أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / من دور القضاء أيضا حماية الدّيمقراطية

من دور القضاء أيضا حماية الدّيمقراطية

Spread the love
الأستاذ عدنان منصر

ما الّذي يبرّر اِلتجاء الأحزاب، أو المترشّحين لاِستحقاق اِنتخابي كبير، لشركات أجنبية لوضع خطّة للدّعاية، أو للتّأثير على صانعي القرار في دول أجنبية؟ نتذكّر جميعا الكارثة الّتي تسبّبت فيها شركة الاِتّصال التّركية في 2011 لنجيب الشّابي وحزبه، ونكتشف اِلتجاء النّهضة وعيش تونسي، مثل القروي، لمثل هذا النّوع من الشّركات والمبالغ الهامّة الّتي تدفع لقاء خدماتها (منذ 2014 على الأقلّ بالنّسبة للنّهضة).

الموضوع يستدعي التّناول من جهتين: من جهة الأموال الّتي تدفع بالعملة الصّعبة دون أن تمرّ عبر المسالك القانونية ودون أن تُحتسب في الميزانيات الرّسمية. في الحدّ الأدنى، هذه مخالفة جسيمة تستوجب المقاضاة، ولو تمّت في خارج السّياق الاِنتخابي. من جهة ثانية، ماهي الجدوى من خطّة تواصلية يضعها أجانب حسب أنماط جاهلة بالثّقافة المحلّية وبالمزاج التّونسي؟ في نهاية الأمر، وبغضّ النّظر عمّا إذا كان هناك طابع إجرامي في هذه العمليّة أم لم يكن، محاولة التّأثير على المزاج الاِنتخابي بهذه الطّرق المصطنعة لا يعبّر، بالإضافة إلى طابعه اللاّأخلاقي، إلاّ عن عدم ثقة في الطّرق الطّبيعية الّتي تأتي عبرها شعبيّة حزب ما. فتح تحقيق في هذا الموضوع اليوم من السّلطات القضائية أمر جيّد، وهناك أمل حقيقي في أن يحميَ القضاء، ما وسعه الأمر، الممارسة الدّيمقراطية.

فتح تحقيق قضائي اليوم بناء على الدّعوى الّتي تقدّم بها التيّار الدّيمقراطي، أمر جيّد. السّرعة الّتي تحرّك بها القضاء أيضا أمر جيّد. أمّا حسم الموضوع في أقرب الآجال فسيكون أكثر من جيّد. هامّ جدّا أن يحصل هذا التّأثير للرّأي العام، وهامّ جدّا أن يوسّع القضاء تحقيقاته خارج هذا الثّلاثي، فقد اِستفحل الدّاء كثيرا!

لاحظت اِرتباكا لدى بعض الجهات في النّهضة في التّعامل مع هذا الموضوع، في حين أنّها تحمّست لإدانة عقد المليون دولار الّذي أبرِم باِسم القروي مع الشّركة الكندية. هل يجب أن يُحاسب القروي فقط لأنّه القروي، أم لأنّه اِرتكب أفعالا يجرّمها القانون؟ أعتقد أنّ المنطق هنا بسيط وواضح. الاِستقواء على الدّيمقراطية بأموال لا تخضع للمراقبة يجب فعلا أن يتوقّف، لأنّ هناك من وصل أو يمكن أن يصل للسّلطة بأكثر من حجمه، فقط لغزارة أموال لا أحد يعلم من أين تأتي وكيف تنفق.

بالنّسبة لكثير من المناضلين المتمسّكين بأنّ أحزابهم “نظيفة” لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، يجب أن يكونوا أكثر موضوعيّة، برغم ألم الاِستفاقة على أنّ الفوارق بينه وبين الآخرين، هنا على الأقلّ، ليست كبيرة جدّا. نعم، السّاحة التّونسية مخترقة جدّا، والاِختراق لا يأتي فقط من جهة القروي. أمّا النّوايا الطيّبة للمناضلين، فمجرّد حطب معارك!