شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | من باريس.. الغنّوشي يثير الجدل من جديد

من باريس.. الغنّوشي يثير الجدل من جديد

image_pdfimage_print
Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

الأستاذ محمد فوراتي

أثارت زيارة راشد الغنّوشي رئيس حركة النّهضة إلى باريس بدعوة رسميّة فرنسية جدلا حادّا بين فريقين، أحدهما مستنكر ومستهجن ومستنقص، وآخر مدافع عن مثل هذه الزّيارات في إطار الحوار والتّرويج للتّجربة التّونسية ودعم موقع الحزب في المشهد السّياسي.

سبق للغنّوشي أن زار ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والصّين والولايات المتّحدة ولم تثر تلك الزّيارات مثل هذا الجدل وهذا في رأيي يعود إلى عدّة أسباب من بينها:
أنّ لفرنسا حضور قويّ في المشهد التّونسي تاريخي وسياسي وثقافي
وأنّ حركة النّهضة حزب رئيسي في هذا المشهد وليس لها علاقات سابقة مع باريس مثل أحزاب وشخصيّات سياسيّة أخرى معروفة.

كما تأتي أهمّية هذه الزّيارة أيضا في توقيتها، أي قبل اِنتخابات تشريعيّة ورئاسيّة مصيريّة، وكذلك في لحظة تشهد فيها دول الجوار ليبيا والجزائر أحداث غير عادية.
واِنطلاقا من هذه الأسباب نفهم مثلا اِنزعاج بعض اليساريّين أو بعض الإعلاميّين والسّياسيّين من هذه الزّيارة وأبعادها ونتائجها المحتملة فهم يعتقدون أنّ العلاقة مع فرنسا يجب أن تظلّ حكرا على الحداثيّين كما كانت دائما ومن خلالها يستمدّون قوّتهم.
ولذلك لا تثير زيارات شخصيّات سياسيّة أخرى إلى باريس الجدل مثلما فعلت زيارة الغنّوشي.
ولكن رغم ذلك، للزّيارة أهمّية تجعل الرّأي العامّ يسأل عن توقيتها وغاياتها وأهمّ بنود التّحاور فيها بين مسؤولين فرنسيّين والغنّوشي رفقة الوفد المرافق له والّذي يضمّ نوّابا وقيادات من الحركة.
فماذا تريد فرنسا؟
وماذا تريد حركة النّهضة من هذه الزّيارة؟

أوّلا يجب الملاحظة أنّ باريس لم تكن يوما مرتاحة للثّورة التّونسية ولا للتّجربة الدّيمقراطية ولا لصعود حركة النّهضة وأنّها دعّمت بن علي قبل سقوطه كما دعّمت بعض الأحزاب الّتي تدور في فلكها خلال السّنوات الماضية دون فائدة؟
فهل غيّرت باريس موقفها؟
ربّما أو هي بصدد التّعامل مع واقع جديد بالمنطقة.

ثانيا: فرنسا تراقب عن كثب المشهد التّونسي وهي تعلم أنّ النّهضة ستبقى لاعبا رئيسيّا وحزبا قويّا في المستقبل وليس لها خيار غير الحوار معها. لم توجّه فرنسا الدّعوة لغير النّهضة من الأحزاب أو الشّخصيات وهذا يدلّ على اِهتمام وحاجة باريس إلى الإجابة على الكثير من الأسئلة ربّما من بينها:
هل تطوّرت النّهضة فعلا وما حقيقة أدائها السّياسي؟ وكيف تنظر النّهضة إلى علاج مشكلات تونس؟ وماهي رؤيتها للحرب في ليبيا؟
ثمّ إذا فازت في الاِنتخابات كيف ستكون علاقتها بفرنسا؟

أمّا حركة النّهضة الّتي تصف سلسلة الزّيارات الّتي يقوم بها رئيسها بالدّيبلوماسية الشّعبية فهي تعمل كما تقول على مساندة الدّيبلوماسية الرّسمية في دعم وحماية تجربة الاِنتقال الدّيمقراطي ودعم المصالح العليا لتونس.
ولكنّ النّهضة تطمح أيضا إلى شرح مواقفها وأفكارها وكسب صداقات دولية وإقليمية بعد سنوات من التّشويه الّذي نالها من آلة بن علي الدّعائية. كما تريد النّهضة طمأنة الشّركاء الدّوليين ومسح الكثير من الأفكار المسبقة وأنّ فوزها في الاِنتخابات لن يهدّد السّلم والأمن الدّوليين.

من المؤكّد أنّ الغنّوشي الّذي يعرف قدرة الغرب ومفكّريه على التّأثير في تجارب العالم الثّالث لمس الكثير من الفوائد خلال لقاءاته الأخيرة مع مفكّرين وفاعلين فرنسيّين. وبعض من حاورهم الغنّوشي عبّروا عن دعمهم للتّجربة التّونسية.

إذن رغم الضّجيج الّذي صاحب الزّيارة نجحت النّهضة في تحقيق أكثر من هدف، بعضها اِستراتيجي بعيد المدى وآخر اِنتخابي آنيّ.
كما نجحت فرنسا في سبر أغوار طرف سياسي مهمّ والاِستماع له مباشرة وليس عبر وسطاء أو منافسين.

بعض الأصوات الّتي تنتقد الزّيارة من داخل النّهضة وخارجها يفوتها أنّ السّياسة لا تقوم على المقاطعة والحرب الكلامية بل على الحوار. وأنّ أفضل دعم لاِستقلال تونس وسيادتها هو الحديث بندّية مع القوى الدّولية والنّجاح في التّفاوض معها على قاعدة المصالح المشتركة لا على قاعدة الاِستعمار والتّبعية وهذا ما أعتقد أنّ النّهضة مرشّحة للنّجاح فيه على خلاف قوى سياسية أخرى.

Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail
%d مدونون معجبون بهذه: