أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / ملحوظات قانونية حول مشروع القانون الأساسي المتعلّق بالمصالحة في المجال الإداري

ملحوظات قانونية حول مشروع القانون الأساسي المتعلّق بالمصالحة في المجال الإداري

Spread the love

حملة مانيش مسامح

صادق مجلس نوّاب الشّعب الملتئم في دورة اِستثنائية يوم الأربعاء 13 سبتمبر 2017 على مشروع القانون الأساسي المتعلّق بالمصالحة في المجال الإداري الذّي كان قدّمه رئيس الجمهورية عملا بأحكام الفصل 62 من الدّستور تحت عنوان “إجراءات خاصّة بالمصالحة في المجال الاِقتصادي والمالي”.
ويتنزّل ذلك في سياق منظومة العدالة الاِنتقالية الواقع تنظيمها بموجب القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 والمعزّزة بأحكام الفصل 148 فقرة 9 من الدّستور: “تلتزم الدّولة بتطبيق منظومة العدالة الاِنتقالية في جميع مجالاتها والمدّة الزّمنية المحدّدة بالتّشريع المتعلّق بها، ولا يقبل في هذا السّياق الدّفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اِتّصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزّمن”.
وتضمّن المشروع تدابير خاصّة بالموظّفين العموميين وأشباههم ممّن نسبت إليهم أفعال تتعلّق بالفساد الإداري وبالمستفيدين من تلك الأفعال بالإضافة إلى العفو عن مخالفات الصّرف والمخالفات الجبائية المتعلّقة بعدم التّصريح بالمداخيل والأرباح المتعلّقة بالمكاسب بالخارج والعملات الأجنبية.
وقد لاقى معارضة شديدة من قبل عديد الأحزاب السّياسية ونوّاب الشّعب ومنظّمات المجتمع المدني الأمر الّذي دفع إلى سحب الأحكام المتعلّقة بالمصالحة في المجال المالي وبالعفو عن مخالفات الصّرف ليقتصر على المصالحة في المجال الإداري لكن ورغما عن ذلك فقد تواصلت موجة الرّفض والتّهديد بالتّصعيد في الشّارع.
ولعلّ اِقتراب اِفتتاح السّنة الدّراسية ورجوع التّلاميذ والطّلبة إلى المعاهد والجامعات دفع إلى التّعجيل بعرضه على الجلسة العامّة في إطار دورة اِستثنائية ودون الوقوف على رأي المجلس الأعلى للقضاء وهو ما يعتبر ضربا لمبدإ الفصل بين السّلط والرّقابة المتبادلة وخرقا للفصل 114 من الدّستور والفصل 42 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء (قانون أساسي عدد 34 لسنة 2016 مؤرّخ في 28 أفريل 2016).
ويحتوي مشروع القانون على ثمانية فصول. ويهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية من خلال تهيئة مناخ ملائم يشجّع على تحرير روح المبادرة في الإدارة وينهض بالاِقتصاد الوطني ويعزّز الثّقة في مؤسّسات الدّولة (الفصل 1).
وقد أقرّ المشروع “عدم المؤاخذة الجزائية” و”العفو العام” للموظّفين العموميين وأشباههم بالنّسبة للأفعال الّتي قاموا بها والمتّصلة بمخالفة التّراتيب أو الإضرار بالإدارة لتحقيق فائدة لا وجه لها للغير شريطة عدم الحصول على منفعة لا وجه لها لأنفسهم (الفصلين 2 و 3) وذلك خلال الفترة الممتدّة بين 1 جويلية 1955 إلى 14 جانفي 2011 (الفصل 8). كما نصّ على إنشاء هيئة تتألّف من الرّئيس الأوّل لمحكمة التّعقيب وعضوين من أقدم رؤساء الدّوائر بها للبتّ في كلّ خلاف حول تطبيق أحكامه والنّظر في مطالب الطّعن في شهادة العفو. (الفصل 5)
أوّلا: في المصالحة
ورد مشروع القانون تحت عنوان: “المصالحة في المجال الإداري”
والمصالحة كما وقع تعريفها هي “عملية اِجتماعية تنطوي على الاِعتراف المتبادل بمعاناة الماضي وتغيير المواقف والسّلوكيات المدمّرة إلى علاقات بنّاءة نحو سلم مستدام”.
