أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / من يحكم العالم؟

من يحكم العالم؟

Spread the love
تشومسكي

هذه ترجمة للجزء الأوّل من المقتطفات الّتي نشرتها صحيفة “لوموند دبلوماتيك” من كتاب المفكّر الأمريكي البارز نعوم تشومسكي

عندما نسأل من” يحكم العالم؟” نتبنّى عادة الاِصطلاح الاِعتيادي وهو أنّ الفاعلين في العالم هي الدّول، وبشكل رئيس القوى العظمى، وننظر بعين الاِعتبار إلى قراراتهم والعلاقات فيما بينهم. ليس هذا بخطأ. ولكنّنا سنحسن صنعا إن تنبّهنا إلى أنّ هذا المستوى من التّجريد يمكن أن يكون مضلّلا جدّا.

إنّ للدّول بالطّبع بنى داخلية معقّدة، وتتأثّر خيارات القيادة السّياسية وقراراتها بشكل كبير بالتركّزات الدّاخلية للسّلطة، بينما يهمَّش عامّة النّاس دائما. يصحّ هذا القول حتّى على المجتمعات الأكثر ديمقراطية، وهو صحيح بشكل واضح على المجتمعات الأخرى. لا يمكننا الحصول على فهم واقعي لمن يحكم العالم ونحن نتجاهل “أسياد الجنس البشري” كما سمّاهم آدم سميث Adam Smith وهم التجّار والصّناعيون في أنكلترا في زمنه، أمّا في زمننا فهم التكتّلات متعدّدة الجنسيات للشّركات والمؤسّسات المالية الضّخمة وإمبراطوريات تجارة التّجزئة وما شابه ذلك. إنّ من الحكمة النّظر، حتّى بعد سميث، إلى “الحكمة السّيئة” الّتي كرّس لها “أسياد الجنس البشري” أنفسهم “كلّ شيء لنا ولا شيء للنّاس الآخرين”، وهو مبدأ متعارف عليه بأنّه يشير إلى حرب طبقية دائمة لا هوادة فيها- من جانب واحد دائما- وتنطوي على أذى كبير يصيب النّاس في البلد الّذي تجري فيه وفي العالم كلّه.

في التّرتيب العالمي المعاصر تملك مؤسّسات الأسياد سلطة عظيمة، ليس في السّاحة الدّولية فحسب ولكن في داخل دولها أيضا، وتعتمد مؤسّسات الأسياد على دولها لحماية سلطتها وإمدادها بالدّعم الاِقتصادي عبر وسائل عديدة ومتنوّعة. يحيلنا النّظر إلى الدّور الّذي يقوم به أسياد الجنس البشري إلى أوليّات السّياسة الخارجية الحالية كـ”الشّراكة عبر الأطلسي Trans-Pacific Partnership” وهي إحدى اِتّفاقيات حقوق المستثمرين وسميّت خطأ في الدّعاية الإعلامية والتّحليلات بـ”اِتّفاقيات التّجارة الحرّة” free-trade agreements. تجري المحادثات حول هذه الأولويات سرّا، فضلا عن مئات محامي الشّركات واللّوبيين الّذين يكتبون التّفاصيل الحاسمة. الغاية هي جعل هذه الأوليّات متّبعة بطريقة ستالينيّة عبر إجرائيّات “المسار السّريع” الّتي أُعِدّت لتمنع المناقشات وتسمح فقط بالاِختيار بين نعم ولا (وبالتّالي نعم) ودائما يكون أداء واضعي هذه الإجرائيّات ناجحا جدّا وليس هذا بغريب. النّاس حادث عرضي وفق ما يمكن توقّعه من نتائج.

القوّة العظمى الثّانية

ركّزت البرامج النّيوليبرالية للجيل السّابق الثّروة والسّلطة في عدد أقلّ بكثير من الأيدي بينما قوّضت الدّيمقراطية الفاعلة، ولكنّها أثارت الاِعتراض أيضا وكان ذلك أوضح ما يكون في أمريكا اللاّتينية ولكنّه لم يغب عن مراكز القوّة في العالم أيضا. فقد أدّت النّتائج القاسية لسياسات التقشّف في فترة الأزمة إلى تقلقل الاِتّحاد الأوروبي- وهو أحد أهم التطوّرات الواعدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثّانية-. اِستُهجنت هذه السّياسات حتّى من قبل اِختصاصيي الاِقتصاد في صندوق النّقد الدّولي( وربما من قبل ممثّليه السّياسيين أيضا). لقد قُوّضت الدّيمقراطية عندما تمّ سحب عمليّة صنع القرار إلى بيروقراطية بروكسل، حيث تلقي المصارف الشّمالية بظلالها على معاملاتها.

