أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / موقع فوربس: تعرّفت الولايات المتّحدة على نظام همجي يقتل بشكل فوضوي، ويسجن بلا رأفة، ويراقب بلا هوادة، ويغتني بلا خجل

موقع فوربس: تعرّفت الولايات المتّحدة على نظام همجي يقتل بشكل فوضوي، ويسجن بلا رأفة، ويراقب بلا هوادة، ويغتني بلا خجل

Spread the love

مصر

كان الرّئيس المصري عبدالفتّاح السّيسي أحد الرّؤساء السّلطويين المُفضّلين للرّئيس دونالد ترامب، على الأقلّ حتّى الأسبوع الماضي. ومن ثمّ اِستهدفت الخارجية الأميركية الجنرال العسكري الّذي تحوّل إلى رجل سياسة، والّذي حوّل بلاده أيضا إلى سجن كبير. إلاّ أنّ اِستمرار دعم العمّ سام للوحشية والقمع في مصر يضرّ بسمعة الولايات المتّحدة الأميركية. ويجب على إدارة ترامب التوقّف عن دعم ديكتاتورية السّيسي، وفق موقع فوربس الأميركي.

بدأت واشنطن في تقديم “المساعدات الخارجية” لأنظمة الحكم الجديدة، وكان لمصر نصيب من هذه المساعدات بعد الحرب العالمية الثّانية. جاءت هذه المدفوعات بمثابة رشوة سياسية، ودعم اِقتصادي في نفس الوقت.

ورغم ذلك، بعد الإطاحة بحكم الملك فاروق، وسطوع نجم جمال عبد النّاصر، اِرتمت القاهرة في أحضان الاِتّحاد السّوفيتي في نهاية المطاف، بحسب الموقع الأميركي.

وبعدما تقلّد أنور السّادات السّلطة خلفا لعبد النّاصر، أبرم اِتّفاقية سلام مع إسرائيل، وعاد من جديد إلى حظيرة الغرب، وفق فوربس. فبعد إبرام اِتّفاقية كامب ديفيد، دفعت واشنطن للقاهرة مقابل الحفاظ على هذا السّلام، فقد تلقّت مصر قرابة 1.5 مليار دولار سنويا. ثمّ تقلّد حسني مبارك مقاليد الحكم بعد اِغتيال السّادات عام 1981، واِستمرّ عميلا أميركيا -بحسب الموقع- يُدفع له بسخاء حتّى الإطاحة به عام 2011، خلال فترة ثورات الرّبيع العربي.

كان مبارك ضحيّة تنامي التيّارات الدّيمقراطية، فضلا عن تمرّد القوّات المسلّحة على محاولته اِستبدال الحكم العسكري بحكم عائلي ديكتاتوري. وذلك بوقوف الجيش إلى جانب الاِحتجاجات الشّعبية للتخلّص من المشكلة بشكل سلس.

ويضيف الموقع أنّ إدارة أوباما حافظت على إرسال المساعدات خلال فترة الحكم الاِنتقالي المؤقّت للبلاد، وكذلك بعد اِنتخاب الرّئيس المصري الجديد، محمّد مرسي، أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

الجيش والشّرطة أشعلا الفوضى:

مع ذلك، أشعل الجيش والشّرطة والنّظام البيروقراطي ونخبة رجال الأعمال الفوضى في البلاد، وجعلوها غير صالحة للحكم. شجّع السّيسي، وزير الدّفاع آنذاك، مساعي معارضي الرّئيس مرسي، بينما لبّوا هم نداءه بكلّ غبطة وسرور. كما سهّل مرسي مهمّة الجنرال السّيسي، من خلال إخفاقه في توسيع نطاق خطابه.

شعرت إدارة أوباما بالحرج الشّديد من اِنقلاب السّيسي في 2013، وعدم إمكانية تجاهل وحشية النّظام الجديد. فعلى سبيل المثال، قتل الجيش ما لا يقلّ عن 800 محتجّ في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، وهو عدد أكبر ممّن سقطوا صرعى في اِحتجاجات ساحة تيانانمين في الصّين.

