أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / متابعات/ في النّدوة الصّحفية الاِفتراضية لتقديم التّقرير نصف السّنوي لمركز دعم: الاِنتقال الدّيمقراطي: تعثّر التحوّل بين جمود المؤسّسات وعسكرة الدّولة والمجتمع

متابعات/ في النّدوة الصّحفية الاِفتراضية لتقديم التّقرير نصف السّنوي لمركز دعم: الاِنتقال الدّيمقراطي: تعثّر التحوّل بين جمود المؤسّسات وعسكرة الدّولة والمجتمع

Spread the love
الأستاذ محمّد رضا البقلوطي

نظم مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان (دعم) أمس ندوة صحفية افتراضية قدم فيها مرصد السياسات والتشريعات المتعلقة بالانتقال الديمقراطي وحقوق الإنسان تقريره النصف السنوي بعنوان “الانتقال الديمقراطي: تعثر التحول بين جمود المؤسسات وعسكرة الدولة والمجتمع” ويغطي التقرير أهم التطورات الممتدة ما بين 1 أفريل، وحتى 30 سبتمبر 2020، وهو امتداد للتقارير الدورية السنوية التي يقدمها مركز دعم لرصد السياسات والتشريعات في تونس ومصر وليبيا. حيث تولت الباحثة والخبيرة الحقوقية شيماء بوهلال تقديم قراءة تحليلية لكامل التقرير، كما قدم فريق مركز دعم خلال الندوة الصحفية أهم الأحداث في كل بلد على حدة، مع التنصيص على التوصيات التي من شأنها أن تحسن من المشهد السياسي والإطار الحقوقي في كل من تونس، ومصر، وليبيا.

جمود في المؤسّسات نتيجة اَختراق الصّراع السّياسي لعملها واَنحصاره في المصالح الضيّقة

واعتبر التقرير أن وجود الأطر المؤسسية والتشريعية للانتقال الديمقراطي في تونس ومصر لم يمنع وجود نتائج سلبية بالنسبة لمصر ونسبية في تونس. اذ تواجه تونس حسب التقرير عُطلا انتقاليا كما تعرف المؤسسات جمودا بسبب اختراق الصراع السياسي لعملها وانحصاره في المصالح الضيقة، كما مثلت أزمة الأحزاب بين الخطاب والممارسة أحد عوامل هذا الجمود، وهو ما أتاح صعود تيارات لا تتوافق مع رهانات تكريس الديمقراطية. إضافة إلى توقف عملية الإصلاح العميقة لسياسات الدولة وهياكلها وهو ما ساهمت فيه من جهة أخرى الأزمة الصحية في البلاد. كما اعتبر التقرير أن السياسات الاجتماعية التقليدية وغياب تصور شامل للأمن الصحي وضع المؤسسات العمومية المتردية في مأزق إدارة الأزمة.

طرح أسئلة جدّية حول دور الدّولة السّلبي في ظلّ تفشّي الفساد في تونس وهي الّتي تعيش اَنتقالا نحو الدّيمقراطية

وقد استعرض التقرير نصف السنوي الثاني محاولات تكريس مبادئ حقوق الإنسان بين أطره التشريعية والمؤسسية ومحدودية تعزيز المقاربة الحقوقية في الدولة والمجتمع. لعل النصوص القانونية الجديدة زاخرة بالإعلان عن الحقوق لكن التنفيذ والتطبيق يبقى رهين الإرادة السياسية وعودة الخطابات المعادية لها. كما رصد التقرير في ظل الأزمة الصحية جوانب من أزمة العقد الاجتماعي في كل من مصر وتونس فيما ليبيا تعيش سياقا مختلفا للغاية. وهو الأمر الذي جعل مخطط التقرير يطرح محورا خاصا في قسمي البلدين خاصا بالسياسة الاجتماعية وهناتها العميقة والظرفية بين أزمة كوفيد-19 وما بعدها. إذ يعتبر محور السياسات الاجتماعية مؤشرا مهما على التحول الديمقراطي وممكناته في كل من مصر وتونس لجهة توفيره لبعض عناصر قياس مهمة إعادة التفاوض عليه ومداها، التي أتاحتها الثورات الشعبية. كما أن له صلات بضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن تقديم قيم القانون والشفافية والنزاهة والمحاسبة باعتبارها قيم تدعم ثقة المواطن، وتعزز من قيم التضامن الإنساني. أدى الفساد في تونس إلى طرح أسئلة جدية حول دور الدولة السلبي، وهي التي تعيش انتقالا نحو الديمقراطية، في ضرب “العمق القيمي المجتمعي”، أي جملة القيم والشعور المواطني الذي يربط الأفراد بتوجهات الدولة وسياساتها. قدم القطاع العام في تونس نموذجا سيئا عن الفساد في ظل الأزمة الصحية، في الوقت الذي يعيش فيه المواطن التونسي على المنح والمساعدات، أو هو يواجه ظروفه المعيشية الصعبة بسبب تردي الاقتصاد