هي على هذا النّحو “هدف وعملية في آن واحد: هي كهدف ترمي إلى تحقيق الأمن بمعنى الوئام والاِحترام والسّلم، وهي كعملية وسيلة للعمل على نحو فعّال لتحقيق الهدف النّهائي وذلك من خلال إظهار الحقيقة وإرساء علاقات متعادلة تضبط من خلالها مسألة الحقوق والتّعويضات في إطار من القبول المتبادل والتّسامح للقضاء على الخوف وبناء الثّقة وخلق روح التّعاطف مع الآخرين”.
وقد اِقتضى الفصل الأوّل من قانون العدالة الاِنتقالية المشار إليه أعلاه أنّ: “العدالة الاِنتقالية على معنى هذا القانون هي مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي اِنتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضّحايا وردّ الاِعتبار لهم بما يحقّق المصالحة الوطنية ويحفظ الذّاكرة الجماعية ويوثّقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الاِنتهاكات والاِنتقال من حالة الاِستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان”.
وبالرّجوع إلى أحكام المشروع يلاحظ أنّها اِقتصرت على تقرير مبدأ عدم المؤاخذة الجزائية والعفو العامّ بالنّسبة للموظّفين العموميين وأشباههم دون تنظيم أيّ شكل من أشكال المساءلة والمحاسبة أو السّعي إلى كشف الحقيقة وإصلاح المؤسّسات الأمر الذّي يثير التّساؤل عن سبب وضع “المصالحة” كعنوان للمشروع.
ويبدو أنّ المشروع قد تعمّد إقرار ذلك دون اِعتماد آليات ووسائل المصالحة وأنّه اِستعار عبارة “المصالحة” لتوشيح النصّ لا غير وذلك في سبيل تحقيق هدف سياسي (وعد اِنتخابي لرئيس الجمهورية).
إنّ تحقيق مصالحة تضمن الوئام والسّلم الاِجتماعية وتعزّز الثّقة في مؤسّسات الدّولة يفترض اِعتماد الآليات والوسائل التّي أقرّها قانون العدالة الاِنتقالية ومنها خاصّة كشف الحقيقة والمساءلة والمحاسبة وجبر الضّرر وردّ الاِعتبار وإصلاح المؤسّسات، فالمصالحة في نهاية الأمر هي تتويج لمسار متكامل ولا يجوز اِعتبارها هدفا في حدّ ذاتها أو وسيلة للإفلات من العقاب.
وقد ورد بالفصل 15 من قانون العدالة الاِنتقالية المشار إليه أنّه: “تهدف المصالحة لتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسّلم الاِجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسّسات الدّولة. ولا تعني المصالحة الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الاِنتهاكات”، وهو ما لم يلتفت إليه مشروع القانون المذكور لنجد أنفسنا أمام مجرّد قانون عفو تشريعي عامّ في تناقض صارخ مع أحكام القانون المتعلّق بالعدالة الاِنتقالية وماسّا بأحكام الدّستور.
ثانيا: في عدم المؤاخذة الجزائية والعفو العامّ
أقرّ الفصلان 2 و3 من مشروع قانون المصالحة كما سبقت الإشارة إليه “عدم المؤاخذة الجزائية” و ” العفو العام”. وتتعلّق قاعدة “عدم المؤاخذة الجزائية” حسب مشروع القانون بالأفعال الّتي لم تصدر بعد في حقّ مرتكبها أحكام بالإدانة سواء لم تقع فيها إثارة تتبّعات أو أنّها لا تزال في طور البحث أو المحاكمة في حين أنّ مبدأ “العفو العام” يتّجه لمحو العقوبات الصّادرة في شأن تلك الأفعال.