وردّا منها على ذلك، قطعت واشنطن بعض المساعدات عن القاهرة، ومنعت عنها بعض الأسلحة، إلاّ أنّها رفضت وصف هذه الإجراءات بالاِنقلاب العسكري، رغم اِعتقال الجيش للرّئيس وقادة حزبه، وإغلاق وسائل الإعلام المستقلّة، وقتل المحتجّين الموالين للرّئيس مرسي، وسجن كلّ من يعارض النّظام الجديد. ما دفع الحكومة إلى بناء 16 سجنا جديدا كي تتّسع لاِستقبال المعتقلين الكثر. ويبدو أنّ أوباما قد أقنع نفسه بأنّ المال قد منحه النّفوذ اللاّزم لإعادة إحياء الدّيمقراطية.

ويضيف فوربس أنّ كلاّ من السّعودية والإمارات أسهما في ملء خزائن القاهرة لتثبيت دعائم الدّيكتاتورية الجديدة. بينما أعادت الإدارة الأميركية في نهاية المطاف الأمور إلى ما كانت عليه، ومنحت مساعداتها من جديد للقاهرة، بعد تحوّل إنفاق أموال الجيش إلى أهداف مكافحة الإرهاب. إلاّ أنّ المصريين عبّروا عن تذمّرهم من الأوضاع القمعية الّتي فاقت ما كان عليه الوضع في ظلّ حكم مبارك. فقد كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري، يقوم بزيارة للقاهرة، في الوقت الّذي كانت تُصدر فيه المحاكم المصرية أحكاما جماعية، وتوقع فيه عقوبات بالإعدام في قضايا تشمل مئات المتّهمين. اِعتذر السّيسي في بعض الأحيان عن اِنتهاكات الشّرطة، بما في ذلك من اِعتداءات جنسية على النّساء، إلاّ أنّه لم يفعل شيئا لمنع حدوث هذه الاِنتهاكات.

ترامب تغاضى عن حقوق الإنسان:

أمّا الرّئيس دونالد ترامب، فقد تغاضى تماما عن إبداء أدنى اِهتمام بأوضاع حقوق الإنسان في مصر. فعندما قابل السّيسي في شهر أفريل الماضي، صرّح أنّ الأخير “قام بدور رائع في مرحلة صعبة للغاية”. كما صرّح الرّئيس الأميركي “نحن نقف بكلّ قوّة خلف الرّئيس السّيسي”.

اِعتقدت القاهرة واهمة حصولها على قائمتها الطّويلة من الأمنيات من واشنطن، بما في ذلك زيادة حجم المعونة، وإزالة القيود عن المساعدات العسكرية، وإدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الجماعات الإرهابية، وتسليم معارضي النّظام.

علاوة على ذلك، يبدو أنّ السّيسي قد فسّر موقف الرّئيس دونالد ترامب على أنّه ضوء أخضر لتصعيد الحرب الّتي يشنّها النّظام على الشّعب المصري. فبعد اِنعقاد قمّة ماي في السّعودية، وفقا لما صرّح به سودارسان راغافان، مدير مكتب صحيفة واشنطن بوست في القاهرة، أنّ “قوّات أمن الدّولة قد اِعتقلت العشرات من أعضاء أحزاب المعارضة. وتمّ حظر ما يزيد عن 100 موقع إلكتروني اُعتبرت معارضة لحكومة السّيسي. وسُجن محامون وناشطون في مجال حقوق الإنسان، وجُمّدت أموالهم، بسبب تنظيمهم للاِحتجاجات. بالإضافة إلى تكدّس النّظام القضائي بالعاملين والمحامين والقضاة الموالين للسّيسي”.

إلاّ أنّ الحكومة الأميركية فهمت منذ وقت طويل الطّبيعة الوحشية لديكتاتورية السّيسي. فقد أشار التّقرير الأخير للخارجية الأميركية عن أوضاع حقوق الإنسان، أنّ “المشكلات الأساسية الّتي تتعلّق بأوضاع حقوق الإنسان في المقام الأوّل، تأتي من اِستخدام قوّات الأمن للقوّة المفرطة، وعدم اِستيفاء الإجراءات القانونية اللاّزمة، واِنتهاك الحرّيات المدنية. ويشمل الاِستخدام المفرط للقوّة عمليّات القتل خارج نطاق القانون، وممارسة التّعذيب. بينما يتضمّن القصور في اِستيفاء الإجراءات القانونية، التوسّع في حالات الاِحتجاز الوقائي، والحبس المؤقّت على ذمّة التّحقيق، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وإجراء محاكمات تشمل مئات المتّهمين دون تقديم السّلطات أدلّة على أساس فردي، والاِعتقال دون مبرّر أو أمر قضائي. أمّا مشكلات الحرّيات المدنية فتشمل القيود المجتمعية والحكومية على حرّية التّعبير عن الرّأي، وحرّية الإعلام، فضلا عن حرّية إنشاء الجمعيات والمؤسّسات على صعيد الممارسات والتّشريعات”.

