أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / معركة الحقيقة والكرامة في تونس

معركة الحقيقة والكرامة في تونس

Spread the love

الأستاذ نور الدين العلوي

غبار المعركة لم ينجل ولن ينجلي فالأمر جلل لأنّه يتعلّق بتأسيس بلد وليس اِستمرار وجوده القاصر. ولم ير عمق المعركة فقد أخطأ التّقدير. لقد كان خيار العدالة الاِنتقالية خيارا ديمقراطيا سلميّا قاطعا لطريق العنف الثّوري الّذي تميّزت به ثورات سابقة. اِختيار التسيّس الدّستوري يستتبع خيار العدالة الاِنتقالية ويجسّده واقعا. لكن لمّا وصلت الهيئة إلى كشف الحقيقة وترميم كرامة المضطهدين اِنفجر الوضع وتعرّت النّوايا والمواقف وعرف كلّ أناس مذهبهم. تونس منقسمة بعد بين ضحايا وجلاّدين والسّلم الأهلي غلاف مؤقّت. والمستقبل مهدّد بالاِنفجار الثّوري بما يعنيه من فوضى أو مهدّد بقتل أمل الثّورة والعدالة والكرامة.

الهيئة الآن في وضع قانوني

إثارة المعركة ظاهره قانوني لكنّ باطنه كشف مواقع سياسيّة وتخطيطا عميقا أنضج بأناة لوأد مسار العدالة الاِنتقالية. قانون الهيئة يسمح لها بالتّمديد في عملها لمدّة سنة واحدة ويلزمها فقط بتقرير يرفع للبرلمان لتبرير ذلك وقد فعلت، لكنّ نوّاب المنظومة حرّفوا النّقاش القانوني وفتحوا جبهة على الهيئة وعلى أنصارها السّياسيين ففرضوا تصويتا على حقّ التّمديد واِنتهى بهم الأمر إلى رفضه لكنّهم كانوا في أقلّية عددية بما يجعل تصويتهم غير ذي أثر قانوني على الهيئة الّتي أعلنت رئيستها مواصلة العمل طبقا للقانون المنظّم لعملها وطبقا للدّستور المؤسّس لها.
معركة شقّ برلمان المنظومة مع الهيئة معركة كسر عظم ويترتّب عليها فصول أخرى من الصّراع ننتظر اِنطلاقها في الأيّام القريبة القادمة ولا نستعبد أن توظّف القوّة العامّة لإغلاق مقرّ الهيئة والاِستيلاء على ملفّاتها رغم أنّ التّخريج القانوني يجري الآن في الكواليس ليتمّ قطع رأس رئيستها واِستبداله بشخصيّة موالية للمنظومة تكون مهمّته بالأساس منع صدور تقرير الهيئة الختامي (خاصّة أنّ الهيئة لم تطلب زيادة في موازنتها بما يستبعد حجج التقشّف الّتي تستعملها المنظومة غالبا للطّعن في مصداقيّة رئيس الهيئة الّتي لم يثبت اِتهماها بالفساد المالي).
لقد بدأت مجموعة الوطد اليسارية التّرويج لذلك واِقتراح الأسماء. مجموعة الوطد في جوهرها مخبرو بوليس صنعهم النّظام منذ السّبعينات لكسر اليسار الرّاديكالي ثمّ وظّفهم لاحقا لمحاربة كلّ طيف الإسلام السّياسي وتدميره لصالح المنظومة وقد قاموا بهذا الدّور أحسن قيام زمن بن علي.
معركة الهيئة مع شقّ برلمان المنظومة كشف أمرا مهمّا هو الأسلوب الأمثل لمحاربة المنظومة حربا قانونية. لقد تبيّن أنّ هناك أسلوبان أسلوب التّوافق الّذي سارت فيها النّهضة واِنتهى بها في وضع القراد الملتصق بجسد النّظام ويكتفي بالقليل من دمه فلا يمنعه من السّير، وأسلوب سهام بن سدرين (وقبلها أسلوب الرّئيس المرزوقي) الّذي يدفع المنظومة إلى الاِرتباك وفرض محاور النّقاش عليها لهزّها من الدّاخل والطّعن في مشروعيّة وجودها.

