أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / من أجل إنقاذ الأمّ كان من الضّروري التّضحية بالجنين

من أجل إنقاذ الأمّ كان من الضّروري التّضحية بالجنين

Spread the love

حسب التّونسيون أنّ خروج الطبّوبي الأمين العام للاِتّحاد العام التّونسي للشّغل عليهم عقب ساعات من الاِنتظار فاقت الثّمانية مدّة الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة من أجل النّظر في أزمة التّعليم الثّانوي و الحسم فيها، سينهي حالة قلقهم وغضبهم على مستقبل أبنائهم الدّراسي وعلى مصير هذه السّنة الدّراسية الغامض. ولم يكن الأساتذة بدورهم أقلّ قلقا وغضبا. غضب ليس سببه الشّعور بالغبن فقط بل ضاعفته وعمّقته حملة الشّيطنة والتّشويه الّتي سلّطت عليهم وكمّية السبّ والشّتم الّتي طالتهم.

كان الجميع ينتظر سماع ما يتّمنون سماعه وما نفذ الصّبر من أجل أن يبشّروا به خاصّة وقد أطلّ الطبّوبي سابقا في أكثر من مرّة مبشّرا بقرب الفرج. وبمجرّد أن اِستمع الأولياء لخطابه الإعلامي الّذي أعلن فيه عن نهاية الأزمة ودعوته الأساتذة إلى العودة إلى العمل وتسليم الأعداد مع تعهّد الاِتّحاد ممثّلا في مكتبه التّنفيذي بمواصلة الدّفاع عن مطالب الأساتذة وبدعوته الحكومة إلى الحوار الجدّي اِنطلاقا من الغد وبأن يكون للاِتّحاد ردّ قويّ في حالة عدم تعاطي الحكومة بجدّية مع هذا الملفّ وأن يكون الردّ سلسلة من الإضرابات القطاعيّة، اِستبشر الأولياء ولكن لم تدم فرحتهم، فبإعلان نقابة التّعليم الثّانوي من خلال بيانها مواصلة تعليق الدّروس وحجب الأعداد عاد القلق والغضب من جديد. فكيف يمكننا قراءة هذه الأحداث وماذا تكون خلفيّاتها وماذا عن تبعاتها؟

لا يخفي الأساتذة غضبهم تجاه موقف الاِتّحاد الّذي خذلهم حسب ظنّهم وتخلّى عنهم وعوض المحافظة على نفس المستوى في اللّهجة التّصعيدية ونفس المستوى في الإصرار بدا الاِتّحاد متخاذلا. وما الخطاب الّذي قدّمه إلاّ خطابا تسويقيّا يعلن الاِنتصار لقضيّة الأساتذة وهو في الحقيقة قد تخلّى عنهم وكلّ ما فعله هو محاولة للتّراجع مع حفظ ماء الوجه.

ويتساءل الأساتذة ما الّذي جعل الاِتّحاد يخذلهم ويتخلّى عنهم وهم الّذين كانوا دوما، ولا زالوا، شوكته وهم الّذين تبنّوا جميع قضاياه الوطنية ودافعوا عنها ورفعوا شعاراته، وقالوا لن نقبل بمساومتنا ومقايضة حقوقنا بالمؤسّسات العمومية والتّفويت فيها.

فعلها الاِتّحاد ولا يجد المعتصمون بحبل نقابتهم والمتمسّكون بحقوقهم من تبرير سوى ضعف الاِتّحاد أمام الضّغوطات الّتي تعرّض لها.

لقد تعرّض اِتّحاد الشّغل لحملة شيطنة عنيفة وتحريض لا سابق لها. وأصبح هدفا واضحا ورأسا مطلوبة من الحكومة ومن كلّ خصومه من أنصار كلّ الحكومات المتعاقبة. لقد اِتّحد جميعهم على كره الاِتّحاد، وكثير منهم كانوا أصدقاءه وحلفاءه بل كانوا أصدقاءه الصّغار حين كان هو الكبير، ولا كبير في السّياسة. فحتّى الّذين ساهموا في صنع صورة هذا الكبير أصبحوا أشدّ أعدائه المقزّمين له وأقصد بذلك جزءا كبيرا من الصّحافة والإعلام. لم يعد الكبير كبيرا ولم يعد الصّديق صديقا، ولم يعد الحليف حليفا بل أصبح عدوّا. صديق الأمس أصبح عدوّ اليوم.

وجد الاِتّحاد نفسه في قلب معركة لم يقدّر مخاطرها في البداية، وهو الّذي لم يفق بعد من وهم الإنجاز الوطني والمظلّة الجامعة، اِفتكّ مقود المدرّعة النّقابية وظنّ أنّه في طريق مفتوحة نحو هدفه ولن يجد مقاومة. وفجأة صدمته أضعف قوّة في تاريخ الحكومات التّونسية، أضعف وأحمق حكومة في تاريخ هذه البلاد، حكومة مجموعة من المغامرين الّذين لم ينجحوا في أي إنجاز وكانوا عنوانا للفشل ولم يبق لهم سوى أن يلعبوا لعبة “الكلّ في الكلّ”.

رئيس حكومة مغامر بلا تاريخ ولا مستقبل غير ما يصنعه وهمه، وبعض الوزراء الّذين لا قاعدة سياسيّة لهم ولا غطاء ولا مشروعا وطنيّا لهم غير مشروعهم الشّخصي الّذي لا ينبني على شيء غير نرجسيّتهم وأوهامهم.

ومع ذلك اِنتصر فريق هواة السّياسة على اِتّحاد خان حشّاد وأبناء حشّاد، كما كان يفعل في أغلب الأحيان، بفضل آلة الإعلام المضلّلة وبسبب ما خلّفه الاِتّحاد من أحقاد في قلوب جزء كبير من الشّعب التّونسي نتيجة تضخّم دوره واِنحرافه عن الطّريق السويّ واِنخراطه في أجندات سياسيّة حزبيّة مشبوهة… وقد كان سببا حقيقيّا في اِنهيار الاِقتصاد الوطني بسبب ما أنجزه من عشرات الآلاف من الإضرابات حتّى أصبح الإضراب هو النّشاط الأصلي للاِتّحاد والنّشاط اليومي لقياداته. وتحت قصف الإضرابات الّتي أضرّت بمصالح الشّعب التّونسي، أصبح التّونسي يعادي الإضراب معاداة الموت حتّى وإن كان مشروعا. لقد جعلت موجة الإضرابات القويّة وضعيّة المجتمع التّونسي وضعيّة خطيرة تمهّد لحالة حرب الكلّ ضدّ الكلّ بالمفهوم الهوبزي. ولكنّ الصّدمة هذه المرّة كانت قويّة لم يتوقّعها الاِتّحاد، فإمّا أن تكون المواجهة الخاسرة ضدّ الحكومة الّتي جعلت من الأولياء درعا بشريّة أو التّراجع والتخلّي عن نقابة الثّانوي وقاعدتها. أصبح الاِتّحاد مهدّدا في وجوده أصلا، فإمّا الفرملة أو الاِصطدام، أمّا التخفّف من حمل قنبلة الثّانوي أو الاِنفجار. كان الأساتذة ينتظرون مولودا بعد ولادة عسيرة فبشّروا بخبر مفزع تمّت التّضحية بالجنين من أجل المحافظة على حياة الأمّ، و الأمّ أولى وربّي يعوّض عليها…

لا شكّ أنّ الضربة الّتي تلقّاها الاِتّحاد موجعة، وقد بدأ حضور أولى جلسات التّجميل وتقليم الأظافر واِقتلاع الأنياب. وسيعود إلى مربّعه الأوّل كما كان أيّام بن علي قبل إعلان كذبة الاِتّحاد هو صانع الثّورة. ولا شكّ أنّ من خدعوه واِنقلبوا عليه يشربون اللّيلة نخب اِنتصارهم ويتلقّون التّهاني وعبارات الثّناء والتّقدير والتّعبير عن الإعجاب ببطولتهم وذكائهم خاصّة قائد الفريق الحكومي ووزيريه الفاشلين جامعيّا. و لكن قد يخفى عليهم أنّ فرحتهم لن تدوم طويلا ولن يكون لهم ما تمنّوا. فوراء كلّ لاعب صغير لاعب أكبر، “اللصّ اللّي يهزّ الكلّ”. وكثيرا ما يتوهّم الأطفال أنّهم الأذكى ويتغافلون عن مكر الشّيوخ الّذين خبروا كلّ أنواع المكر.

“طرح بلوط متاع معلميّة، كو بار كو” الغنّوشي والسّبسي من جهة والاِتّحاد والحكومة من جهة أخرى. يظنّ الشّاهد أنّه حقّق إنجازا ولكنّه يجهل ما حدث من وراء ظهره. لا يمكن تخيّل الطبّوبي مغفّلا أيضا ولا يمكن اِستبعاد أيّ اِتّفاق أو صفقة بين الاِتّحاد والشّيخين رأسا.

أجل الاِتّحاد الّذي كان مصرّا على تغيير الحكومة لا يمكن إسكاته وثنيه عن طريقه دون مقابل أو وعد. ولا نظنّ وعدا يهدّئ روع الطبّوبي أفضل من تعهّد بالتخلّي عن الشّاهد وتغيير الحكومة بعد الاِنتخابات مباشرة واِستئناف مفاوضات اِجتماعيّة ترضي الاِتّحاد.

لم يخبرنا الطبّوبي عن أهمّ ما أسفر عنه لقاءه برئيس الجمهوريّة  ولكنّ غضبه من أجل الأساتذة من جهة واِعتماده لهجة تصعيديّة في ظاهرها تعبّر عن عدم التخلّي عن مطالب الأساتذة دون اِعتماد ورقات ضغط وتهديد قويّة من جهة ثانية مثل التّهديد بالاِنسحاب من وثيقة قرطاج وهو أقوى وأهمّ طرف فيها، الطّرف الّذي لو اِنسحب منها لكانت نهاية الشّاهد ونهاية حكومته، واِكتفائه بالتّهديد بالإضرابات القطاعيّة في حالة عدم جدّية الحكومة في التّعاطي مع مطالب الأساتذة يجعلنا أمام خطاب مسرحيّ أكثر منه خطاب نقابيّ.

ملخّص القول، قبل الاِتّحاد بتحمّل ضربة موجعة شرط أن يكون جزاء من سدذدها ضربة أقوى مؤجّلة إلى ما بعد الاِنتخابات تنهي مستقبله وطموحه السّياسيّ.

في النّهاية، قد تكون بداية عهد جديد للاِتّحاد ومرحلة جديدة سقطت فيها كلّ الأقنعة سيعقبها سقوط رئيس الحكومة بعد الاِنتخابات مباشرة.

وإلى اللّقاء في ملحمة أخرى من ملاحم سيزيف التّغليم الثّانوي…

(هيئة التّحرير)