– في عدم المؤاخذة الجزائية:
المسؤولية الجزائية تقوم مبدئيا عند اِرتكاب فعل مجرّم. والأصل أن يتحمّل كلّ شخص العواقب المترتّبة عن الفعل الّذي يقوم به إلاّ أنّ المشرّع ضبط بالقسم الأوّل من الباب الرّابع الوارد تحت عنوان “في عدم المؤاخذة بالجرائم” شروطا قانونية تنتفي بها المسؤولية كصغر السنّ وفقدان العقل والإكراه.
وما يهمّنا في إطار هذه الملحوظات هو الصّنف المتعلّق بالإكراه والذّي يبدو أنّه تمّ اِعتماده كأساس لهذا المشروع.
فالمعلوم أنّه يشترط لترتيب المسؤولية الجزائية أن يكون الفعل المجرّم صادرا عن إرادة حرّة وذلك تطبيقا للقاعدة الواردة بالفصل 37 من المجلّة الجزائية: “لا يعاقب أحد إلاّ بفعل اُرتكب قصدا”. أمّا إذا كان الفاعل عديم الإرادة فإنّ مسؤوليّته تنتفي، وقد اِعتبرت محكمة التّعقيب أنّه “من الأركان الجوهرية لقيام المسؤولية الجنائية أن يرتكب الجاني جريمته عن قصد أي عن إرادة حرّة وإدراك تامّ وتمييز” (ت. ج عدد 33235 مؤرّخ في 7 ماي 2003)، أمّا إذا أكره على إتيان ذلك الفعل سواء كان الإكراه مادّيا أو معنويا، فإنّ ذلك ينفي عنه الجريمة لاِنتفاء ركن القصد منها.
وفي نفس السّياق، يعتبر ما يسمّى بـ”إذن القانون أو إذن السّلطة المختصّة” من الشّروط النّافية للمسؤولية حيث نصّ الفصل 42 من المجلّة الجزائية أنّه: “لا عقاب على من اِرتكب فعلا بمقتضى نصّ قانوني أو إذن من السّلطة الّتي لها النّظر”.
وقد سعى المشروع إلى مسايرة ذلك والإيحاء بحصول إكراه معنويّ لمن شملهم مشروع القانون بعد تنامي الخوف لديهم من بطش السّلطة القائمة قبل الثّورة.
ولكن مثل هذا التوجّه يثير التّساؤل عن الجدوى من هذا المشروع إذا كانت قواعد القانون الجزائي المعتمدة (الفصل 42) تفي بالحاجة.
والحقيقة أنّ تلك القواعد تخضع لاِجتهادات قضائية مختلفة ومنها تلك التّي تعتبر أنّ الموظّف شأنه شأن أيّ مواطن ملزم بتطبيق القانون عند أدائه لمهامّه تحقيقا لمبدإ المشروعية.
ومن ثمّ فيجب عليه أن يمتنع عن تنفيذ الأوامر والتّوجيهات الصّادرة إليه من رئيسه إذا كانت غير مشروعة وإلاّ فإنّه يعدّ مرتكبا لخطإ شخصيّ يحمّله المسؤوليّة.
وحرصا منه لتجنّب مثل هذا التوجّه في التّطبيق فإنّ المشروع أقرّ صراحة عدم المؤاخذة الجزائية بمفعول رجعيّ بالنّسبة لأفعال مجرّمة قانونا ولم تتوفّر فيها شروط اِنتفاء المسؤولية الجزائية وهو بهذا المعنى يقرّ مبدأ الإفلات من العقاب ضاربا عرض الحائط بمبادئ الدّستور (تعمل الدّولة على منع الفساد (الفصل 10)) وبأحكام الاِتّفاقيات الدّولية لمكافحة الفساد وبمبدإ شرعية الجرائم والعقوبات.
– في العفو العامّ:
“العفو العامّ هو قانون تتّخذه السّلطة التّشريعية تقرّر بموجبه نزع الطّابع المجرّم على بعض الجرائم ومحو العقوبات الصّادرة في شأنها لأسباب تتّصل بمعالجة وضعيّات اِجتماعية أو اِقتصادية أو سياسية”.