تتشابه التّقييمات الخاصّة في السّلبيات أيضا. وعلى أيّة حال، صنّفت منظّمة Freedom House مصر بأنّها ليس بها حرّية صحافة، وهو ما يعني اِنعدام الحرّية تماما. إذ إنّ اِنتهاك نظام السّيسي للحرّيات المدنية، يُعدّ أكثر سوءا من تعدّيه على الحقوق السّياسية. فقد أشارت المنظّمة إلى “اِضطهاد الحكومة باِنتظام لأحزاب المعارضة والحركات السّياسية”، فضلا عن اِضطهادها “للمعارضين والأحزاب غير الإسلامية”. في الواقع “لا توجد معارضة سياسية فاعلة على أرض الواقع تقريبا، بسبب الملاحقات القضائية والاِعتقالات الّتي يواجهها النّاشطون الإسلاميون واللّيبراليون، على حدّ سواء”.

علاوة على عدم توافر أيّ رقابة حقيقية على السّلطة التّنفيذية، وتفشّي الفساد. وتسيطر الأجهزة الرّقابية على “وسائل الإعلام الحكومية، ومعظم وسائل الإعلام الخاصّة الّتي تدعّم السّيسي والجيش بقوّة”. كما تعاني الحرّيات الأكاديمية أيضا “فقد وُضعت قيود شديدة على حرّية تكوين الجمعيّات والمؤسّسات”.

فقد أظهرت القضايا القائمة “درجة عالية من تسييس النّظام القضائي، ما أفضى في كثير من الحالات إلى توقيع عقوبات قاسية على من تراهم الحكومة أعداءً لها”. يواجه معارضو النّظام أيضا حظر السّفر.

وعلى الرّغم من كلّ هذا القمع الشّديد، فإنّ “العمليات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء لم تتوقّف، غير أنّ هذه العمليات قد وصلت إلى عقر دار القطر المصري، برغم اِستخدام الحكومة المصرية التّدابير القمعية الّتي دائما ما يُساء اِستخدامها”.

وقد أشارت منظّمة العفو الدّولية إلى اِستخدام “الاِعتقال التعسّفي الجماعي في قمع المظاهرات والاِحتجاجات”. بينما اِنتقدت منظّمة Human Rights First الواقع في مصر بأنّه “أسوأ قمع حكومي منذ عقود”.

وقد ذكر فريق الأمم المتّحدة المعنيّ بحالات الإخفاء القسري أو غير الطّوعي، أنّ مصر لديها عدد كبير من “حالات الإخفاء القسري”، والّتي اِزدادت بحدّة خلال عام 2015. ولم ترد الحكومة على طلب زيارة اللّجنة “على الرّغم من المذكّرات المُرسلة”.

أشارت منظّمة Human Rights Watch إلى اِستمرار حظر التّظاهر، واِعتقال “كثير من الأشخاص ذوي الصّلة بهذه الاِحتجاجات بشكل وقائي”. كما “أمرت السّلطات بتطبيق حظر السّفر، وتجميد أصول منظّمات حقوق الإنسان الكبرى، ومديريها، وتوجيه اِتّهامات جنائية إلى رئيس نقابة الصّحفيين، وإلى أكبر مسؤول في مؤسّسات الدّولة لمكافحة الفساد”. ويتعرّض النّاس للتّعذيب الممنهج، “والإخفاء”، والقتل إحيانا أخرى. فضلا عن اِنتشار جميع أشكال اِنتهاك حقوق الإنسان الأخرى.

