أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / مصر/ متعوّدة… دايمًا

مصر/ متعوّدة… دايمًا

Spread the love

حسن البنا

يقول والد حسن البنّا عن دفن اِبنه:
« أبلغت نبأ موته في السّاعة الواحدة، وقيل: إنّهم لن يسلّموا لي جثّته إلاّ إذا وعدتهم بأن تدفن في السّاعة التّاسعة صباحا بدون أيّ اِحتفال، وإلاّ فإنّهم سيضطرّون إلى حمل الجثّة من مستشفى قصر العيني إلى القبر، واضُطررت إزاء هذه الأوامر إلى أن أعدهم بتنفيذ كلّ ما تطلبه الحكومة، رغبة منّي أن تصل جثّة ولدي إلى بيته، فألقي عليه نظرة أخيرة، وقبيل الفجر حملوا الجثّة إلى البيت متسلّلين، فلم يشهدها أحد من الجيران ولم يعلم بوصولها سواي.
وظلّ حصار البوليس مضروبا حول البيت وحده، بل حول الجثّة نفسها، لا يسمحون لإنسان بالاِقتراب منها مهما كانت صلته بالفقيد.
وقمت بنفسي بإعداد جثّة ولدي للدّفن، فإنّ أحدا من الرّجال المختصّين بهذا لم يسمح له بالدّخول، ثمّ أنزلت الجثّة حيث وضعت في النّعش، وبقيت مشكلة من يحملها إلى مقرّها الأخير.
وطلبت إلى رجال البوليس أن يحضروا رجالا يحملوا النّعش فرفضوا، فقلت لهم: ليس في البيت رجال، فأجابوا: فليحمله النّساء! وخرج نعش الفقيد محمولا على أكتاف النّساء.
ومشت الجنازة الفريدة في الطّريق، فإذا بالشّارع كلّه رصّف برجال البوليس، وإذا بعيون النّاس من النّوافذ والأبواب تصرخ ببريق الحزن والألم والسّخط على الظّلم الّذي اِحتلّ جانبي الطّريق!
وعندما وصلنا إلى جامع «قيسون» للصّلاة على جثمان الفقيد، كان المسجد خاليا حتّى من الخدم ، وفهمت بعد ذلك أنّ رجال البوليس قدموا إلى بيت الله وأمروا من فيه بالاِنصراف ريثما تتمّ الصّلاة على جثمان ولدي.
ووقفت أمام النّعش أصلّي فاِنهمرت دموعي، ولم تكن دموعا؛ بل كانت اِبتهالات إلى السّماء أن يدرك الله النّاس برحمته.
ومضى النّعش إلى مدافن الإمام، فوارينا التّراب هذا الأمل الغالي، وعندما عدنا إلى البيت الباكي الحزين، ومضى النّهار وجاء اللّيل لم يحضر أحد من المعزّين؛ لأنّ الجنود منعوا النّاس من الدّخول، أمّا الّذين اِستطاعوا الوصول إلينا للعزاء، فلم يستطيعوا العودة إلى بيوتهم، فقد قبض عليهم إلاّ شخصا واحدا هو مكرم عبيد باشا.»