أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / مؤشّرات تصدّر القاعدة المشهد المتطرّف في العالم

مؤشّرات تصدّر القاعدة المشهد المتطرّف في العالم

Spread the love

الظواهري البغدادي

صمويل ماريرو

صمويل ماريرو

تتزايد المؤشّرات على تراجع تنظيم “داعش” عن تصدّر المشهد الجهادي، بل وعن بدء استعداده للانهيار المتوقّع لخلافته المتوهّمة، وهو ما انعكس في تصريحات قيادات التّنظيم. ففي نهاية شهر ماي 2016، بدا أبو محمد العدناني المتحدّث الرّسمي باسم “داعش” في إحدى خطبه، وكأنّه يُعِدّ أتباع التّنظيم نفسيا لسقوط الخلافة، قائلاً: “وهل سننهزم إن خسرنا الموصل أو سرت أو الرّقّة أو جميع المدن وعدنا كما كنّا؟ … كلاّ!”

أوّلا: مؤشّرات عدّة

تكشف تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن تراجع تنظيم “داعش”، ومن ذلك تصريح الجنرال شون ماكفرلاند في آخر مؤتمر صحفي له في البنتاغون بصفته قائدا لعملية “التّصميم الصّلب”  Resolve Operation Inherent  ضدّ “داعش”، والّذي أكّد فيه أنّ “داعش” يتقهقر على الجبهات كافّة، وأنّه على يقين تامّ بأنّه سيتمّ القضاء عليه ككيان حاكم في سوريا والعراق.

ويتزامن هذا التّصريح مع تواتر أنباء عن نجاح الميليشيات اللّيبية القريبة من حكومة الوفاق الوطني اللّيبية، والمدعومة بضربات
جوّية أمريكية، في فرض سيطرتها على معاقل “داعش” في سرت اللّيبية، وهو ما يمثّل بداية انهيار التّنظيم هناك، ولم تمض
بضعة أيّام حتّى حرّرت قوّات التّحالف مدينة منبج السّورية في 13 أوت، ممّا يمهّد الطّريق لاستعادة الرّقّة، عاصمة التّنظيم، مستقبلا. وعبّر بريت ماكجورك، مبعوث الرّئيس الأمريكي للتّحالف الدّولي ضدّ تنظيم “داعش”، عن الآراء نفسها، وذلك في “منتدى أسبين الأمني Aspen Security Forum في أواخر جويلية 2016، إذ أكّد أنّ تعبئة قبائل محافظة الأنبار العراقية ستمكّن التّحالف من تخليص وادي الفرات بالكامل من “داعش”، كما أشار ماكجورك إلى أنّ “قوّات الأمن العراقية لم تخسر أيّ معركة خلال العام الماضي”.

أمّا على المستوى الميداني، فقد نجحت قوّات الأمن العراقية في استعادة قاعدة القيارة الجوّية في أوائل شهر جويلية، والّتي تقع على بعد 75 كيلومترا فقط جنوب الموصل، وهو ما يمهّد الطّريق أمام استعادة المدينة، الّتي تتمتّع بأهمّية استراتيجية، بالنّظر إلى كونها ثاني أكبر مدن العراق، وعاصمة التّنظيم هناك، وبالتّالي فإنّ تحرير المدينة صار مسألة وقت، ويرجّح لقمان الفيلي، سفير العراق السّابق لدى الولايات المتّحدة، بأنّ يتمّ تحريرها قبل نهاية هذا العام. ويلاحظ أنّ تراجع “داعش” ميدانيا، سوف يترك تداعيّات سلبية على شرعيّتها كذلك، إذ إنّ أحد المزاعم الرّئيسة لـ”داعش” يتمثّل في ادّعائه أنّه يخوض المعركة الفاصلة بين المسلمين وأعدائهم في آخر الزّمان، ساعده على ذلك وجوده في سوريا، والّتي تعدّ مركز أحد النّبوءات الأساسية في الإسلام، والّتي تذهب إلى أنّ الجامع الأموي في دمشق سيكون مقرّ عودة السّيد المسيح لهزيمة المسيح الدّجّال، وأنّ قرية دابق في شمال سوريا – والّتي تحمل مجلّة “داعش” الإلكترونية اسمها – هي موقع المعركة بين جيوش المسلمين والرّوم.
وتعتبر إقامة خلافة “داعش” على أراضٍ تتمتّع بهذه الأهمّية الدّينية، هي نقطة قوّة وضعف في الوقت نفسه، فلقد أضفى عليها ذلك الأمر قدسية ساعدت التّنظيم على تجنيد مزيد من الأفراد، ولكنّه على الجانب الآخر، حمّله عبئا يتمثّل في ضرورة الاستمرار في توسيع رقعة خلافته وتحقيقه انتصارات متتالية، وإلاّ فقد شرعيّته، وانهارت مزاعمه الدّينية.