خسرت الأحزاب الرّئيسة أعضاءها لصالح اليمين واليسار ومازالت. ويعزو رئيس مجموعة البحث EuropaNova- الّتي مقرّها باريس- الخيبة العامّة إلى “حالة من الغضب العقيم إثر الاِنتقال الكبير للقوّة الحقيقية القادرة على صياغة الأحداث من القادة السّياسيين الوطنيين [الّذين يخضعون للسّياسات الدّيمقراطية من حيث المبدأ على الأقلّ] إلى السّوق أي مؤسّسات الاِتّحاد الأوروبي والشّركات” بتوافق تامّ مع المبدأ النّيوليبرالي. تجري في الولايات المتّحدة الآن عمليات شبيهة جدّا ولأسباب مشابهة نوعا ما، وهو أمر ذو دلالة وأهمّية ليس بالنّسبة إلى البلاد فحسب بل إلى العالم كلّه نظرا لقوّة الولايات المتّحدة.

إنّ المعارضة الصّاعدة للسّطوة النّيوليبرالية تضيء جانبا مهمّا آخر من الاِصطلاح الاِعتيادي: وهو أنّه يغضّ النّظر عن الشّعب الّذي يعجز دائما عن تقبّل دور “المتفرّجين” (بدلا من “المشاركين”) والّذي يُعهد إليه به في النّظرية الدّيمقراطية اللّيبرالية. طالما كان هذا العصيان دائما مصدر قلق للطّبقات الحاكمة، ففي التّاريخ الأمريكي نفسه نجد أنّ جورج واشنطن نظر إلى عامّة النّاس الّذين شكّلوا الميلشيات الّتي كان عليه قيادتها على أنّهم “أناس قذرون وبذيئون جدّا [ويُظهرون] مستوى لا يمكن وصفه من الغباء في الطّبقة الدّنيا من هؤلاء النّاس.”

يستنتج ويليام بولك William Polk في كتابه السّياسة العنيفة Violent Politics وهو اِستعراض دقيق لحركات التمرّد بدءا من “التمرّد الأمريكي” حتّى أفغانستان والعراق حاليّا أنّ الجنرال واشنطن “كان متلهّفا لتنحية [هؤلاء المقاتلين الّذين اِزدراهم] جانبا إلى درجة أنّه أوشك على خسارة الثّورة بسبب ذلك.” بالتّأكيد “كان سيخسر الثّورة عمليّا” لو أنّ فرنسا لم تتدخّل بقوّة “وتنقذ الثّورة” وكانت العصابات- الّتي سنطلق عليها الآن “الإرهابيين”- هي من حقّق اِنتصارات الثّورة حتّى ذلك الوقت، بينما كان جيش واشنطن ذي النّموذج البريطاني” يتعرّض للهزيمة تلو الأخرى وقد أوشك على خسارة الثّورة.”

من السّمات العامّة لحركات التمرّد النّاجحة، بحسب بولك، هي أنّ القيادة السّياسية تقوم فور تبدّد الدّعم الشّعبي بعد النّصر بإخضاع “النّاس القذرين والبذيئين” الّذين حقّقوا الاِنتصار عمليّا عبر تكتيكات العصابات والإرهاب. تقوم القيادة السّياسية بذلك لخوفها من أنّ هؤلاء النّاس يمكن أن يعارضوا الميزات الطّبقية. لقد اِتّخذ اِزدراء النّخب لـ”الطّبقة الدّنيا من هؤلاء النّاس” أشكالا عديدة عبر السّنين. ولم تكن الدّعوة إلى الرّضوخ والطّاعة (“تليين الدّيمقراطية”) من قبل الأمميّين اللّيبراليين وذلك في تفاعلهم نتائج الحركات الشّعبية في الستّينات والّتي أدّت إلى مزيد من الدّيمقراطية إلاّ أحد التّعبيرات عن هذا الاِزدراء.

