: 8 محامين ويُمثّلون تقريبا 18% من تركيبة المجلس، يقع انتخابهم من طرف زملائهم.
* الصّنف الثّالث، مدرّسون: 4 مدرّسين ويُمثّلون تقريبا 9% من تركيبة المجلس، يقع انتخابهم أيضا من طرف زملائهم .
* الصّنف الرّابع، محاسبون: 2 محاسبان إثنان، ويُمثّلان 4.5 % تقريبا من تركيبة المجلس، يقع انتخابهم أيضا من طرف زملائهم.
* الصّنف الخامس، عدول: 1 عدل واحد منفّذ، ويُمثّل تقريبا 2% من تركيبة المجلس، يقع انتخابه أيضا من طرف زملائه.

إنّ هذا الخلل كان يُمكن تفاديه باعتماد مبدأ التّمثيل النّسبي. وهو مبدأ قادر على إعطاء الحجم الحقيقي لكلّ صنف من الأصناف سالفة الذّكر، وذلك بعد حصر العدد الجملي لجميع الأصناف، ثمّ ضبط العدد الخاصّ بكلّ صنف وما يُمثّله من نسبة مائوية في مقابل العدد الجملي، ثمّ إسناد عدد من المقاعد يُناسب هذه النّسبة المائوية. هذا مع الإشارة إلى وُجود عدّة طرق أخرى لتطبيق مبدأ التّمثيل النّسبي تتّفق جميعُها في إعطاء الحجم العددي العادل لكلّ صنف في تركيبة المجلس.

أمّا المظلمة الثّانية – بدعة التّناصف – الّتي تفرض على النّاخب اختيار مترشّح أو مترشّحة. فهي قمّة الظّلم في فرض المترشّحين سواء على النّاخبين أو على الدّولة ككلّ. إذ يمكن من خلالها تمرير الكثير من الأشخاص فاقدي المستوى المطلوب لتحمّل مسؤولية صون العدالة ومناصرة الحقّ، كما حصل سواء بالمجلس التّأسيسي سابقا أو كما يحصل الآن بمجلس نوّاب الشّعب، وذلك بعد أن فُرضت أيضا بدعة التّناصف في اختيار أعضاء هاتين المؤسّستين. بدعة يُمكن من خلالها تمرير الكثير من التّشريعات المضادّة لمصلحة الوطن وهويّته، وهو ما يُمثّل جريمة في حقّ الوطن وهويّة شعبه لا يُمكن التّصدّي لها إلاّ بإلغاء العمل بهذه البدعة وتحرير اختيار النّاخب. تحرير يُمكن أن يتحقّق بشكل كلّي ونهائيّ في ظلّ نظام مباشر وليس نظاما نيابيّا كما هو عليه الحال الآن !!!

( الأستاذ عمّار صالح/ هولندا)