أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / متابعات/ ندوة دوليّة بتونس حول موضوع “السّيادة الاِقتصادية والنّقدية في إفريقيا القرن الحادي والعشرون، دروس الماضي والمستقبل”

متابعات/ ندوة دوليّة بتونس حول موضوع “السّيادة الاِقتصادية والنّقدية في إفريقيا القرن الحادي والعشرون، دروس الماضي والمستقبل”

Spread the love
الأستاذ رضا البقلوطي

نظّمت مؤسسة روزا لوكسمبورغ بالتعاون مع المعهد العالمي للرخاء المستدام وشبكة “سياسة النقد” ندوة  دولية حول موضوع  “البحث عن السيادة الاقتصادية والنقدية في أفريقيا القرن الواحد والعشرين دروس الماضي والمستقبل” من 6 إلى 9 نوفمبر الجاري  بمدينة الثقافة بتونس. وهي أول ندوة من نوعها تنظم في إفريقيا تعنى بموضوع السيادة الاقتصادية والنقدية.
وقد شارك في الندوة باحثون اِقتصاديون وخبراء ومناضلون وصحفيون من أوروبا وأمريكيا والهند ومختلف الدول الأفريقية مثل برابهات باتنايك، يان كريجيل، فاضل قابوب، هاينر فلاسبيك، تشيبوكي أوتشي، دانييلا غابور، جيروم روز، سيدريك مبنغ ميزوي، ندنقو سامبا سيلا وكاي كودنبروك وحوالي ثلاثين متحدثا طرحوا خلالها إشكالية السيادة النقدية والاِقتصادية  التي تواجهها بلداننا الأفريقية والرؤى المستقبلية التي يجب اِتباعها لتحقيق الرفاه والعدالة الاِجتماعية والشغل والعيش الكريم للشّعوب.

الاِستقلال النّقدي والسّيادة المالية في إفريقيا
الهدف من هذه هو فتح النقاش حول العملة، والاعتماد على الديون، والتبعية الأفريقية والعلاقات النقدية العالمية. والتساؤل عن الأشكال المحتملة للاستقلال الاقتصادي والسيادة النقديية في إفريقيا. ودراسة السبل المتاحة للسياسات النقدية للبلدان الأفريقية ذات درجات متفاوتة من السيادة النقدية. أخيرا، كذلك التساؤل عن الأشكال البديلة لتنظيم النظم الاقتصادية والنقدية التي تسمح بالتحول الاجتماعي- البيئي للقارة والتي يمكن أن تساعد في تطوير حياة كريمة للشعوب في السياق الأفريقي.

لا يمكن الحديث عن سيادة مالية قبل تحقيق السّيادة الغذائية
من جهته أكد رئيس المعهد العالمي للرخاء المستدام، فاضل قابوب، الأستاذ  بجامعة دانسون  في ولاية أوهايو الأمريكية خلال الندوة، أنّه لا يمكن الحديث عن سيادة نقدية قبل تحقيق السيادة الغذائية والاكتفاء الذاتي للشعوب على مستوى الأدوية والمواد الطبية وتكوين كفاءات قادرة على تحقيق قيمة مضافة عالية في كل المجالات بما فيها الصناعة والخدمات.
وأشار قابوب، أنّ معالجة الإشكاليات الاقتصادية في تونس (التّضخم وانهيار قيمة الدينار في سوق الصرف) غير ممكن خارج استراتيجية شاملة تستهدف على المدى البعيد، تحقيق السيادة الغذائية وتوفير الطاقات المتجددة والتركيز على التصنيع ذي القيمة المضافة. مضيفا، أنّ الحلول المؤقتة لا يمكن أن تنفع على المدى الطويل وهو ما يستدعي تغييرا جذريا وهيكليا لمعالجة التضخم، موضحا أن كل الحلول التي لا تحقق السيادة النقدية تبقى حلولا ترقيعية. وأضاف أنّ الحلول الحقيقية يجب أن تركّز على تحقيق السيادة الغذائية وتوفير الطاقات المتجددة والصناعات التي توفر قيمة مضافة عالية من خلال دعم التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني في مجال التقنيات الصناعية المتقدمة.

سياسات تمنح الاِمتيازات والدّعم للمستثمر
وأضاف المتدخل أنّ تونس تعتمد، دائما سياسات تمنح الاِمتيازات والدّعم للمستثمر وتشجعه على التصدير، دون الانتباه إلى أنّ التركيز يتم على مجالات تصديريّة ذات قيمة مضافة ضعيفة جدّا.
كما بيّن أنّ السّياسة المعتمدة في تونس في المجال السياحي لا يمكن أن توفر العملة الصعبة بما أنه مجال يضاعف الخسائر من جراء الإرادات اللازمة من الحبوب و المحروقات الإضافية اللازمة لخدمة السائحين الأجانب. كما أضاف فاضل قابوب أنّه لا بدّ من رؤية جديدة لقطاع السياحة حتى يصبح رافدا للعملة الصعبة وتحقيق قيمة مضافة عالية.

تحقيق السّيادة الاِقتصادية والمالية في البلدان الإفريقية
وقد طرح المشاركون للنقاش مواضيع تتعلق بالعملة ومفهوم الاستقلال النقدي واشكاليات التبعية الافريقية للديون والعلاقات النقدية العالمية والبدائل الممكنة للتحرر والاستقلال وتحقيق السيادة الاقتصادية والنقدية في البلدان الافريقية.إضافة إلى محاور عديدة جاءت في النقاشات العامة نتوقف عند بعضها بالعرض والتحليل خاصة تلك المتعلقة بقطاعات حيوية من ذلك  الخيارات الاقتصادية والفلاحية.  

عواقب الخيارات الاِقتصادية للدّولة
 ترتبط الفلاحة بتونس ارتباطاً وثيقاً بمسألتين حيويتين: الأمن الغذائي والسيادة الوطنية. مما يعني أن مزيداً من تراجع هذا القطاع يمكن أن يؤدي إلى الجوع و/ أو التبعية الكاملة للخارج.
ففي السنوات التي تلت الاستقلال (1956) وجدت الدولة التونسية نفسها أمام وضع اقتصادي صعب يتطلب الانطلاق من الصفر تقريباً. الفلاحة كانت حينها القطاع الأول من حيث التشغيل والإيرادات.. فلاحة تقليدية عائلية تتوجه منتجاتها إلى السوق المحلي أساساً. بداية من عقد الستينات الفائت حاولت الدولة النهوض بالاقتصاد عبر تطوير الفلاحة وخلق نواة صناعة وطنية ثقيلة. ولكي توفر الموارد المالية اللازمة اتبعت سياسة التعاضديات (تعاونيات شبه “اشتراكية”)، لكن مع انفتاح كبير على المعسكر الغربي الرأسمالي (فرنسا وأمريكا أساساً) وبالتقارب السياسي معه لضمان دعمه المالي والتقني. خلال تلك الفترة كانت الفلاحة في قلب المخططات التنموية للدولة. لكن بعد فشل سياسة التعاضد (1964-1969) قرر النظام تغيير نهجه الاقتصادي…

ضبابية كبيرة بخصوص الاِستراتيجيّات المستقبلية
بعد ثورة 2011  تراجع دور أجهزة المراقبة الاقتصادية والصحية للمنتجات الفلاحية. كما يخلق عدم استقرار الحكومات ضبابية كبيرة بخصوص الاستراتيجيات المستقبلية. اليوم توفر الفلاحة 9 في المئة فقط من الناتج الداخلي الخام، ولا تشغِّل إلا 16 في المئة من العاملين وتتراوح قيمة مساهمتها في الصادرات ما بين 10 و15 في المئة، وهي أرقام بعيدة عن أرقام ثمانينات (16 في المئة من الناتج الداخلي الخام) وتسعينات (في حدود 13 في المئة من الناتج الداخلي الخام) القرن الماضي، فما بالك بستيناته (ما بين 20 و25 في المئة من الناتج الداخلي الخام). حتى السياسة النقدية للبنك المركزي تؤثر سلباً على الفلاحة، خاصة بالنسبة للمنتجين الصغار الذين تتوجه منتجاتهم للسوق المحلية وليس للتصدير. فاستمرار تعويم العملة المحلية وانهيارها في سوق الصرف له تأثيرات سلبية على أسعار مستلزمات العمل التي يتم استيراد أغلبها، كما أن رفع سعر الفائدة باستمرار يؤدي إلى ارتفاع كلفة القروض الفلاحية.

ما مدى مخاطر اِتّفاقية “أليكا”
لكن الأخطر هو ما تحضّره الحكومة للفترة المقبلة، وتحديداً “اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي” (أليكا) التي تنص على تحرير التبادلات الفلاحية أيضاً بعد أن كانت مستثناة من الاتفاقيات السابقة. بدأت المفاوضات منذ 2016 دون فتح استشارة وطنية تسمح للمعنيين بالأمر بصورة مباشرة، من مهنيين ونقابات، أو المهتمين بالشأن العام عموماً، بفتح نقاش عام معمق وحقيقي يؤثر في القرار. ترفض عدة جهات مهنية وسياسية ومواطِنية هذه الاتفاقية، وتعتبرها خطراً داهماً على الفلاحة والسيادة الوطنية. فهذا “التبادل الحر” يعرِّض السوق المحلية لخطر غزو المنتجات الأوروبية ذات القدرة التنافسية الكبيرة، ويتطلب أيضاً من المنتجين التونسيين التقيد بالمواصفات الأوروبية، وهذا ما تم فرضه في شهر فيفري 2019 من قبل البرلمان عبر المصادقة على “قانون السلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات” الذي، وإن كان عنوانه جذابا، فإنه عملياً سيكلف أغلب الفلاحين التونسيين ما لا طاقة لهم به من مصاريف وجهود إضافية فقط لكي تتطابق منتجاتهم مع “المواصفات الدولية”

الموارد المائية عامل حيوي للفلاحة
أهم المشاكل التي يمكن أن تصبح في القريب خطراً يهدد جدياً الفلاحة في تونس هي نقص الموارد المائية وتعاظم ظاهرة التصحر بالإضافة إلى تأثير التلوث البيئي. فالموارد المائية هي عامل حيوي للفلاحة، وفي بلد مثل تونس حيث تجعل غلبة المناخ الجاف وشبه الجاف على أغلب المناطق الأمور أكثر تعقيداً. وإذا علمنا أن الفلاحة تستهلك قرابة 80 في المائة من الموارد المائية (التي تقدر كميتها بقرابة 5 مليار متر مكعب، نصفها من المياه السطحية ذات نسبة الملوحة المنخفضة، ونصفها الآخر مياه جوفية شديدة الملوحة) فسنفهم مدى هشاشة الوضع. وسعياً منها إلى تجميع أكبر قدر ممكن من المياه المتأتية من التساقطات، بنت الدولة التونسية عشرات السدود الكبيرة، ومئات البحيرات الاصطناعية والسدود الجبلية، لكنها لا تغطي بشكل جيد مختلف مناطق البلاد. كما أن هناك مشاكل على مستوى صيانة وتنظيف السدود وشبكات نقل المياه مما يتسبب في ضياع كميات كبيرة منها. يتحمل الفلاحون جزءاً من مسؤولية هدر المياه، ومثلهم المواطنون العاديون. ففي تونس تنتشر ظاهرة الحفر العشوائي للآبار العميقة بطريقة تتسبب في اضرار كبيرة للمائدة المائية. كما تتميز العادات الغذائية للمواطن التونسي بطلب كبير على الخضروات السقويّة التي تستهلك الكثير من مياه الري، فهو يتناول كميات كبيرة من الطماطم والفلفل والبصل والبطاطا (2.5 مليون طن أي 72.5 في المئة من مجمل الخضروات المستهلكة) ومختلف أنواع البطيخ (نصف مليون طن، 15 في المئة من جملة الخضروات المستهلكة).

الفلاحة التّونسية اليوم أمام أسئلة ورهانات كبرى
تبدو الفلاحة التونسية اليوم أمام أسئلة ورهانات كبرى: كيف يمكن جعل هذا القطاع “جذاباً ومغرياً” بالنسبة للشباب؟ كيف يمكن تكثيف الإنتاج دون إنهاك الأرض، ومع الحفاظ على الموارد الطبيعية المحدودة؟ وما الأكثر أهمية: العملة الصعبة أم الأمن الغذائي؟ الاستثمارات الأجنبية أم السيادة الوطنية؟ ألم يحن وقت “اصلاح زراعي” شامل يُخرج مئات آلاف التونسيين من الفقر، وينمي حجم الإنتاج الفلاحي في تونس؟ أزمة الفلاحة لا تشبه أزمات بقية القطاعات الاقتصادية التي يمكن حلها بقرارات استعجالية أو بضخ بعض الأموال، فنحن نتحدث هنا عن مسألة أمن قومي لا يجب أبداً أن تكون خاضعة لأهواء الحكومات المتعاقبة أو مضاربات المستثمرين. صحيح أن إنقاذ الفلاحة والأرض هو واجب مواطني يهم الجميع، من أحزاب سياسية ومنظمات مهنية ومجتمع مدني وإعلام وغيرهم. لكن من المؤكد أن للدولة المسؤولية الكبرى من حيث تقديم حلول، وإيجاد الهياكل العلمية والتقنية والمالية القادرة على تطوير القطاع بشكل مستدام.

