أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / مالك بالنّبي في مواجهة الإسلام السّياسي…

مالك بالنّبي في مواجهة الإسلام السّياسي…

Spread the love

الأستاذ رياض الشعيبي

تابعت هذه الأيّام بعض فعاليّات مؤتمر دولي بالدّوحة بمناسبة الذّكرى 70 لصدور كتاب “شروط النّهضة” لمالك بالنّبي.
ولقد اِسترعى اِنتباهي حضور رموز من حركات الإسلام السّياسي ومحاضرين يدور أغلبهم في فلكها للحديث عن مالك بالنّبي وعن مشروعه الفكري والحضاري. وليس في ذلك حرج على هذه العائلة الإيديولوجية أن تتدارس مناهج فكريّة أخرى لتحاول الاِستفادة منها، وتجاوز ما يعترضها من صعوبات ذاتيّة.

أمّا وسياق المؤتمر ينسب هذا الفكر الحضاري والتّاريخي لمدرسة الإسلام السّياسي ويدّعي كونه ليس أكثر من فرع من فروعه، والقفز على حجم الاِختلاف بينهما، بل وتناقض مشروع النّهضة كما تصوّره مالك بالنّبي مع الطّابع الإيديولوجي لحركات الإسلام السّياسي، ففي ذلك لا شكّ تزوير لهذا الفكر واِغتيال لأصالته ووجاهة طرحه.
وإذا كنّا اليوم نتحدّث عن فكر مالك بالنّبي ونتخاصم حول اِمتداداته المعاصرة فلأنّ هذا الفكر يحافظ على راهنيّته رغم مرور عقود طويلة على تشكّله في ذهن صاحبه.
وحتّى لا يبقى كلامنا حول الاِنتساب الفكري لمالك بالنّبي واِمتداداته المعاصرة مجرّد ضرب بالقول، فإنّنا سنتوقّف عند ثلاثة مستويات للحديث عن الاِختلاف وغالبا التّناقض بين المشروع الفكري والحضاري لمالك بالنّبي والمشروع الفكري والسّياسي للحركات الإسلامية المعاصرة.

أوّلا من حيث المنشأ: هل نشأ فكر مالك بالنّبي في أحضان الفكر الإسلامي الحركي؟
حتما لا. ليس فقط لأنّ مالك بالنّبي لم يتعلّم اللّغة العربية إلاّ سنتين قبل وفاته ممّا منعه من قراءة أدبيّات الإسلام السّياسي، ولا فقط لأنّه تأثّر كثيرا بالثّقافة الأوروبية عكس مدرسة الإسلام السّياسي وخاصّة مع سيّد قطب والمودودي، بل خاصّة لأنّ مشروعه الفكري أقرب لفكر النّهضة العقلاني في القرن التّاسع عشر الّذي يحاول أن يجيب عن السّؤال المحوري: لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ بل وأقرب لما عبّر عنه عبد الحميد بن باديس واِتّحاد العلماء الجزائريين وفكر علاّله الفاسي وحتّى محمّد الطّاهر بن عاشور في بعض أفكاره.
ولا شكّ أنّ المثقّفين والمختصّين يعون جيّدا الفرق بين هذا الفكر والفكرة الإسلامية الإحيائية وخاصّة في فكر رشيد رضا وحسن البنّا وتلامذته*.

ثانيا من حيث البنية: هل يتماهى فكر مالك بالنّبي في بنيته المنطقيّة مع مفاهيم الإسلام السّياسي؟
أيضا لا. فالسّجالات الطّويلة بينه وبين سيّد قطب خلال إقامته بمصر نهاية خمسينات القرن الماضي حول مفهومي الحضارة والمدنية، وعدم اِلتحاقه بجمعيّة القيم الّتي أسّسها محفوظ النّحناح (الأب الرّوحي لجماعة الإخوان المسلمين بالجزائر) سنة 1964، ورفضه لشعار “الاسلام هو الحلّ” وتأسيسه لملتقى الفكر الإسلامي بفلسفته الحضارية لا العقديّة، كلّ ذلك يبيّن بوضوح الاِختلاف البنيوي بين منهج التّحليل الحضاري والاِجتماعي والتّاريخي الّذي اِعتمده مالك بالنّبي (سيرا على النّهج الخلدوني) والمقاربة العقدية التّربوية الفقهيّة لمختلف مدارس الإسلام السّياسي**.