تداعيّات الأزمة الصحّية وغيرها من الأزمات على التحوّل الدّيمقراطي وتوابعه المرتبطة بحقوق الإنسان

ويمتد التقرير نصف السنوي من 1 أفريل إلى 30 سبتمبر 2020 من نفس السنة. تلك الفترة التي صاحبها واجهة الوباء الصحي الذي عمّ البلدان الثلاث في وقت متقارب. تُضاف الأزمة الصحية إلى غيرها من الأزمات التي تعيشها كل من تونس ومصر وليبيا، لتزيد جميعها من صعوبات التحول الديمقراطي وتوابعه المرتبطة بحقوق الإنسان من هنا أصبح ضروريا توسيع مقاربة السياسات والتشريعات المتعلقة بالانتقال الديمقراطي وحقوق الإنسان. ضمن منهج تجاوُز المقاربة القانونية والسياسية الصرفة، الذي تم الإنطلاق في العمل به منذ التقرير نصف السنوي الأول لمركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان، تم اعتماد مؤشرات محددة دون فصلها عن سياقاتها المتعددة. ذلك ان المؤشر السياسي والتشريعي هو إطار منهجي لولوج واقع معقد قصد فهمه وفتح الطريق نحو أفكار تصلح لدراستها، وليس فقط مؤشرا لحصر الأحداث وبسطها في صيغة تقريرية.

سيطرة الدّولة العميقة على المشهد

فبالرغم من ان تونس هي الدولة الوحيدة من الدول (الربيع العربي) التي تشهد تطورًا نحو الديمقراطية، إلا ان هذا التطور يقابله تعثرات وعراقيل واضحة ناتجة عن سيطرة المنظور الحزبي الضيق على المشهد التشريعي، مصاحبًا لذلك ضعف الإرادة السياسية للبدء في الإصلاحات الهيكلية للإدارة للدولة التونسية، بالإضافة إلى عدم اكتمال عملية تنصيب المؤسسات الدستورية والمستقلة، في مشهد يسهل وصفه بسيطرة ما يطلق عليه سيطرة الدولة العميقة على المشهد. وهو ما أثر بالطبع على حالة حقوق الانسان والتي أضحت مناسبتية تحضر فقط عند ظهور الانتهاكات والتعامل معها بمستوى فردي في منأى عن المشهد ككل، كذلك من دون تبني لتصور كامل عن المبادئ التي يجب ان تقوم عليها علاقة الفرد بالدولة في كنف احترام وتطبيق منظومة حقوق الانسان الكونية كاملة غير منقوصة، بل أصبحت منظمات حقوق الانسان تتوسل بالنصوص القانونية لتفرض نفسها على المشهد.

هيمنة الوظيفة السّياسية للنّائب على دوره التّشريعي

طرحت عناصر جديدة نفسها خلال فترة الرصد مثل علاقة رئيس الجمهورية بمجلس النواب ورئاسة الوزراء، ومجلس الأمن القومي، كذلك صلاحيات تلك المؤسسات نفسها ودورها في التأثير على عملية التحول الديمقراطي، كما اصبح واضحًا للجميع أن التشريعي مرهون بالحراك السياسي حيث تهيمن الوظيفة السياسية للنائب على دوره التشريعي، بما لا يجعله ملتزم بسلم الأولويات التشريعية التي تحتاجها البلاد لإكمال مؤسسات الدولة الدستورية والمستقلة أو التشريعات التي يجدها المجتمع التونسي ضرورية من أجل التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية. كما تواجه تونس بسبب النظام السياسي الحالي ازدواجية في السلطة التنفيذية، وبسبب تلك الازدواجية اضحي كل طرف يبحث عن تموقعه بشكل مستمر داخل المشهد مستندًا على صلاحياته والمؤسسات التي تتبعه. كذلك التنسيق والمناصرة مع بقية العناصر من أحزاب ومنظمات وطنية لخلق أمر واقع يقوم على ضغط الراي العام وليس الأطر الدستورية والقانونية ومبادئ حقوق الانسان.

