أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / ما وراء خطاب ماكرون بالبرلمان.. الفرنكفونية وأمن فرنسا مقابل “المساعدات”

ما وراء خطاب ماكرون بالبرلمان.. الفرنكفونية وأمن فرنسا مقابل “المساعدات”

Spread the love

الأستاذ شكري بن عيسى

لعلّ النوّاب الّذين حضروا لخطاب الرّئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مجلس نوّاب الشّعب، وقاموا على بكرة أبيهم وقوفا للتّصفيق لمدّة تقارب الأربعين (40) ثانية، اِستبشارا بحزمة “المساعدات” السخيّة الّتي وعد بها الرّئيس الشّاب، وبهجة بعبارات المدح والمجاملة المنمّقة الّتي خصّ بها تونس وثورتها وديمقراطيتها، ربّما سيكتشفون ولو بعد فوات الأوان أنّ كلّ ما قدّمته فرنسا على لسان رئيسها ستكون ثماره لفائدتها أوّلا ورئيسيا، وأنّ الأمر كان في إطار اِستراتيجية هيمنة فرنكوفونية في “لوك” آخر، تديم التحكّم الفرنسي وتجدّد وتحيي ما تداعى منه، وتبقي بلدنا في حالة الاِستجداء والتبعيّة المسترسلة.

خطاب منهجي مدروس ومتقن بشكل عالي، قدّم كلّ ما تحتاجه الطّبقة السّياسية وخاصّة الحاكمة، على اِمتداد 53 دقيقة كاملة وبكامل اللأريحية وبطلاقة كاملة، شرّح الفوارق السّياسية والإيديولوجية لجميع الحاضرين، وقدّم لكلّ منهم “الطّعم” الّذي يمكن أن يوقعه، ويحقّق لهم حالة “اِمتلاء” قصوى، ليحصد في المحصّلة رضى اِستثنائي وإجماع لافت، يرفع به من شعبيّته وصدى بلاده ويحقّق به “ضربة” إشهارية خارقة، والأقصى هو التّسويق السّياسي والإخراج المشهدي لاِستراتيجيته في إنجاح مؤتمر الفرنكوفونية الّذي سينعقد بتونس في 2020، والّذي يمثّل الحدث الفارق في مستقبل فرنسا لاِستعادة إشعاعها ونفوذها المتنوّع المتراجع السّنوات الأخيرة.

خاطىء من يعتقد أنّ ماكرون متحلّل من الإرث الاِستعماري والسّطوة الثّقافية لبلده، بالنّظر لخطابه البراغماتي الأخوي العادل الإنساني في ظاهره خاصّة خلال حملته الاِنتخابية، وبالنّظر أيضا لسنّه وجيله البعيد بشكل كبير عن “الرّصيد” الاِستعلائي الاِستغلالي لبلده، فالرّجل منذ دخوله ماكينة الدّولة في المستوى الأسمى فهم المعنى الدّقيق لـ”الدّولة العميقة”، والّتي تعني أنّ مصالح فرنسا ومستقبلها بل وجودها مرتبط “عميق” الاِرتباط بهيمنتها الاِقتصادية، الّتي تمرّ عبر الهيمنة الثّقافية وعبر توطيد العلاقات والعقود المختلّة لفائدتها في مستعمراتها السّابقة خاصّة الإفريقية، في عالم لا مكان فيه سوى للقوى الكبرى والهيمنة، ولكن في الحاضر بأساليب “ناعمة” وفي إخراج جديد يقطع كثيرا مع المباشرتية الفجّة الّتي سادت لعقود.

فرنسا بعد كلّ الّذي حقّقته وبعد الهيمنة الاِقتصادية والعسكرية والسياسية لعقود، وبعد السطوة الفرنكوفونية الواسعة في عديد البلدان وفي الثقافة والعلم والتكنولوجيا لاجيال متعاقبة، اليوم تختنق في ظل استحكام السيطرة للقوى الكبرى وصعود قوى دولية جديدة مثل الصين والهند، وحتى توسّع قوى اقليمية اصبحت معنية بالتمدّد والغزو الجديد مثل قطر وتركيا والامارات والسعودية، كلها لم تعد طموحاتها تقتصر على الاقتصادي والتجاري، بل تمتد ايضا للعسكري والجيوسياسي بامتياز كما انّها لا تخلو من الثقافي المباشر او المرتبط بالنموذج السياسي، ومعركة التحكّم في الثروات بشكل او باخر على الدول في طريق النمو تتجدّد اليوم وتحتد بين القوى القديمة والوليدة.