إنّ ديكتاتورية السّيسي لن تتوقّف عن سحق المعارضة السّياسية. فهي مصمّمة على القضاء على جميع أشكال معارضة النّظام، ففي أوّل أوت، حُكم على 50 من أفراد الشّرطة -معظمهم من جنود مقاومة الشّغب- بالسّجن لمدّة ثلاثة أعوام، عقابا على إضرابهم عن العمل بسبب ظروف عملهم. إلاّ أنّ المفارقة كانت باِتّهامهم بالتّحريض على العنف، وترهيب قوّات الأمن.

ترغب كلّ من واشنطن والقاهرة في “الاِستقرار”، إلاّ أنّ التّضييق حتّى على أكثر الاِنتقادات تواضعا، هو بمثابة بناء مرجل دون صمّام إبطال. وعند حدوث اِنفجار، فإنّه سيحرق كلّ من يقع في مرماه. على سبيل المثال، لاحظ مكتب أبحاث الكونجرس عام 2011 “ثورة شعبية في مصر، أظهرت موجة من العداء لأميركا، بسبب عمق العلاقات الأميركية مع الرّئيس السّابق حسنى مبارك على مدار عقود”. ومن ثمّ حاولت إدارة أوباما إصلاح هذا الضّرر من خلال الدّعم الكبير للرّئيس محمّد مرسي، وكسب عداء منتقديه.

حتّى الأسبوع الماضي، يبدو أنّ واشنطن قد عادت من جديد إلى دعمها الاِنعكاسي للنّظام الحاكم، إلاّ أنّ منظّمة Human Rights First قد حذّرت من أنّ مصر “تتّجه إلى وضع من عدم الاِستقرار الشّديد”. إذ إنّ المعارضة تفتقر إلى التّنظيم، والقيادة المسؤولة، بينما يؤدّي الغضب المتنامي إلى خيارات سلمية لم تُثبت عدم فاعليّتها فحسب، بل عدم وجودها من الأساس. فقد أكّدت ميشيل دون، من مؤسّسة كارنيغي، خلال شهر أفريل، أنّ “اِنتهاكات حقوق الإنسان، والقمع السّياسي الّذي لم يسبق له مثيل، الّذي تمارسه الحكومة المصرية منذ عام 2013، يؤجّج النّيران بدلا من إخمادها”.

60 ألف معتقل:

وقد أشارت منظّمة Human Rights First إلى ما نوَّه إليه عدد من النّشطاء المصريين، أنّه في ظلّ وجود قرابة 60 ألف معتقل، قد “يقع عدد من السّجناء فريسة للأفكار المتطرّفة لعناصر داعش”. وعبّر محمّد زارع من معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن قلقه من “عدم الاِهتمام بالضّحايا، ما يجعل من السّهل اِنزلاقهم إلى التطرّف”.

كما سيتفاقم تأثير العقاب السّياسي القاسي نتيجة للعقوبات الاِقتصادية، وذلك إذا تبنّت الحكومة مقترحا داخل البرلمان المصري يقضي بفصل أيّ عضو ينتمي إلى الإخوان المسلمين من الوظائف الحكومية. وفي مجتمع تلعب فيه الحكومة دورا اِقتصاديا كبيرا، قد يتسبّب ذلك في اِضطهاد منتقدي النّظام وفقرهم. ويؤدّي هذا إلى ظهور المزيد من الخصوم وتحديدا من الشّباب الأقلّ رغبة في التّنازل والأكثر عُرضة للعنف.

وبالفعل، شعر مالك عدلي، أحد المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان، بالقلق من أنّه بعيدا عن إقناع خصوم النّظام “بالتخلّي عن التطرّف والأيديولوجيات العنيفة” باتت الحكومة تخلق “قنابل إرهابية موقوتة”. وأخبر دون اللّجنة الفرعية لاِعتمادات مجلس الشّيوخ بأنّ نظام السّيسي بات يتبنّى “سياسات تنذر بحالة من عدم الاِستقرار المستمرّ”. واِستنتجت منظّمة حقوق الإنسان أوّلا ذلك: “طالما أنّ الحكومة المصرية مستمرّة في قمع المُعارضة السّلمية وخنق التعدّدية. فهي جزء من مشكلة عدم الاِستقرار المتزايد وليست جزءا من الحلّ”. ويمكن حدوث اِنفجار شعبي دموي آخر.

