أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / مناورة بذخيرة حيّة أم نذور قطيعة حقيقية؟؟

مناورة بذخيرة حيّة أم نذور قطيعة حقيقية؟؟

Spread the love

برهان بسيس

تعيش البلاد على وقع مرحلة فرز حقيقي يطلّ على ملامح زمن جديد بين خيارين إمّا إعادة إنتاج نفس التّوزيع للقوى الوازنة المتآلفة منذ عقد 2014 بين حركة النّهضة، التّعبيرة الرّئيسية للإسلام السّياسي في تونس، وحركة نداء تونس، التّعبيرة المفترضة للتيّار الوطني العلماني، وقوى ما سمّي بالنّظام القديم والاِتّحاد العام التّونسي للشّغل، الإطار التّنظيمي التّاريخي للحركة الاِجتماعية التّونسية، وإمّا اِنفراط هذا العقد في سياق ما اِصطلح إعلام المرحلة تسميّته بنهاية التّوافق وعودة مناخ المواجهة السّياسية لتكون عنوان السّنة الأخيرة من العهدة الرّئاسية والتّشريعية الّتي أنتجتها اِنتخابات 2014.
ليس الموقف من حكومة الشّاهد سوى تفصيلة جزئية لمسبّبات بلوغ هذا المنعطف وهي- أي هذه الحكومة- رغم حالتها المائعة الخالية من أيّ وزن سياسي جدّي بالمعنى التّاريخي للكلمة أشخاصا وتركيبة وبرامج، فهي تبدو تماما كالأحداث التّافهة والعابرة في التّاريخ الّتي يمكن أن تكون سببا لمنعطفات تاريخيّة ثقيلة ونوعيّة… خذ مثلا العقد النّفسية لقاتل وليّ عهد النّمسا، تلك الّتي قادت العالم إلى الحرب الكونية الأولى، تونس تقف اليوم تماما في مثل هذا المنعطف بذات الملابسات الّتي تتلاعب فيها مناورات بعض المغامرين الّذين قذفت بهم الصّدفة إلى الواجهة بمسار نوعيّ يشهد الجميع بقوّة تمييزه لحالة الاِنتقال الدّيمقراطي التّونسي سواء كانوا من أنصار هذا المسار أو من أشدّ منتقديه.
طبعا الجميع يعلم أنّ نذور الوقيعة ليست بين نهضة الغنّوشي ونداء حافظ، إنّما هي بوضوح بين نهضة الغنّوشي والباجي قايد السّبسي، نهضة قاتلت من أجل اِنتصارات اِنتخابية بدءا باِنعقاد الاِنتخابات البلدية في حدّ ذاتها وصولا إلى تعبئة شاملة للفوز في كلّ مراحل هذه الاِنتخابات يقودها في ذلك كابوس عبّرت عنه فلتات شيخها وهو يقتحم منطقة الثّرثرة تحت وقع التقدّم في السنّ متحدّثا عن خطّة دفاعه المضادّة لغول الجنرال المجنون المخيف.
لم تعد كواليس نهضة الغنّوشي تتعفّف عن الغمز من قناة الباجي قايد السّبسي مزهوّة باِنتصاراتها التّكتيكية وولعها الشّديد بما تعتبره إشارات دولية من عواصم العالم المؤثّرة وطفقت تتحدّث عن نهاية ورقة الباجي قايد السّبسي بما يسمح باِستضعافه واِستضعاف آل بيته السّياسي بالسّيطرة على جزء من مغامري الصّدفة الّذين جاء بهم الباجي وتطويعهم لتحقيق كلّ ما تشتهيه الحركة واِستعداء الجزء الآخر الّذي لم تعد ترتاح للتّعامل معه بمبرّرات وقوعه تحت تأثير خصومها الاِستئصاليين.
حتّى اِتّحاد الشّغل الّذي أنقذ نهضة الغنّوشي صيف 2013 بصياغة مشروع الحوار الوطني وحماية المؤسّسات القائمة وفتح طريق الخروج المدني الآمن لحكومتها المتهاوية لم يشفع له موقفه التّاريخي المضادّ للفرضيات الاِنقلابية ليقف اليوم موضوعا لدروس النّهضة في مناهج حسن السّيرة السّياسية وضرورات عدم التدخّل في شؤون الحكم وتقدير منافع الاِستقرار البهيج.
تقول كواليس نهضة الغنّوشي بوضوح أنّها أخذت ما يكفي من الإشارات الضّوئية الخضراء من العالم الخارجي الّذي تهابه كثيرا حتّى تتصرّف بهكذا توجّه ومسلك متناسية أنّ العالم الخارجي عوالم وأنّه يعجّ بالأعداء تماما بمثل ما يعجّ بالأصدقاء ويعجّ بالنّصائح المسمومة تماما بمثل ما يعجّ بنصائح النّوايا الحسنة، وهي في ذلك تسير مزهوّة بغرور وصلف من يسكر برائحة الاِنتصارات الهشّة فيبادر مباشرة إلى خصام ندماء مجلسه واِستحضار مزاياه عليهم، ألم يقل الغنّوشي أنّه ملّ من التّضحية وحده من إجل الوطن!! نعم هكذا ملّ من أن يكون هو وحده من يتنازل من أجل الوطن وهذه المرّة لن يتنازل!!!!
الأيّام القادمة ستكون فعلا حاسمة في مستقبل البلاد سياسيّا وسنعاين دروسا فارقة في كلّ المستويات بدءا بالأشدّ بساطة في عبرها المتطابقة مع عبر قصص الأطفال في مساوئ الغرور ومساوئ اِستضعاف كبار السنّ وصولا إلى العبر الاِستراتيجية المتعلّقة بمستقبل الفرع التّونسي للإسلام السّياسي وقدرته على حسن إدارة مركبه في غمرة عواصف البلاد القادمة خاصّة أنّه يفهم أنّ السّياسة ليست عناوين دعائية للاِستهلاك في صحف فرنسا أو أمريكا أو ألمانيا عن مدنية نهضة الغنّوشي وعبقرية مراجعاتها بل هي حالة دائمة من موازين القوى المتبدّلة تظلّ فيها مأساة إسلاميي تونس دون غيرهم من العائلات السّياسية التّونسية أنّ فرحهم تماما كحزنهم وتفاءلهم تماما كإحباطهم مرتبط في أذهانهم بسقوط نظام في قاهرة وفشل اِنقلاب في أسطنبول وفوز زملاء لهم في الدّار البيضاء واِبتسامة سفير لهم في حفل اِستقبال وجفاء تصريح لآخر تجاههم وسقوط درنة في يد حفتر وإشارة مزعجة من تلفزيون جزائري…
هل المتعايش دوما مع كوابيس العالم الخارجي أو أحلام العالم الخارجي يمكن أن يجد الوقت في التحوّل من مجرّد لاعب سياسي في رقعة الوطن إلى جزء من مشروع بناء الوطن… الوقائع الحالية لا تدلّ على ذلك رغم بهرج “الفاشات” البلدية الّتي تحصي نهضة الغنّوشي زهوا عدّها على صدور مرشّحيها الفائزين…
الطّبول تدقّ ولن يكون الأمر مجرّد مناورة بالذّخيرة الحيّة…