وماكرون بدا بارعا جدّا في استيعاب المشهد وخصوصياته واستحقاقاته، وتونس شكّلت المحطّة الرئيسية لافريقيا التقليدية، لالتصاقها بليبيا وثرواتها المنصوبة عليها كل الاعين من ايطاليا الى امريكا الى روسيا وحتى الامارات، والمحطة الاساسة الى افريقيا ما بعد الصحراء وثرواتها التقليدية، واضافة فتونس لها فضلا عن خصوصية الموقع الجغرافي والارتباط التاريخي الوثيق بالفرنكوفونية، لها رمزية الثورة والانتقال الديمقراطي ومنظومة الحريات والحقوق الجديدة، وكان لا بد من تقديم عرض مغري ولا ترفض غوايته باخراج ماكر، مع التعتيم على المغزى البعيد، وهذا هو جوهر الفعل السياسي الذكيّ باقناع “الشريك” بنقاوة الاهداف ونبلها.

تونس اليوم في الفوهة بأزمة اقتصادية خانقة وانهيار اجتماعي وهشاشة امنية وتقهقر حقوقي، والحاجة للمساعدات الاقتصادية والمالية عظيمة جدا، وفرنسا لا يعني لها شيئا (بالرغم من صعوباتها الاقتصادية) بعض مئات مليارات اليوروات على امتداد ما يزيد عن خمس (5) سنوات، والقرار بتقديم “الدعم” تم اتخاذه في مقابل استحكام الهيمنة وضمان الامن والمصالح الاستراتيجية، بقي فقط طريقة واخراج الامر بشكل لا تظهر معه الغايات الحقيقية، فكان لا بد من استدعاء مصطلحات من نوع أنّ فرنسا لها “مسؤولية” وان “الفشل التونسي هو فشل لفرنسا”، والتسويق بالفعل كان مدروسا بعناية ومتميزا جدّا، ومن يتصفّح تسجيل الخطاب الرئاسي على صفحة ساكن الايليزيه لا يجد في تعاليق التونسيين في اغلبيتها الساحقة سوى “Bravo!” “Vive la France!”.. الخ.

ماكرون استعمل كل وسائل التأثير والحماسة والهاب المشاعر لتمرير رسالته، أو بالاحرى لاخفاء الغايات البعيدة من “مساعدات” بلاده لتونس، حتى أنّ البعض خاله تونسيا في دمائه العميقة ومشاعره المفعمة، فمن يبحث عن الانتماء العميق تحدث له عن “قرطاج” وحضارتها ومن هو حقوقي تحدث له عن سبق تونس لفرنسا بسنتين في تحرير الرق، ومن هو مهووس بالمساواة المطلقة بين المرأة والرجل تحدّث له عن مبادرة السبسي للمساواة في الميراث واقرار حرية زواج التونسية من غير التونسي، والبورقيبيون تحدث لهم على الاستقلال واستثمار بورقيبة في التعليم، والاسلاميين اعطاهم “حلوى” تفرحهم متحدثا عن القيروان العاصمة الاسلامية، وعن تكذيب قول أنّ “المجتمعات التي يوجد بها اسلام الديمقراطية لا تتلاءم معها”، قبل أن يستدرك لارضاء الطرف المضاد بالحديث عن “تكذيب من يريدوا ان يقنعونا أنّ الاسلام هنا لحكم الدولة، وأنّ الفصل لم يكن ممكنا”، بعد أن تحدّث عن تكريس الدستور لمدنية الدلة، وبعد أن مجّد الثورة والانتقال الديمقراطي لمن يبحث عن القيم والمبادىء الكبرى السامية.