ومع هذا تتزايد وطأة القمع الّذي يمارسه السّيسي. ففي وقت سابق من هذا العام، أعلنت الحكومة الحرب على المجتمع المدني، وأغلقت المنظّمات غير الحكومية الّتي تراقب الاِنتهاكات الدّيكتاتورية. فمنذ ثلاث سنوات، زرت مركز النّديم لتأهيل ضحايا العنف والتّعذيب، الّذي بدأ في العمل أثناء فترة مبارك. وتحدّت المجموعة الحكومة وساعدت الضّحايا. وفي فيفري، أغلق النّظام المركز. واِضطرّت معظم الجماعات المستقلّة الأخرى إلى التوقّف.

ويسري الحظر أيضا على المنظّمات الغربية. واِحتجّت الولايات المتّحدة والدّول الأوروبية على التّشريع، الّذي جرى التّصديق عليه في نوفمبر الماضي، وبات من المُعتقد أنّ نظام السّيسي قد وافق على عدم تطبيق القانون. ولكن عقب التّرحيب المبالغ به بالرّئيس ترامب، بدأ الدّيكتاتور المصري في تنفيذ هذا الإجراء.

80 مليار دولار:

منذ عام 1948، حوّل دافعو الضّرائب الأميركيون ما يقرب من 80 مليار دولار إلى مصر. ويصل حجم المعونة في الوقت الحالي إلى قرابة 1.5 مليار دولار سنويا، معظمها من أجل الجيش. ومع ذلك، فعلى مدار سنوات، اِستغلّ الجيش المصري هذه الأموال في المقام الأوّل من أجل شراء أسلحة عالية التّكلفة تُستخدم للقتال في حروب غير موجودة على أرض الواقع بدلا من التصدّي للإرهاب المتصاعد. وأشار إليوت أبرامز، الّذي عمل في إدارة ريجان وبوش الأب، إلى شراء القاهرة للطّائرات المقاتلة في الوقت الّذي ترفض فيه المساهمة في مواجهة تنظيم الدّولة الإسلامية في العراق.

منذ عامين، توصّل مكتب المحاسبة الحكومية إلى أنّ وزارة الخارجية “لم تقيّم النّتائج المتعلّقة بمليارات الدّولارات الّتي ضخّتها في شكل مساعدات أمنية إلى مصر”. وأوضحت الوكالة: “إنّ غياب التّقييم عن المساعدات الأمنية لمصر يثير تساؤلات تتعلّق بالكيفية الّتي يسهم من خلالها هذا البرنامج- الّذي تدعّمه الولايات المتّحدة بتمويل يصل إلى 1.3 مليار دولار سنويا- في الإيفاء بالأهداف الاِستراتيجية، وما مقدار التّمويل المُتطلّب لنجاح ذلك”.

نعلم أنّ سخاء واشنطن لا يشكّل أيّ فاعلية. وأثبت توم مالينويسكي، مساعد وزيرة الخارجية لحقوق الإنسان في إدارة أوباما، في أفريل: “كانت مهمّتي تتمثّل في الحديث إلى الحكومات المُتسلّطة حول العالم. ويتوجّب عليّ القول إنّ اللّقاءات مع الحكومة المصرية تعتبر من أقلّ النّقاشات المثمرة والأكثر إزعاجا في الوقت الّذي قضيته في وزارة الخارجية”. وأضاف مالينويسكي “أثارت حالة الغضب والإنكار التامّ لجميع المشكلات، وكيف تجرؤ على ذلك أيّها المسؤول الحكومي الأميركي، هذه النّقاط معنا، وأين المال الّذي أنفقناه”.

ولكن خلال الشّهر الماضي، صدمت وزارة الخارجية المسؤولين والمراقبين في كلّ من القاهرة وواشنطن بإلغاء مساعدات مالية تصل إلى 96 مليون دولار تقريبا، وعلّقت 195 مليون دولار أخرى. ومن النّاحية العملية، يعتبر ذلك محاولة لليِّ الذّراع: وستحصل القاهرة على المساعدات الأخرى المستحقّة الّتي تصل إلى 1.3 مليار دولار من الولايات المتّحدة، وستساعد كلّ من المملكة العربية السّعودية والإمارات العربية المتّحدة في الإبقاء على نظام السّيسي.

