أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / منجي الفرحاني يكتب: من وحي شارع الثّورة اليوم..

منجي الفرحاني يكتب: من وحي شارع الثّورة اليوم..

Spread the love

الثورة

المخرج منجي الفرحاني

المخرج منجي الفرحاني

الأحرار أطلقوا عليه اسم شارع الثّورة ذات 14 جانفي عندما تُوّجت ثورة الحريّة والكرامة الّتي اندلعت شرارتها الأولى ذات 17 ديسمبر من مدينة سيدي بوزيد بهروب جلاّد الشّعب بن علي..
لازال علم بلادي في المناسبات الوطنيّة يحيلني إلى زمن السّابع وزبانيّته ومطبّليه من أبناء هذا الشّعب المنافق الموافق إلاّ قليلا..
أكثر الأعلام اليوم علّقوها على واجهة البناية الرّماديّة ولبسها من يعتقدون بهتانا أنّ الوطنيّة تعني أن يغطّوا مؤخّراتهم بالعلم..
ستلعنهم نجمته والهلال.. سيلعنهم لونه الأحمر الّذي يُخلّد من فدوه بأرواحهم الزكيّة..

من كلّ حدب وصوب جاؤوا يحتفلون بالثّورة في غير تاريخ ميلادها الحقيقيّ..
ولكن لا أظنّها استهوتهم الخيام الحزبيّة الضيّقة فتجمّعوا أكثر حول فرق موسيقيّة من فنّ الشّارع أو في المقاهي…
أمام المسرح البلديّ ترفع الجبهة الشّعبيّة نفس الشّعارات البالية وتدعو إلى إسقاط شيء ما لم أفقهه لمرور قافلة أخرى من حزب لا أعرفه شعاره طائرة زرقاء يطالب أنصاره، الّذي يوحي مظهرهم بالتّخمة، بالقضاء على الفقر…
أمّا في أحضان تمثال ابن خلدون فها هو مهرّج حركة النّهضة ينادي النّساء أن هبّوا إليّ ثقالا وخفافا في مسابقة حكّامها من حضر من أطفالكنّ لنختار أطول زغرودة…
وما الغرابة في ذلك ونحن في بلد أكبر عصيدة وأكبر مقفول وأكبر رئيس وأسقط نخبة!!!
غلام الإمارات الموازي لم يصل بعد… ربّما يكون قد جمّع أنصاره على وليمة مقرونة من مفاتيح العمالة استوردها من مصنعه الصيقليّ…
أصوات الطّبلة والبندير والزّكرة توحي بحلول ركب حزب النّخلة بكلّ ما أوتي من شقوق…

استفزّني شعار رفعه أحد المتظاهرين أمام نزل الهناء صاحب التّاريخ الأسود في فنّ الرّذيلة والمجون يقول:
“نزل الهناء الدولي رمز الثورة يستغيث فهل من مجيب؟”
علّقوا أنتم…

إنّه يوم الرّكوب البرداعي على الثّورة في ذكرى أوّل انقلاب عليها…

رجلان فقط جديران بإنصافي… شيخ كبير يبيع الأعلام ويقتات مالا حلالا زلالا من جيوب تجّار الوطنيّة وعامل النّظافة الوحيد في الشّارع… الشّاب الوسيم المبتسم المنبهر بما يدور حوله وفي عينيه ألف سؤال وسؤال..
اقتربت منه لأخذ صورة… صافحني بحرارة حتّى خلت أنّه يعرفني ثمّ بادر: “والله حرت منين باش نبدا..”

هو يحمل نفس حيرتي… أنا أيضا لم أكن أدري من أين أبدأ عامي هذا فكتبت…
نظرت من وراء حاسوبي إلى باقة الورود الّتي تركتها صاحبة العيون العربيّة العسليّة قبل أن تسافر وتتركني بلا حلم يحتضن لوحاتي الّتي نصّبتها ملكة على ألوانها فرأيت ورودها البيضاء النّاصعة تحافظ على رشاقتها وتأبى أن تذبل في حين تذبل بقيّة الألوان…
ثمّ نظرت إليها في قاع فنجاني فوجدتها كعادتها تراقصني في الرّشفة الأخيرة من قهوتي العربيّة وتشبعني قبلا من العشق المصفّى وتطمئنني على ثورتها الّتي تجري في دمي مجرى الوطن…
أصاحبة العيون العربيّة العسليّة السّاحرة…
دُمت لي وطنا كالحلم يكبر…
دُمت لي طفلة ألاعبها عمرا لا تكبر…
دُمت لي وردة بيضاء أهيم في شذاها لا تذبل…
دُمت لي ثورة قد تتعثّر ولكن لا تأفل شمسها أبدا…