الرئيس الشاب عدّد “المساعدات” وفصّلها بين الاقتصادي والشبابي والامني والمؤسساتي، ولكنّه لم يسقط في تمرير اشعار التونسيين بالاستجداء ولم يسقط في المنّ والاذى، بل اعتبر أنّ الكثير “يجمع” البلدين والشعبين والحضارتين الذين بينهم عمل مشترك وحياة مشتركة، والاسلوب فيه الحقيقة مستوى عال من الدهاء والذكاء السياسي والاتصالي الاعلامي، والامر وصل الى وضع تونس ليس مجرد صديق بعيد او صديق قريب بل كـ”أخ”، وانّ فرنسا “ليس لها من خيار سوى أن ترى تونس تنجح”، والتخدير الخطابي وصل الى مداه قبل ان يخلص الى جوهر الموضوع، وهو الأكاديمي والثقافي والشبابي وخاصة ببناء جامعة فرنكفونية موجهة لافريقيا والمتوسط، ونشر عديد المؤسسات الفرنكفونية بالجهات، وبالتأكيد على “المصير” المشترك في خصوص الفرنكفونية، وربط الأمر بمصلحة البلدين في الصدد، في اسلوب موارب يلتقي مع قاله الاقتصادي الفرنسي الشهير والمنظّر لسياساته جاك اتالي قبل ايام في تونس، حول ابرز عناصر قوة تونس التي صنّف بينها “الفرنكفونية”.

وعرض “المساعدات” ظهر أنه مقابل اعادة الاعتبار للفرنكفونية التي تتهالك، ولكن بوضعها في خطابه في اطار “التطلعات المشتركة”، وانجاح الملتقى الفرنكفوني في تونس في سنة 2020 سيكون نجاحا مبهرا لماكرون واختراق استراتيجي يعيد الألق للفرنسية من مسرح “الربيع العربي”، وماكرون انتقل باستمرار الوصاية الثقافية الفرنسية من اسلوب “المقايضة” الى واقع “الرضا” من منطلق “المصلحة المشتركة”، ولكن لا يخفى اسلوب المغالطة والغش في انتزاع “القبول” عبر اسلوبه التخديري التنويمي، مستغلا في نفس الوقت وضع البلاد المتداعي والحاجة للدعم، والسذاجة السياسية للطبقة السياسية الحاكمة وحتى المعارضة، الاولى بانخراطها المطلق فيما خطّط له والثانية في عدم التفطّن للالغام والفخاخ المنصوبة وتفكيكها، كما ظهر أنّها (اي المساعدات) مقابل حماية أمن فرنسا، كحامي للسواحل الفرنسية سواء في اطار الهجرة غير النظامية (السرية)، او في اطار تنقلات الارهابيين القادمين من ليبيا خاصة، وذلك بتركيز منظومات استعلامية متقدّمة بتونس.

الأسلوب الماكر بميزاته الاتصالية القوية لماكرون حقّق كلّ غاياته تقريبا وبشكل بارع، فقد حقّق “صدمة” ايجابية عميقة لفائدته، ومرّر “حقنة” الفرنكفونية بطريقة ليّنة وديعة، وقام بالدعاية لـ”مساعدات” بلاده دون ان يتعرّض للنقد بعد أنّ غلّفها بغايات “سامية”، ودون أن نعرف هل الارقام المقدّمة 1,2 مليار يورو بين 2016 و2020 كلها مساعدات ام فيها القروض والاستثمارات، وكم تم صرفه منها في سنتي 2016 و2017 وكم مازال، خاصة وأنّ اغلبها مكرّرة مجترة من عهد سلفه هولاند، وهل الـ 500 مليون يورو بين 2020 و2022 سيتم صرفها فعليا، كما نجح في النجاة من الاسئلة الرئيسية الاشكالية التي تصبغ العلاقات التاريخية الثنائية، المتعلّقة بالجانب الانساني في خصوص التأشيرات وحرية التنقّل للاشخاص من اجل العمل، وايضا القديمة-المتجدّدة المتعلّقة باعتراف بلاده عن جرائمها الاستعمارية بتونس والتعويضات المترتبة عنها وايضا مراجعة العقود الاقتصادية المجحفة، ورفع الحجب عن الوثائق السرية في تاريخ العلاقات بين البلدين..!!