ومع ذلك، دخلت حقوق الإنسان نقاشات جديدة بين الحكومتين. وأخبر مسؤول بوزارة الخارجية صحيفة واشنطن بوست Washington Post: “أردنا أن نبعث رسالة نعبّر فيها عن عدم سعادتنا حيال عدم إحراز أيّ تقدّم في مجال حقوق الإنسان وقانون المنظّمات غير الحكومية NGO”. كما يشكّ بعض المراقبين بأنّ واشنطن اِستهدفت الحكومة المصرية نظرا لعلاقتها مع كوريا الشّمالية الّتي تعود لما يزيد على نصف قرن. ويُعتقد أنّ الشّركات الصّورية لجمهورية كوريا الدّيمقراطية الشّعبية تستخدم بورسعيد لبيع الأسلحة عبر إفريقيا والشّرق الأوسط. وأثارت واشنطن هذه القضيّة مُسبقا دون أيّ نتائج.

وقدّمت وزارة الخارجية المصرية شكوى بأنّ حكومة السّيسي “تنظر إلى هذا الإجراء على أنّه يعكس سوء الحكم على العلاقة الاِستراتيجية الّتي تربط بين البلدين على مدار عقود طويلة وعلى أنّها تتبنّى وجهة نظر تفتقر إلى فهم دقيق لأهمّية دعم اِستقرار مصر”. وقد يؤدّي ذلك إلى “عواقب وخيمة تتعلّق بتحقيق المصالح المصرية- الأميركية المشتركة”. ومع ذلك، ما زال السّيسي يلتقي بوفد زائر يرأسه صهر ترامب جاريد كوشنر على النّحو المُخطّط له، وعبّر عن “حرصه على الاِستمرار في العمل على تعزيز العلاقات متعدّدة الأوجه الّتي تربط بين البلدين”، واِتّخاذ خطوات “لتوطيد العلاقات المصرية- الأميركية”.

لا تستطيع واشنطن أن تعيد صياغة العالم، ولكن ينبغي أن تتقيّد الإجراءات الّتي تتّخذها بالاِعتبارات الأخلاقية. فعلى الأقلّ، ينبغي أن ترفض الولايات المتّحدة تأمين الأنظمة التعسّفية في غياب المبرّرات المقنعة. ولا توجد أيّ مبرّرات مقنعة في مصر في الوقت الحالي. فلا تحتاج القاهرة إلى رشوة كي تتخلّى عن خوض حرب مع إسرائيل. فالإرهاب من المشكلات المتنامية، ولكن لا يتمثّل الحلّ في الأموال والأسلحة الأميركية.

والأسوأ هو دخول النّظام في حرب مع الشّعب الّذي يحكمه. فقد قضى الرّئيس السّيسي على المعارضة، وجعل العنف هو السّبيل الوحيد المتاح أمام المعارضة. وفي الوقت الحالي، تعرّفت الولايات المتّحدة على نظام همجي يقتل بشكل فوضوي، ويسجن بلا رأفة، ويراقب بلا هوادة، ويغتني بلا خجل.

إنّ مسؤولية الدّيكتاتور واضحة. وذكر دون: “عندما تسلّم السّيسي السّلطة عام 2013، لم يكن هناك تمرّد كبير في مصر، أو عمليات قتل للآلاف خارج النّطاق القضائي، أو الزجّ بعشرات الآلاف من الأشخاص داخل السّجون السّياسية، أو اِختفاء قسري للمئات، أو مقتل المئات في الهجمات الإرهابية كلّ عام، بما في ذلك التّفجيرات الاِنتحارية الأخيرة الّتي اِستهدفت المسيحيين، بالإضافة إلى هذا الوضع الاِقتصادي الميؤوس منه. ففي الوقت الحالي، تعاني مصر من كلّ هذه المشكلات، إلى جانب الاِستقطاب الاِجتماعي القويّ، والقابلية للتطرّف الّذي قد ينتج عن ذلك”.

فإذا تمكّن السّيسي كفرعون عصري من النّجاة من مثل هذا السجلّ، فلن يُنهي تقليص المعونات الأميركية نظامه أو اِنتهاكاته. ولكن ينبغي على واشنطن أن تأخذ جانب الشّعب المصري بدلا من حاكمهم. فعلى المدى الطّويل، ربّما يساعد ذلك على تعزيز الاِستقرار والدّيمقراطية.