سوق الصّرف اِنعكاس لحالة التّوازنات الماليّة
يعتبر سوق الصرف انعكاسا لحالة التوازنات الماليّة ومؤشّرا هاما لمدى متانة أو هشاشة الوضع الاقتصاديّ، وهو ما يجعل المراقبين والمحلّلين الاقتصاديين يعيرونه أهميّة بالغة في قراءاتهم وتحليلاتهم للأوضاع الاقتصاديّة. وقد شهد سوق الصرف في تونس في الآونة الأخيرة تطوّرات أجبرت جميع الفاعلين الاقتصاديّين على حبس أنفاسهم، فقد تراجع سعر صرف الدينار التونسيّ ليبلغ مستويات لم يعرفها الاّ نادرا فيما مضى، وهو ما اثار فزع عديد المحللين الاقتصاديّين الذّين تخوّفوا من استمرار هذا التراجع ليصل الدينار التونسيّ الى مرحلة الانهيار في ظروف اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة مشحونة ومترديّة، ممّا سيُساهم في تعميق الأزمة الشاملة التّي تعيشها البلاد منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات

ما وراء  تفاقم العجز الماليّ وتفشّي الفقر
كما أنّ التضخّم الناتج عن تراجع سعر الصرف سيؤدّي بالضرورة الى ارتفاع نفقات الدعم وبالتّالي تفاقم العجز الماليّ و تفشّي الفقر. ثم أنّ التأثير السلبيّ لتدهور سعر الدينار لن يتوقّف عند هذا الحدّ، بل سيشمل مسألة التداين، ذلك أنّ ما يقارب ثلثي ديون البلاد بالعملة الصعبة وهو ما سيرفع من قيمة الدين ان انخفض سعر صرف العملة المحليّة، وقد بلغت الديون التونسيّة خلال السنوات الأربع المنقضية 25 مليار دينار، وهي تستنزف ما يقارب الـ50 % من الناتج المحليّ الخام للبلاد ممّا ينعكس سلبا على أيّ خطط أو مجهودات تنمويّة. أمّا بالنسبة لقطاع السياحة، فهو وإن كان سيستفيد من تراجع سعر الصرف نظرا لتحوّل السوق التونسيّة إلى سوق بخسة، إلا أنّه يبقى رهينة الوضع الأمنيّ والسياسيّ الهشّ بطبعه بالإضافة إلى ارتباطه بالوضع الاقتصاديّ المتردّي حاليّا لشركائنا.

إيجاد خطّة إنقاذ عاجلة ورسم خارطة طريق اِقتصاديّة
النهوض بالوضع الاقتصاديّ العام في البلاد يتطلّب تجنّد الجميع من مؤسّسات حكوميّة و خبراء لإيجاد خطّة إنقاذ عاجلة ورسم خارطة طريق اقتصاديّة تكون بديلا للمسكّنات والإجراءات الحينيّة وتمكنّ البلاد من الخروج من أزمة ما زالت مستمرّة منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات نتيجة المنوال التنمويّ السابق والسياسة الاقتصادية القائمة على التعويل على الأجنبيّ والتداين والضبابيّة في التخطيط والمحاسبة.

تحقيق درجات أعلى من السّيادة الاِقتصادية والنّقدية  
توجت الندوة الدولية  بالجلسة الختامية والتي  كانت فرصة للنشطاء والصحفيين والأكاديميين وواضعي السياسات والباحثين والمنظمين  لتبادل آراءهم ورؤيتهم للحلول وما هي الخطوات التي يجب اتخاذها. ومن بين التساؤلات: كيف يمكن تحقيق درجات أعلى من السيادة الاقتصادية والنقدية، اِنطلاقا من الوعي؟ ثم السيادة الإفريقية وتغيير المقياس وربط المجالات الأكاديمية والعسكرية، دون نسيان السيادة بين الجنسين، وإنتاج المعرفة النقدية، وضبط البرامج والتضامن الدولي (الاِستراتيجيات، وتقاسم المعلومات).