عسكرة قيم المجتمع المصري بالدّفع بالتّربية العسكرية كقيمة عليا تخترق النّظام التّعليمي

أما في مصر فالنظام المصري يعمل على عسكرة قيم المجتمع المصري بالدفع بالتربية العسكرية كقيمة عليا تخترق النظام التعليمي الجامعي والثانوي عبر صلاحيات المستشار العسكري في المحافظات. وهو ما لا ينفصل عما أدرجه التقرير نصف السنوي الأول لمركز دعم، عن توجه الرئيس السيسي بإيعازه لوزير الإعلام بالدفاع عن “الشخصية المصرية “وقيمها الثابتة وطنيا ودينيا. وهو ما فصل فيه التقرير في أقسامه الخاصة. لا يمر كل ذلك إلا عبر الأطر القانونية والدستورية والهيكلية، إلا أنه يتحقق بشبكة معقدة تسمح بضرب حقوق الإنسان واستسهالها. وقد عاشت مصر خلال فترة الرصد مثل باقي الدول على وقع أزمة وباء خانقة كانت لها تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. قام النظام المصري الحالي باستغلال الوباء في تشديد آليات القمع على النشطاء والسياسيين، كما وضح ان سياسات الدولة تنحاز بشكل تام إلى رغبات رجال الاعمال والمستثمرين على حساب أرواح المواطنين ومعاشاتهم.

اِستحالة وجود تيّار معارض أو مستقلّ ذو رأي مخالف طالما كان هذا الاِختلاف خارج الأطر

ظلت اليد العليا في مصر لرئيس الجمهورية فيما بقيت السلطات تابعة له في مسرحية شرعية مفقودة سيئة الإخراج، وقد قام المجلس التشريعي خلال دورته السابقة بإطلاق العنان ليد رئيس الجمهورية من خلال تشريعات تعمل على اتمام الهيمنة والانفراد بأدوات قانونية وحماية مؤسساتية، بحيث أصبح مستحيلًا وجود تيار معارض أو حتى مستقل ذو رأي مخالف طالما كان هذا الاختلاف خارج الأطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية والأخلاقية التي يريدها ويدعمها النظام الحالي من خلال المؤسسة العسكرية أولًا، ورئيس الجمهورية (رئاسة الجمهورية) ثانيًا. كذلك تتجنب المعارضة الدخول في أي انتخابات في ظل المنظومة التشريعية الحالية بهدف الطعن في شرعية النظام بأكمله.

اِنتهاكات مُمنهجة مع اَستغلال الكورونا كأداة في وجه الجميع

أما عن وضعية حقوق الإنسان خلال فترة الرصد فهي كارثية حيث تشترك جميع السلطات في ممارسة انتهاكات مُمنهجة مع استغلال كورونا كأداة في وجه الجميع داخليًا وخارجيًا من أجل الالتفاف على أي حوار او مبادرات او تساؤلات عن ملف الديمقراطية وحقوق الانسان، مواصلًا في سياساته وممارسته المتعارضة مع الدستور ومبادئ حقوق الإنسان. كما اتبع النظام المصري سياسة التعتيم حول أوضاع الكورونا في السجون من خلال التحكم في المعلومات عبر سياسات الاحتكار والمصادرة وارسال رسائل تشهير وتخوين من خلال منابرها الإعلامية، والمنع والتجريم عبر السلطات الأمنية والتشريعية والقضائية لأي منظمة، مؤسسة، أو فرد ينشر تقارير أو ارقام ومعلومات تخالف الرواية الرسمية. ومن الجدير بالذكر ان السلطات المصرية ألغت اعتماد مراسلة الجارديان لنشرها تقرير عن فيروس كورونا واعداد المصابين.

اِختلاف المصالح ووجهات النّظر حول حلحلة الملفّ اللّيبي بما لا يخدم مسارات الحوار المتعدّدة

أما ليبيا فظلت فوضى انتشار السلاح أحد العوامل الهامة في عرقلة المسار السياسي لتحافظ على وجودها ومصالحها التي ستتلاشى بمجرد الوصول لحل سياسي واضح. فقد أدى الصراع العسكري الليبي- الليبي بدعم أقليمي وتدخل دولي إلى اختلاف المصالح ووجهات النظر حول حلحلة الملف الليبي بما لا يخدم دوما مسارات الحوار المتعددة والتي كانت في جملتها تتشابه في الخروج باتفاقات وبنود محددة من اجل استئناف العملية السياسية والتحول الديمقراطي، لكنها سرعان ما تنتهي الى تجدد المناوشات السياسية والصراعات المسلحة. كما تتواصل حالة الفشل في ملف حقوق الانسان، خلال فترة الرصد برز الحق في التظاهر عقب الاحتجاجات التي شهدتها عدة طرابلس وعدة مدن ليبية اعتراضا على الأوضاع السياسية والاقتصادية في ليبيا والتي تعامل معها بقوة الرصاص والعنف المفرط بعض الجماعات المسلحة والتي تمادت كذلك إلى الخطف والاخفاء القسري والتعذيب. كذلك بعد انتهاء معركة طرابلس تم اكتشاف العديد من المقابر الجماعية التي ظهرت في عدة مناطق كانت تحت سيطرة جماعات مسلحة كذلك وهو ما أسفر عن تدخل المحكمة الجنائية الدولية واعلانها البدء في التحقيق في تلك الوقائع.