أسلوب السيّدة بن سدين

اِختارت السيّدة سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة أسلوب مصادمة المنظومة القديمة بنشرها وثائق تطعن في الاِستقلال وفي الشّرف السّياسي للرّئيس بورقيبة وذلك قبل أيّام قليلة من الإعلام بالتّمديد لعمل الهيئة بعام آخر كما ينصّ القانون المنظّم لعملها. وقد دلّ عملها على أسلوب في العمل السّياسي يفضّل مهاجمة المنظومة عوض مهادنتها. لقد أحرج أسلوبها في العمل أنصار الهيئة (التّوافقيون) وأدخل الاِضطراب بل الرّعب في صفوف المنظومة الّتي تعيش من زعامة الزّعيم بصفتها برنامجا أزليّا لتونس. هل كانت على حقّ؟ نعم لقد اِختارت الطّريق الأصوب وإن كان الطّريق الأعسر لأنّه طريق الثّورة لا طريق إنقاذ المنظومة.
لقد ساد في تونس نوع من الخطاب المهادن الّذي يرغب في تغيير المنظومة بأخفّ الأضرار السّياسية والأمنية، وتبيّن بعد سنوات التّوافق أنّ كلّ مهادنة لهذه المنظومة يجعلها تتسلّل من مسمّيات مثل التّوافق والوحدة الوطنية والحفاظ على المصلحة العليا للبلاد وتفرض شروط اللّعب على بقيّة مكوّنات المشهد السّياسي. لقد اِنتهى الخطاب المهادن كجزء من المنظومة إذ اِستوعبته وميّعت مواقفه وأفقدته كلّ قدرة على المناورة ضدّها من خارجها.
أمام منظومة لا تخجل من التّلاعب بالقانون والعبث بالمؤسّسات اِختارت رئيسة الهيئة البدء بالهجوم مستقوية بنصّ القانون وبصحّة ما بين يديها من ملفّات تدين مكوّنات كثيرة من المنظومة وتطعن خاصّة في شرفها السّياسي وتاريخها. وهو في تقديري الأسلوب الأمثل الّذي كشف عورات جميع مكوّنات المشهد الّذي ينافق الثّورة والعدالة الاِنتقالية بصفتها مؤسّسة من مؤسّساتها.
ضمن منطق التّوافق والأخوانيات والوحدة الوطنية الكاذبة ما كانت المنظومة لتقبل بأيّ إجراء محاسبة أمام القضاء أو حتّى مجرّد اِعتذار المدانين للضّحايا، وكانت ستجد في أسلوب المهادنة فرصة أكبر للتسلّل من شقوق التّوافقات لترفض نتائج التّقرير النّهائي المزمع إصداره في ختام أشغال الهيئة، لذلك جاء أسلوب بن سدرين فاضحا ومعرّيا للجميع وجاء ثمنه أزمة دستورية ولكن أيضا فضيحة سياسية لكلّ من خسر من الثّورة أو حاول أن يكتسب منها دون دفع ثمن لمصادمتها. لقد عرفنا قيمة الأسلوبين ونتائجهما على المنظومة وعلى الشّارع، وتبيّن أيّ الأسلوبين موجع ومثمر على تحقيق أهداف الثّورة بما يؤهّل البلد لمرحلة ثورة أخرى هدفها تهديم المنظومة وقوامها نضال شجاع لا يخرج عن السّلمية حتّى يفوّت على المنظومة وضع الضحيّة المتباكية على سلامة الوطن.

روح 18 أكتوبر تخيّم على المشهد

هذا الكلام (الفقرة) فيه من التمنّي أكثر ممّا فيه من التّحليل ورغم ذلك سندفع به إلى المشهد كما لو أنّه اِحتمال ممكن. 18 أكتوبر 2005 اِلتقت كلّ أطياف معارضة بن علي وأربكت نضامنه بتحرّك متماسك ضمّ كلّ الأطياف السّياسية وظلّ ذلك بمثابة حلم جميل لم يكتمل تفتّت بعض الثّورة لكنّه ظلّ اِحتمالا ممكنا أو أمنية نعود إليه لنقول لمكوّنتها حينها إنّ ما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم بعد.
في نقاش مناورة المنظومة ضدّ الهيئة تجمع أطياف معارضة بن علي (النّهضة واليسار والقوميّين والدّيمقراطيين) وصدروا عن موقف واحد الهيئة خطّ أحمر. (أفشلوا الاِنقلاب عليها وأفرغوه من كلّ شرعية قانونية ووضعوا مكوّنات المنظومة في وضع غير دستوري وغير قانوني بل اِنقلابي تخريبي وقال قائل الشّارع الآمل خيرا، هذه هي الطّريق فهلاّ سرتم فيها خطوات حتّى يتمّ تفكيك المنظومة باِجتماعكم على الأساسي وتأجيلكم للثّانوي من التّناقضات المفتعلة؟
اِحتمال 18 أكتوبر لم يختف من الأماني ومن الفعل غير أنّه يقتضي إرادة سياسية هذه مرحلتها أو لا تواتي بعد الآن أبدا والمعوّل على الزّمن القريب أن ينتج التّناقض مع المنظومة حول الهيئة اِتّفاقا مع مكوّنات الشّارع الثّوري حول اِنتخابات 2019 وما يليها لبناء بلد تنجح فيه العدالة الاِنتقالية وتتحقّق فيها أهداف الثّورة.
حتّى الآن تدفعنا الرّؤية الواقعية إلى تخفيض سقف الآمال ولكنّ صعقة الثّورة تدفعنا إلى رفع سقف الأحلام. ها نحن نرفعها آملين فقد اِنتصرت سهام بمفردها على المنظومة ويمكن تحويل اِنتصارها إلى اِستقلال حقيقي.