أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / ملاحظات أوّلية حول تقرير الحرّيات الفردية والمساواة..

ملاحظات أوّلية حول تقرير الحرّيات الفردية والمساواة..

Spread the love

1- بدايةً، هي لجنة اِستشارية وليست تشريعية.. بالتّالي، هي تقترح وليس لها صفة إلزامية.. ولا تنازع البرلمان في سلطته

الأستاذ محمد بن جماعة

التّشريعية.

2- تخصيص عمل اللّجنة بموضوع الحرّيات الفردية يفرض بالأساس الحديث عن حقوق الأقلّيات الثّقافية والاِجتماعية والدّينية، وليس التّذكير بحقوق الأكثرية..
وتخصيصه بموضوع المساواة يقتضي بالضّرورة الحديث عن حقوق الشّرائح الّتي ترى أنّ هناك نقصا في المساواة..
بالتّالي، لا أرى أيّ عيب في تركيبة اللّجنة ومخرجاتها من النّاحية النّظرية البحتة.
هي خيار حرّ يدخل ضمن صلاحيات رئاسة الجمهورية، الّتي لها أن تختار أعضاء اللّجنة لدعم رأيها.. ولا ينتظر من رئيس الجمهورية أن يعيّن أعضاء يعرف جيّدا أنّهم لا ينخرطون في رؤيته لاِستشارتهم.. أقول هذا بقطع النّظر عن أيّ خلاف سياسي مع الرّئاسة..

3- اللّجنة لم تعمل من فراغ، وإنّما اِنطلقت من اِستشارة وطنية مفتوحة، مع هياكل الدّولة، الّتي تعمل على برامج تمسّ الحرّيات الفردية والمساواة (وزارة العدل، الدّاخلية، الدّفاع، المرأة والأسرة) والهيئات الدّستورية ومنظّمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وتكنولوجيا المعلومات والصحّة والتّربية والشّؤون الدّينية والشّؤون الاِجتماعية..
وعقدت اللّجنة ورشات فكرية مع أساتذة من جامعة الزّيتونة.. وجلسات اِستماع لهيئة حقوق الإنسان، وهيئة الوقاية من التّعذيب، وهيئة حماية البيانات الشّخصية، وهيئة النّفاذ للمعلومة وهيئة مكافحة الاِتّجار بالأشخاص، والاِتّحاد الوطني للمرأة، ونساء ديموقراطيات، ورابطة حقوق الإنسان ومركز الكواكبي، واِتّحاد الشّغل واِتّحاد الصّناعة والتّجارة واِتّحاد الفلاّحين، وممثّلي أحزاب سياسية وكتل برلمانية..
واللّجنة فتحت على موقعها الرّسمي المجال للرّاغبين في تسجيل أنفسهم لجلسات اِستماع وتقديم تقارير وتصوّرات كتابية.
ومع ذلك، يبدو أنّ التّواصل التّلقائي معها كان محدودا جدّا.. ولم يظهر النّاقدون إلاّ بعد نشر التّقرير.. وهذه مشكلة حقيقية، لأنّها تعتبر مدخلا كاذبا ومنافقا للتّشكيك في عمل اللّجنة..

بعد كلّ هذا، هل يمكن الحديث عن اِنفراد بالرّأي؟ أم نحتاج للاِعتراف بتقصير النّاقدين في طلب المشاركة، ونتّهمهم بالرّكوب على الأحداث والظّهور بمظهر التصدّي لعمل اللّجنة؟

شخصيّا، مررت بتجربة شبيهة بهذه في جاليتنا المسلمة بجاتنيو، حين ترأست لجنة لمراجعة القانون الأساسي وصياغة سياسات حوكمة المركز الإسلامي.. وعقدت عدّة لقاءات لم يكن يحرضها سوى القليلون.. رغم الدّعوات الشّخصية والمتكرّرة لكلّ أعضاء الجالية.. ووضعنا اِستمارة إلكترونية للمشاركة بالإجابة عن أسئلة محدّدة، ولم نتلقّ سوى ردود قليلة جدّا..
وفي اليوم الّذي نشرنا فيه مشروع التّقرير، قامت قيامة 5 أشخاص معروفين بالجدل وإثارة الظّنون حول شخصي وحول إدارة المركز، واِتّهموني بمحاولة فرض الرّأي والسّعي لتوجيه المركز في مسار خطير يهدّد تديّن الجالية، إلخ.. ممّا اِضطرّني في الأخير لتأجيل التّصويت على التّقرير والاِستقالة تفاديا للضّغط النّفسي النّاتج عن سوء أخلاق بعض المتديّنين من “أهل الأذى”.. رغم الحرفية العالية الّتي صغت بها جميع سياسات الحوكمة المقترحة، والّتي تمّ عرضها على مكتب خبراء في الحوكمة وشهدوا بالحرفية العالية الّتي ظهرت في العمل.. ولم يقوموا بأيّ تحويرات تذكر على محتواه..