وقد نصّ الفصل 376 من مجلّة الإجراءات الجزائية أنّ: “العفو العامّ يمنح بقانون وتمحى به الجريمة مع العقاب المحكوم به” كما نصّ الفصل 377 من نفس المجلّة أنّ: “ما وقع العفو فيه يعتبر كأن لم يكن. غير أنّه يمكن تعليق منح العفو على إتمام المحكوم عليه لشرط معين. والعفو العامّ لا يضرّ بحقوق الغير لا سيما حقوق القائم بالحقّ الشّخصي ولا ينسحب على المصاريف القضائية ولو الّتي لم تستخلص ولا على مصادرة المكاسب أو الحجز إذا تمّ تنفيذهما ولا على الخطيّة الّتي تمّ اِستخلاصها. ”
وضبط الفصلان 2 و 3 من المشروع ميدان تطبيق التّدابير المذكورة من جهة الأشخاص والأفعال.

الأشخاص المعنيّون بمشروع قانون المصالحة في المجال الإداري
اِقتضى الفصل 2 من مشروع القانون أنّه لا يخضع للمؤاخذة الجزائية الموظّفون العموميون وأشباههم على معنى الفصلين 82 و96 من المجلّة الجزائية.
ويتّجه التّذكير أنّ تعريف الموظّف العمومي وشبهه ورد بالفصل 82 من المجلّة الجزائية: “يعتبر موظّفا عموميا تنطبق عليه أحكام هذا القانون كلّ شخص تعهد إليه صلاحيّات السّلطة العمومية أو يعمل لدى مصلحة من مصالح الدّولة أو جماعة محلّية أو ديوان أو مؤسّسة عمومية أو منشأة عمومية أو غيرها من الذّوات الّتي تساهم في تسيير مرفق عمومي.
ويشبّه بالموظّف العمومي كلّ من له صفة المأمور العمومي ومن اُنتخب لنيابة مصلحة عمومية أو من تعيّنه العدالة للقيام بمأمورية قضائية”.
وأنّه خلافا لما ورد بالفصل 2 من مشروع القانون فإنّ الفصل 96 من نفس المجلّة لم يعرّف الموظّف العمومي وشبهه ولم يوسّع في التّعريف بهما وإنّما أضاف أشخاصا تحمل صفات أخرى (وكلّ مدير أو عضو أو مستخدم بإحدى الجماعات العمومية المحلّية أو الجمعيات ذات المصلحة القومية أو بإحدى المؤسّسات العمومية ذات الصّبغة الصّناعية والتّجارية أو الشّركات الّتي تساهم الدّولة في رأسمالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنصيب ما أو الشّركات التّابعة إلى الجماعات العمومية المحلّية) لسحب أحكامه عليهم ومعاملتهم كما يعامل الموظّف العمومي وشبهه وذلك نظرا للدّور الذّي تلعبه المؤسّسات الّتي ينتمون إليها في الاِقتصاد الوطني.
وهو ما يتأكّد من خلال اِستعمال المشرّع صلب الفصل 96 المشار إليه واو العطف: يعاقب بالسّجن… الموظّف العمومي أو شبهه وكلّ مدير إلخ…” الأمر الذّي يفهم منه التوسّع في قائمة الأشخاص المستهدفين بغاية حماية المال العامّ وليس التوسّع في تعريف الموظّف العمومي في حدّ ذاته، فتكون على هذا النّحو صياغة الفصل 2 من المشروع (الموظّفين العموميين وأشباههم على معنى الفصلين 82 و96 من المجلّة الجزائية) صياغة خاطئة إذ أنّها تعني على حالتها أنّ تعريف الموظّفين العموميين وأشباههم ورد بالفصلين 82 و96 والحال أنّ هذا التّعريف هو مناط الفصل 82 فحسب، لكنّ الفصل 96 وسّع في قائمة الأشخاص المستهدفين للعقاب من الذّين ليست لهم صفة موظّفين عموميين أو أشباههم والذّين يلعبون دورا مهمّا ويؤثّرون بتصرّفاتهم تأثيرا مباشرا في المصلحة الاِقتصادية للدّولة.