ثالثا من حيث التوجّه العام: هل تبنّى مالك بالنّبي نفس حلول الإسلام السّياسي لمشاكل الواقع؟
كذلك لا. فتشخيصه لمشاكل الواقع كان أعمق وأكثر تعقيدا من مجرّد الحديث عن الاِنحراف السّلوكي أو الأخلاقي أو حتّى العقدي. فمدرسة الإسلام السّياسي اِختزلت قضايا واقعها في هذه الأبعاد ولم تخرج في مقاربتها للحلول الاِجتماعية في أغلب الأحيان عن المستوى الاِعتقادي والوعظي، في حين بقيت المسألة السّياسية رهينة البعد التّشريعي. لذلك نتوقّف في الحديث عن الخلاف بين المدرستين عند ثلاثة قضايا:

_ يعتبر مالك بالنّبي في تشخيصه للواقع أنّ المشكل الحضاري وقضيّة التمدّن هي أخطر ما يواجهه المسلمون. ولذلك وحتّى نستعيد فاعليّتنا الحضارية نحتاج إلى اِستيعاب العلوم الحديثة والتّقنيات المعاصرة وبناء صناعة قويّة ومزدهرة. بالنّسبة له لا سبيل للخروج من أزمتنا بغير التّفكير العلمي وثقافة العمل والإنتاج.
فأين هذا المنهج من تشخيص مدرسة الإسلام السّياسي الّتي ترى أنّ ضعفنا بسبب اِنحرافنا عن ديننا وحتّى نعود أقوياء لا بدّ من تصحيح الاعِتقاد وتقويم السّلوك الأخلاقي!!!

_ دافع مالك بالنّبي عن فكرة الأفرو_أسياوية في تمثّل واضح للجغرافيا السّياسية وللعلاقات الدّولية، معتبرا أنّ الاِستعمار ومن ورائه الإمبريالية هي التحدّي الأكبر أمام مشروع النّهضة الحضارية. ويعدّ هذا الفهم بعيدا كثيرا عن المقاربة الإيديولوجية للإسلام السّياسي الّتي تماهي بين مفهوم الأمّة الدّينية والأمّة بالمعنى السّياسي وحتّى الحضاري. في حين أنّ فكرة الأفرو_ أسياوية قائمة على تقاطع الجغرافي مع السّياسة الدّولية مع التّصنيف الاِقتصادي والاِجتماعي. أمّا العامل الدّيني فلا شكّ محرّك أساسي للتّاريخ وأداة تعبئة ضرورية لكن دون اِختزال للمشاكل أو الحلول في هذا البعد. طبعا لا حاجة للتّذكير بعلوّ فكرة الأمميّة الإسلامية في أيّة مقاربة جيو_سياسيّة في تنظيرات الإسلام السّياسي.

_ يعتبر مالك بالنّبي أنّ شروط النّهضة الحضارية تتمثّل في الجمع بين ثلاثة عناصر هي: الإنسان+ الأرض+ الوقت.
فهل نحتاج هنا لإبراز التّناقض بين هذه الرّؤية وما تطرحه مدرسة الإسلام السّياسي!!!

عندما اِخترت عنوانا لهذا المقال: مالك بالنّبي في مواجهة الإسلام السّياسي، لم يكن هدفي الإثارة أو شدّ الاِنتباه، لأنّ مالك بالنّبي يعتبر بالفعل الإسلام السّياسي باِعتباره مقاربة إيديولوجية عائقا أمام أيّة نهضة حضارية ممكنة***.
لذلك عندما يتحدّث منظّرو الإسلام السّياسي في مؤتمر حول مشروع النّهضة الحضارية إنّما يكرّسون الجهل بما أراد مالك بالنّبي قوله وتهميش منهجه الفكري والحضاري، ومثلما مات الرّجل غريبا في قومه يمضي اليوم غريبا بين من يدّعون الاِحتفاء بفكره.


* يصرح مالك بالنّبي بأنّه لم يقرأ أيّ شيء لحسن البنّا ولا يدري حتّى إن كان له كتبا أم لا، بل ويعتقد أنّه لم يكتب أيّ شيء.
كما أنّه لم يفهم في البداية طبيعة الخصومة بين جماعة الإخوان المسلمين وجمال عبد النّاصر، لكنّه فيما بعد اِتّخذ موقفا إيجابيّا واضحا مع الضبّاط الأحرار وضدّ الإخوان.
هذا ونشر كتابه عن فكرة الأفرو_أسياوية في مصر سنة 1958 وبمساعدة رسمية من الدّولة المصرية.
** من أجل الإنصاف، فلقد تحدّث الشّيخ راشد الغنّوشي (أحد منظّري الإسلام السّياسي) عن الجذور الخلدونية لفكر مالك بالنّبي. لكن بالمقابل وعلى اِمتداد كلّ كتاباته لا تكاد تلحظ أثرا لهذا الفكر في آرائه ومقارباته، بل على العكس بقي فكره رهين إيديولوجية إسلامية منغلقة.
*** أشير هنا فقط لكتاب مالك بالنّبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.