4- اللّجنة ذكرت أيضا أنّها اِنفتحت على متخصّصين من أهل الاِجتماع والدّين والقانون.. ويفترض أن تنشر على موقعها الرّسمي قائمة بأسمائهم وأسماء كلّ المشاركين في الاِستشارة.. وهذا غائب عن موقعها.. ويفترض أن يساعد في حسم الموضوع..

5- أعتقد أنّ المنطلقات الّتي اِستبطنتها اللّجنة سليمة وجيّدة.. ومتعلّقة بمستويات أربعة:

– وجود تمييز ضدّ المرأة (في الشّغل والأسرة ومؤسّسة الزّواج…)، ووجود عنف ضدّ المرأة في الواقع التّونسي..
– وجود أقلّيات دينية وثقافية واِجتماعية، تعاني هي أيضا من التّمييز والتّحقير والتّضييق المجتمعي ليس بسلطة القانون وإنّما بسلطة الدّين والعادات والتّقاليد..
– وجود تجاوزات واِعتداءات على حقوق الأفراد من قبل المؤسّسة السّياسية والأمنية..
– وجود خلل في المنظومة التّشريعية والقانونية يؤدّي للعجز عن منع التّمييز والعنف ضدّ المرأة، وللعجز عن حماية الأقلّيات والأفراد، و عن حماية المواطن من طغيان السّلطة السّياسية والأمنية..

يجب أوّلا أن نتّفق على هذه المنطلقات، ونتحدّث عن أشكال التّمييز الحاصلة قبل كلّ شيء، من خلال أمثلة حالات وإحصائيات وأرقام، تؤكّد قطعيا أنّنا بصدد ظاهرة اِجتماعية وليس مجرّد حالات اِستثنائية أو شاذّة..

وأعتقد أنّ التّقرير يفتقد للإسهاب والتّفصيل في هذه المنطلقات من واقعنا الاِجتماعي رغم أنّه اِستبطنها بالكامل..

بدل ذلك، اِختار التّقرير الاِنطلاق من تعريف الحرّيات الفردية في إطار منظومة القانون الدّولي.. وهذا رغم أهمّيته، لا يساعد على طمأنة المرتابين في خلفيات اللّجنة..

6- كالعادة، يبدو أنّ كلّ النّاقدين للتّقرير اِختزلوا توصيّاته في ثلاث أو أربع نقاط: الميراث، وزواج التّونسية بأجنبي، والتّجنيس، المثليّة الجنسية.. وذلك بهدف إظهاره بمظهر “المسّ بعقيدة التّونسيين” وخدمة أجندات تآمرية على هويّة الأمّة، إلخ من العبارات التضخيمية الرنّانة..

نعم، ربّما نختلف في بعض التّفاصيل في هذه القضايا.. وربّما يرى البعض أنّ هذه القضايا ليست مستعجلة.. وربّما يراها آخرون بمنظور اِعتقادهم الدّيني، إلخ.. ولكنّ الجدل المجتمعي بوجود أقلّيات وتنوّع ثقافي وديني، لا يُحلّ بفرض الأغلبية لرأيها، وإنّما بمحاولة تفهّم حقوق الأقلّيات دفعا للاِحتقان الاِجتماعي والشّعور بالاِضطهاد والتّمييز، إلخ..

خلاصة هذه المقدّمة:
أيّا كان موقفنا الشّخصي من أعضاء اللّجنة، لا يمكن اِتّهام منهجية عمل اللّجنة.. فهي تبدو حرفية.. وإن وجد تقصير في المقاربة التّشاركية، فتتحمّل جزءا من مسؤوليّته الأطرافُ الّتي اِنبرت الآن لنقده، ولم تتقدّم سابقا بطلب المشاركة في الحوارات الدّاخلية للّجنة.

ولكن ينقص عمل اللّجنة بعض الأمور الّتي أراها ضرورية:
– نشر قائمة المشاركين في الاِستشارة الوطنية.
– نشر قائمة بمن تقدّم بطلب المشاركة في الاِستشارة ولم يتمّ الاِستماع إليهم.
– نشر خلاصات لرأي من تمّت اِستشارتهم.. سواء اِتّفقوا مع خلاصات اللّجنة أو خالفوها..
– يفترض أن تكون اللّجنة قد طلبت ورقات تصوّر (تقدير موقف) من الجهات الّتي يُعرف سلفا حساسيّتها من بعض المواضيع، مثل جمعيّة الأئمّة، وأساتذة الزّيتونة وجمعية نور الدّين الخادمي، إلخ.. بدل تركها تخرج بعد اِنتهاء عمل اللّجنة وصدور تقريرها..

أكتفي مبدئيا بهذه المقدّمة.. وسأعود لاحقا بالتّفصيل لخلاصات التّقرير..