في بعض الأحيان تختار الدّول فعلا أن تتبع رأي الشّعب مثيرة غضبا شديدا في مراكز القوّة. إحدى الحالات الدّراماتيكية كانت في عام 2003، عندما طلبت إدارة بوش Bush من تركيا أن تنضمّ إليها في غزو العراق. عارض خمس وتسعون بالمئة من الأتراك مسار العمل هذا، وما أثار ذهول واشنطن وفزعها هو اِلتزام الحكومة التّركية برأيهم. لقد اِستُهجن هذا الخروج التّركي عن السّلوك المسؤول بشدّة حتّى أنّ نائب وزير الدّفاع باول ولفويتز Paul Wolfowits الملقّب في الصّحافة بـ”القائد المثالي” “Idealist-in-chief” في الإدارة الأمريكية وبّخ الجيش التّركي لسماحه للحكومة التّركية بالقيام بهذا الفعل المخلّ وطالب باِعتذار. على الرّغم من ذلك ودون تأثّر بما لا يحصى من الأمثلة البيّنة على زيف “التطلّع إلى الدّيمقراطية” واصلت بعض القراءات السّياسيّة المحترمة الثّناء على الرّئيس جورج دبليو بوش George W. Bush لاِلتزامه بـ”التّرويج للدّيمقراطية”، وأحيانا اُنتُقِد لسذاجة تفكيره بأنّ من الممكن لقوّة خارجية أن تفرض تطلّعاتها إلى الدّيمقراطية على الآخرين.

لم يكن الشّعب التّركي وحده، فقد واجه العدوان الأمريكي البريطاني معارضة عالمية عارمة. نادرا ما وصلت نسبة تأييد خطط واشنطن الحربية إلى 10% في أيّ منطقة بحسب اِستطلاعات الرّأي العالمية. وقد أحدثت المعارضة اِحتجاجات ضخمة على اِمتداد العالم، وفي الولايات المتّحدة نفسها أيضا، وربّما للمرّة الأولى في التّاريخ يواجه العدوان الإمبريالي اِحتجاجا قويّا حتّى قبل أن يُشرع به. كتب الصّحفي باتريك تايلر Patrick Tyler على الصّفحة الأولى من صحيفة New York Times “مازال هناك قوّتان عظميان في الكوكب: الولايات المتّحدة والرّأي العامّ العالمي”.

الاِحتجاج غير المسبوق في الولايات المتّحدة كان تعبيرا عن معارضة العدوان الّتي كانت قد بدأت قبل عقود بإدانة حروب الولايات المتّحدة في الهند الصّينية، وقد بلغت مدى واسعا ومؤثّرا، حتّى وإن تأخّر ذلك كثيرا. في عام 1967 عندما بدأت حركة مناهضة الحرب تصبح قوّة ذات شأن، حذّر المؤرّخ العسكري والمختصّ بفييتنام برنارد فال Bernard Fall من أنّ “فييتنام ككائن ثقافي وتاريخي… مهدّدة بالزّوال… [حيث أنّ] الرّيف يموت بالمعنى الحرفي تحت ضربات الآلة العسكرية الأكبر عبر التّاريخ وقد أرخي عنانها في منطقة صغيرة كهذه”.

لكنّ حركة مناهضة العنف أصبحت قوّة لا يمكن تجاهلها، ولم يكن ممكنا غضّ النّظر عنها عندما وصل رونالد ريغان Ronald Regan إلى السّلطة عازما على الشّروع بضرب أمريكا الوسطى. لقد قلّدت إدارته بدقّة الخطوات الّتي كان جون كندي John F. Kennedy قد اِتّخذها قبل عشرين عاما في بدء الحرب على جنوب فييتنام، ولكنّه اُضطرّ إلى التّراجع بسبب ذلك النّوع من الاِحتجاج الشّديد الّذي كان يندر مثيله في بداية الستّينات. كان العدوان مريعا بما فيه الكفاية ولم يتعافّ ضحاياه حتّى اليوم، ولكن ما حدث لجنوب فييتنام ولاحقا لكلّ الهند الصّينية حيث تأخّرت “القوّة العظمى الثّانية” في فرض عوائقها كان أسوأ بما لا يسمح بالمقارنة.

كثيرا ما يُحتجّ بأنّ المعارضة الشّعبية العارمة لغزو العراق لم تؤدّ إلى نتيجة. لكن يبدو لي هذا غير صحيح. فبالرّغم من أنّ الغزو كان مرعبا بما فيه الكفاية، ورغم فظاعة عواقبه، فقد كان يمكن له أن يكون أسوأ بكثير. لم يكن في مقدور نائب الرّئيس ديك تشيني Dick Cheney ووزير الدّفاع دونالد رامسفيلد Donald Rumsfeld وبقيّة كبار موظّفي بوش أن يفكّروا في اِتّخاذ خطوات كالّتي اِتّخذها الرّئيس كيندي والرّئيس ليندون جونسون Lyndon Johnson قبل أربعين عاما على نطاق واسع ودون اِحتجاج.