هذا وقد حصر الفصل 4 من مشروع القانون المنتفعين بإجراءات عدم المؤاخذة والعفو العامّ في الموظّفين العموميين وأشباههم والأشخاص المذكورين بالفصل 96 دون سواهم. ويعني ذلك أنّ الشّركاء والمستفيدين من تلك الجرائم لا يمكن لهم الاِستفادة من أحكام هذا القانون وهو ما يخالف القاعدة الأصلية الّتي تقرّ أنّ العفو يرفع صفة الجريمة عن أفعال معيّنة بصفة موضوعية فيكون من نتيجته الحتمية أن يستفيد من أحكامه كلّ المتدخّلين سواء كانوا فاعلين أصليّين أو شركاء أو محرّضين.

الأفعال الّتي يشملها مشروع قانون المصالحة في المجال الإداري
لم يشمل مشروع القانون جميع الجرائم الواردة بالفصل 96 من المجلّة الجزائية واِقتصر على جرائم مخالفة التّراتيب أو الإضرار بالإدارة لتحقيق فائدة لا وجه لها للغير الّتي تمّ اِرتكابها في الفترة الممتدّة من 1 جويلية 1955 إلى 14 جانفي 2011.
ويفسّر ذلك بالحرص على تسوية وضعيّة الأشخاص الّذين يعتقد أنّهم تصرّفوا على ذلك النّحو تحت طائلة الإكراه والخوف في ظلّ النّظام السّابق.
لكن يلاحظ أنّ المشروع لم يشر إلى جريمة اِستغلال الصّفة لاِستخلاص فائدة لا وجه لها للغير بالرّغم من كونها تدخل في نفس الإطار.
هذا وقد اِشترط الفصل 2 عدم حصول المعنيّين على منفعة لا وجه لها لأنفسهم.
ويتّجه في هذا الإطار ضبط مفهوم عبارتي “المنفعة” و “لأنفسهم” الواردتين صلب نصّ المشروع.
عبارة “المنفعة” وردت مطلقة وبناء على ذلك يمكن القول إنّها تشمل كلّ أنواع المنفعة مادّية كانت أو معنوية غير أنّ محكمة التّعقيب اِعتبرت أنّ “المنفعة المتحدّث عنها بدلالة العبارات المستعملة بالفصل 98 لا تكون إلاّ منفعة مادّية بحتة وفي خلاف ذلك يستحيل الحكم بالخطيّة وخاصّة ردّ ما وقع الاِستيلاء عليه أو اِختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح وزيادة عن ذلك فقد اِستعمل المشرّع كلمات اِستيلاء، اِختلاس، قيمة، منفعة، ربح، الأموال، مكاسب وهي تدلّ بأكملها على الجانب المادّي دون المعنوي. ذلك أنّ الردّ لا يكون إلاّ عنصرا مادّيا صرفا، وقد واصل الفصل المذكور الحديث في اِتّجاه أنّ المنفعة يجب أن تكون مادّية بقوله: سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى إضافة إلى أنّ الحكم بالخطيّة يستوجب قيمة مالية محدّدة.” (تعقيب جزائي عدد 9161 بتاريخ 12/06/2013)
فالمنفعة على هذا النّحو هي المنفعة المادّية دون سواها.
أمّا عبارة “لأنفسهم” فتفيد مبدئيّا أشخاص الجناة دون أيّ أشخاص آخرين. وعليه فإنّ المنفعة الّتي قد يكون تحصّل عليها الأبناء أو الزّوجة أو الأقارب أو الأصهار لا تخرج الجناة من نطاق العفو.
ولكن مثل هذا التمشّي يخالف روح القانون ولا يستجيب لمبادئ العدالة ولا يمكن إلاّ أن يزيد في تعميق الشّعور بالظّلم إذ لا يجوز اِعتبار من ذكر “غيرا” وإنمّا هم في حقيقة الأمر اِمتداد لشخص الجاني تشملهم عبارة ” لأنفسهم” المذكورة فتكون المنفعة الّتي تحصّل عليها الإبن أو القريب سببا في عدم تمتّع الموظّف المعنيّ بأحكام هذا القانون.
