أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / متى تنتهي مأساة ومعاناة ضحايا الاِستبداد في تونس؟

متى تنتهي مأساة ومعاناة ضحايا الاِستبداد في تونس؟

Spread the love

 

أرشيفية

أرشيفية

المدوّن محمد الهميلي

المدوّن محمد الهميلي

شهداء، جرحى، ومناضلون سجناء، طيف واسع من الشّعب التّونسي يحتاج إلى عمليّة ترميم كبيرة نظرا للحالة الاِجتماعية والصحيّة المزرية الّتي عاشوها ويعيشونها  إلى الآن، جراح يستمرّ نزيفها، حرمان، إقصاء، تهميش… والأدهى من ذلك كلّه أنّهم قد اِبتلوا بمحنة  قديمة جديدة تتمثّل في سيل جارف من التّشويه والتّرذيل والتّقزيم والتشفّي والكراهية والإقصاء الممنهج، فلا القضاء أنصفهم ولا العدالة الاِنتقالية ضمّدت جراحهم أو أعطتهم شيئا من الأمل أو التّفاؤل… ولا الرّأي العام أدرك حقيقة مظلوميتهم من فرط القصف الإعلامي الغاشم والكاذب من بعض الجهات الإعلامية المؤدلجة والحاقدة على كلّ ضحايا منظومة الاِستبداد.

حرب معلنة ضدّ كلّ ما هو حقوق للضّحايا ورفض ممنهج لإدماجهم بالمجتمع كمواطنين وعدم الاِعتراف بحقوقهم الّتي أقرّتها كلّ الأعراف والقوانين الدّولية والمحلّية، مؤامرة تحاك ضدّ كلّ تطلّعات الضّحايا في غد أسلم وأجمل ووطن يحتضن الجميع  في كنف المساواة في الحقوق والواجبات.

كانت هيئة الحقيقة والكرامة قبلة وملجأ كلّ الضّحايا وعائلاتهم لإيمانهم الكبير بأنّ قانون العدالة الاِنتقالية قد يكون البلسم الشّافي لكلّ جراحهم، والجهة الوحيدة القادرة على الاِستجابة لكلّ اِنتظاراتهم وتحقيق أحلامهم بكشف حقيقة مأساتهم ومعاناتهم وجبر ضررهم مادّيا ومعنويا ليتمكّنوا من العيش الكريم كغيرهم في ظلّ المساواة والاِستقرار والشّعور بالإنسانيّة والمواطنة الكاملة مع محاسبة كلّ من اِقترف ضدّهم تلك  الاِنتهاكات المشينة والجسيمة…

 إنّ الوضع السّياسي بالبلاد في ظلّ تنامي عودة تموقع النّظام القديم في أشكال جديدة مع تحالفات سياسية هجينة ضدّ طبيعة العمل السّياسي قد حكم على مسار العدالة الاِنتقالية بالضّبابية والإخفاق في تقديم جرعات من الأمل للضّحايا نظرا لمحاولات إفشال الهيئة والتّقليص من صلوحيّاتها ومهامّها كما تمّ في موضوع قانون المصالحة الوطنية. هذا الوضع قد ألقى بظلاله على الضّحايا ليعيشوا الجولة الثّانية من الاِنتهاكات في ظلّ حكومات ما بعد الثّورة الّتي لم تستطع أن تؤمّن لهم شيئا من حقوقهم أو كرامتهم ووضع ملفّهم على سلّم الأولويات الحكومية بعد الثّورة.

كذلك إنّ الاِختلاف الحاصل بين الضّحايا والقائمين على الهيئة مردّه الرّكود والبطء في الأشغال وعدم ملامسة إجراءات واقعيّة وبنّاءة كإنصاف الضّحايا والتّعجيل بترميم حياتهم والحدّ من تعميق جراحهم… إنّ معاناة الضّحايا إلى يوم النّاس هذا تستمرّ عبر اللاّمبالاة المقيتة من الدّولة والهيئة وكلّ الجهات ذات الصّلة والعلاقة بمأساتهم الّتي تستوجب التدخّل العاجل.

إنّ الوضع السّياسي الهشّ وغير القادر على تفعيل الدّستور التّونسي والمعاهدات الدّولية والقوانين الخاصّة بحقوق الإنسان والعدالة الاِنتقالية  هو من  ساهم في تعطيل مسار العدالة الاِنتقالية وتشويه رسالتها وأهدافها وتيئيس المناضلين والضّحايا منها خاصّة بعد أن فشلت هيئة الحقيقة والكرامة في البروز بمظهر الجدّية والقدرة على المسك بزمام أمرها  في فرض مهمّتها الدّستورية في ظلّ اِنطلاقة غير موفّقة رافقتها بعض الاِنسلاخات والإعفاءات لبعض أعضاءها وأعوانها  ممّا تسبّب في عدم  اِمتصاص بعض مشاكلها الدّاخلية لتجد نفسها أمام غضب داخلي يعبّر عنه بعض أعضائها وأعوانها بعدم اِستيعابهم  ورضاهم عن طريقة تسيير رئاستها لهذه الهيئة، وغضب خارجي من الضّحايا الّذين أعياهم الاِنتظار في ظلّ ظروفهم الاِجتماعية والصحّية القاسية والنّفسية المتردّية والّتي بلغت درجة فقدان الصّبر على تحمّل مزيد من المعاناة والوقت واِنتظار مخرجات أشغال الهيئة غير المقنعة للضّحايا.

إنّ أهمّ سبب في تأخير معالجة ملفّ الضّحايا في تونس هو عدم وجود إرادة سياسية من أغلب المشهد السّياسي وعلى رأسهم الحكومات المتعاقبة، حيث طغت الحسابات السّياسية والمزايدات ممّا جعل من الملفّ الحقوقي للضّحايا موضوعا ثانويّا محكوما عليه بالتّأجيل والتّرحيل إلى آجال لا يعلمها إلاّ أصحاب المصلحة في تعطيله أمام تزايد يوميّ لتساقط موتى جدد من الضّحايا حيث لا بواكي لهم إلاّ من عايش محنتهم  القاسية.