أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / من يحكم تونس وكيف يحكم؟

من يحكم تونس وكيف يحكم؟

Spread the love

الفساد

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

يقول أحد أكبر الإستراتيجيين الأمريكيين: “في الأنظمة الدّيمقراطية يجب أن يكون كلّ من صانعي القرار والشّعب مقتنعين بمستوى وجودة السّياسة أو الإستراتيجية. ويجب أن تكون الإرادة الوطنية مبينة ومدعومة على الدّوام بالتّعبيرات العقلانية المستمدّة من منطق مقبول ومقنع، يشرح الغايات والطّرائق والوسائل، والجواب صادق لا لبس فيه عن السّؤال، لماذا هذه الإستراتيجية أو السّياسة ضرورية؟

كيف يمكننا نحن كتونسيّين أن ننظر إلى صناعة القرار ببلادنا؟ هل يمكن الآن تفسير ميكانيزمات الحكم بتونس؟.

ففي الوقت الّذي نقض فيه مجموعة من قضاة الولايات المتّحدة الأمريكية قرارا رئاسيّا لأقوى رئيس في الكون، ويذعن هذا الرّئيس لقرارات المحكمة رغم مماحكاته اللّفظية والتّعبيرية. وفي الوقت الّذي يتقدّم فيه رئيس وزراء فرنسي سابق بالاِعتذار للشّعب الفرنسي عن أخطاء أخلاقيّة حسب تعبيره، نعيش نحن في تونس على أنغام التّسويات والمصالحة دون محاسبة وكلّها تحت شعار السّياسة التّوافقية.

نحن الآن أمام آليتين لمراقبة وتصحيح أخطاء الحكّام، في الولايات المتّحدة الأمريكية يتمّ نهج الآلية القضائية القانونية والإدارية، وفي فرنسا يتمّ اِتّباع الآلية الإعلامية والشّعبية، في حين أنّ تونس، وإن غابت عنها الآليّة الأولى، أي آلية القانون والإدارة جزئيا، فإنّ بعض الأصوات الإعلامية رغم قلّتها، بحّ صوتها وجفّ قلمها وهي تفضح فسادا مستشريا من قمّة الحكم إلى قدمه. ولا أحد يحرّك ساكنا أو يفتح تحقيقا أو يفعّل قانونا. الدّستور نصّ محنّط إذن، لا يتمّ تحريكه إلاّ إذا أراد السيّد الرّئيس أو رئيس الحكومة أو الأحزاب الحاكمة، جميع نصوصه مجمّدة، ومؤسّساته الدّستورية وإلى حدّ كتابة هذه الأسطر جلّها تقريبا معطّلة. والتّرسانة القانونية، الجنائية والجبائية والمدنيّة لا تنفّذ إلاّ في المستضعفين والفقراء والبؤساء. هكذا أصبح نظام هيبة الدّولة في تونس، باِعتبار الدّولة لا تقوم إلاّ على أساس الفساد وغياب القانون، ويتعرّى هذا الفساد أمام تواتر أخبار معاقبة وتصحيح أخطاء كبار حكّام وقادة العالم. فمثلا ساركوزي يتمّ تقديمه اليوم مرّة أخرى للقضاء لمساءلته عن مصادر تمويل حملته الاِنتخابية الأخيرة، وفرانسوا فيون من أجل سوء التصرّف في المال العامّ لتوظيفه زوجته، في حين أنّ أغلب الأحزاب التّونسية لم تقدّم إلى الآن كشوفاتها وحساباتها المالية ومنها النّداء الحاكم باِستثناء ثمانية أحزاب من 205 حزب.

والنّظام حين يحرّك إعلامه المأجور للنّبش في ثروة أحد خصومه الأغبياء، فهو يحرّكها للاِنتقام فقط، وليس لتفعيل القانون باِعتباره يسمو فوق الطّبقات والأشخاص والأنساب، أو كذلك لتشويه خصومه السّياسيين كما حصل مع الرّئيس السّابق الدّكتور منصف المرزوقي وحكاية الحوت المشهورة. فماذا بقي في دولة دستورها لا يتحرّك إلاّ بأوامر رئاسية؟ ما دور الحكومة، والبرلمان، وأين المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدّستورية؟ ما هو دور الإعلام العمومي؟ وأين كلّ أجهزة الدّولة؟ هل يمكن حقّا لأجهزة ولمؤسّسات لها كلّ هذه الحشود والجنود أن تخفق في إقرار العدالة بمختلف أنواعها القانونية والإجتماعية؟ وفي توفير الأمن للمواطنين، وتفعيل القانون؟. فلماذا هي قائمة أصلا؟

والجواب هو لتحصين أصحاب النّفوذ والسّلطة والأغنياء والمنحرفين والشواذّ والمجرمين وتأديب الوطنيّين والمجتهدين والكفاءات؟. بل أحيانا وقد عشت شخصيّا هذه الهواجس الّتي أصبحت للأسف حقائق معيشيّة وواقعية لسنوات وحتّى بعد الثّورة، أتساءل هل فعلا أعيش في بلد أو دولة أو وطن، أم أعيش في ظلّ عصابة منظّمة لها شكل دولة، اِغتصبت بلدا وسرقت وطنا؟.

فما يشوّش على الباحث قدرته وإمكاناته تفسير قرارات السّياسيين بتونس، هو أنّها لا تخضع لأيّ معيار مؤسّساتي معترف به، كما يمكن اِستشرافها في النّماذج النّظرية للسّياسة، وهي النّموذج العقلاني، والنّموذج المؤسّساتي، والسّياسة الحكومية. فرئيس الحكومة – وحتّى رئيس الدّولة- سواء في قراراته وفي خطبه أو في المشاريع الّتي يطلقها لا أثر له، تختفي مفاعيل مدلولات خطابه، ومضمون مشاريعه بمجرّد ما ينهي خطبته أو يدشّن مشروعه.