ومن جهة أخرى وخلافا للأحكام العامّة للعفو الواردة بالفصل 377 من المجلّة الجزائية فقد أقرّ الفصل 3 من المشروع شمول العفو مبالغ جبر الضّرر المادّي والمعنوي المسلّطة على الأشخاص المعنيّين به والمحكوم بها لفائدة الدّولة أو الجماعات المحلّية أو المنشآت العمومية. وهو على هذا النّحو يكون مخالفا لأحكام الدّستور الدّاعية إلى مكافحة الفساد (الفصل 10 من الدّستور “تعمل الدّولة على منع الفساد”) ويجعل رئيس الجمهورية صاحب المبادرة مخلاّ بواجب السّهر على اِحترام الدّستور (الفصل 72 من الدّستور).
ثالثا:  في إحداث هيئة قضائية للبتّ في الخلافات حول تطبيق أحكام مشروع القانون:
أحدث مشروع القانون هيئة تتألّف من الرّئيس الأوّل لمحكمة التّعقيب وعضوين من أقدم رؤساء الدّوائر بها للبتّ في الخلافات التّي قد تطرأ حول تطبيق أحكام مشروع القانون وللنّظر في مطالب الطّعن في شهادات العفو.
ويلاحظ أنّ المشروع لم يسند لهذه الهيئة النّظر في مطالب العفو على غرار اللّجنة الواقع اِقتراحها في الصّيغة الأولى لمشروع القانون (الفصل 3: “يمكن لكلّ شخص حصلت له منفعة من أفعال تتعلّق بالفساد المالي أو بالاِعتداء على المال العامّ تقديم مطلب صلح إلى لجنة مصالحة تحدث برئاسة الحكومة …”) أو لجنة التّحكيم والمصالحة صلب هيئة الحقيقة والكرامة طبقا لقانون العدالة الاِنتقالية وإنّما حصر اِختصاصها في البتّ في كلّ خلاف حول تطبيق القانون والنّظر في مطالب الطّعن في شهادة العفو.
يتّضح حينئذ أنّ المشروع قد أسقط (عن وعي أو نتيجة للتسرّع وطغيان فكر المناورة) مسألة إحداث لجنة للبتّ في مطالب الصّلح الواردة في المشروع الأصلي ليصبح التمتّع بعدم المؤاخذة وبالعفو آليا. أمّا الرّجوع إلى الهيئة القضائية المحدثة فلا يكون ممكنا إلاّ في صورة حصول خلاف حول تطبيق أحكامه أو للطّعن في شهادة العفو.
كما يثير إحداث هذه الهيئة مدى التقيّد بأحكام الفصلين 108 و110 من الدّستور إذ اِقتضت أحكام الفصل 5 من مشروع القانون أنّ قرارات الهيئة لا تقبل الطّعن بأيّ وجه من الوجوه في حين أنّ الفصل 108 من الدّستور يقضي أنّ القانون يضمن التّقاضي على درجتين علما وأنّ الهيئة تنظر في منازعات أصلية وليست محكمة قانون. كما تثار كذلك قاعدة منع إحداث المحاكم الاِستثنائية والمساس بمبادئ المحاكمة العادلة (الفصل 110: تحدث أصناف المحاكم بقانون. ويمنع إحداث محاكم اِستثنائية أو سنّ إجراءات اِستثنائية من شأنها المساس بمبادئ المحاكمة العادلة).
ويخلص ممّا سبق أنّ مشروع القانون المتعلّق بالمصالحة في المجال الإداري ورد مشوّها مخالفا لأصول ومناهج علم التّشريع وذلك نتيجة التّمادي في المناورات السّياسية داخل لجنة التّشريع العامّ و”سوء نيّة” عديد “المشرّعين” في علاقة ببعضهم البعض وفي علاقة بالشّعب والثّورة. كما ورد مخالفا للمبادئ الدّستورية العليا وقواعد القانون مكرّسا لمنظومة الفساد والإفلات من العقاب. والأمل كلّ الأمل في أن تكون الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين بمثابة الحصن الأخير للدّفاع عن الدّستور والاِنتصار لدولة القانون والعدل.  (الأستاذ مراد إسكندر)