ثانيا: العودة إلى الإرهاب
توضح المؤشّرات السّابقة أنّ هزيمة “داعش” صارت مسألة وقت، ولكن يثار التّساؤل هل تؤدّي هزيمة التّنظيم عسكريا إلى نهايته تماما، وهو ما يمكن الإجابة عليه من خلال استعراض الخبرة السّابقة في القضاء على التّنظيم في عام 2008، إذ يعود جذور تنظيم “داعش” إلى “تنظيم القاعدة في العراق” في عام 2004، والّذي كان ضمن الجماعات المتمرّدة الّتي تحارب الاحتلال الأمريكي للعراق، ولم يتجاوز عدد أفرادهم 5000 رجل في ذروة قوّتهم حينها.
وقد تراجع نشاط التّنظيم في عام 2008 نتيجة تضافر جهود القوّات الأمريكية والصّحوات، الّتي تشكّلت في المحافظات السّنية من أبناء القبائل العراقية، غير أنّ التّنظيم تمكّن من العودة مجدّدا لشنّ عمليّات إرهابية بدءا من العام 2011، مع انسحاب القوّات الأمريكية من العراق، وسعي المالكي لتهميش المكوّن السّنّي والصّحوات الّتي قاتلت القاعدة، ثمّ تمكّن التّنظيم في صيف 2014 من السّيطرة على مساحات واسعة من الموصل والفلّوجة، نظرا لضعف قوّات الأمن العراقية.
ومع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وإخفاق بشّار الأسد في السّيطرة على مساحات واسعة من شرق البلاد، حدث فراغ في الحكم، سعى تنظيم “داعش” لملئه من خلال إرسال وحدة عسكرية تابعة له في عام 2011 نجحت في التّمدّد ميدانيا هناك، وأسّس ما عرف بتنظيم “داعش”، ويكشف ما سبق أنّ نجاح التّنظيم في التّمدّد ميدانيا في العراق وسوريا يعود إلى انتهازيّته وضعف خصومه، وليس أهليّته أو قدرته على الحكم.
ومن جهة ثانية، كان التّحالف الدّولي ضدّ تنظيم “داعش”– والمؤلّف من 67 دولة – مشلولا بدرجة أو أخرى منذ عام مضى، ولكنّ عملياته العسكرية ضدّ التّنظيم شهدت تحسّنا كبيرا مؤخّرا، وهو ما يرجع إلى استمرار التّحالف في “تدريب وتجهيز وتقديم المشورة والمساعدة” للقوّات المحاربة لـ”داعش”، فضلا عن اختلاف طريقة التّدريب، فقد انتقل التّركيز من التّدريب على مكافحة التّمرّد، إلى التّدريب العسكري التّقليدي، خاصّة التّدريب على القيام بمناورات تجمع بين الأسلحة المختلفة، بالإضافة إلى زيادة التّعاون في مراقبة الحدود وتبادل المعلومات بين الدّول المعنيّة، وهو ما زاد من صعوبة انضمام المتطرّفين من أنحاء العالم إلى التّنظيم، على عكس ما كان عليه الوضع منذ عام، ولذا تحوّلت الرّسالة الأساسية للتّنظيم من “تعالوا
وانضمّوا إلى هذه الخلافة التّاريخية المتمدّدة” إلى “ابقوا في منازلكم، وقاتلوا في بلادكم”.
ويبدو أنّ سيناريو 2008 سيتكرّر مرّة ثانية، إذ إنّ “داعش” سيتراجع، ولكنّه لن ينتهي تماما، وهو ما أكّده العدناني في آخر بيان علنيّ له، مستشهدا بتراجع “داعش” في 2008، فقد تساءل “هل هُزمنا عندما خسرنا المدن في العراق وبتنا في الصّحراء بلا مدينة أو أرض؟ … كلا بالتّأكيد”، ففي الفترة الّتي تلت تراجع التّنظيم في عام 2008، قام “داعش” بشنّ هجمات كبيرة في العراق، ونظرا لطبيعتها اللاّمركزية، يمكننا توقّع أن تستمرّ في شنّ الهجمات بدرجات متفاوتة من القدرة التّنظيمية، وذلك عندما يتمّ طرد التّنظيم من الأراضي الّتي يسيطر عليها.

ثالثا: تهديد مستمرّ
صرّح الجنرال ماكفارلاند في آخر مؤتمر صحفي له بأنّه بمجرّد تحرير الموصل، سيتقلّص وجود “داعش” في العراق إلى “جيوب متناثرة من المقاومة”، ولكن حتّى مع سقوط “داعش” كخلافة إقليمية، فإنّ مقاتليها سيشكّلون تهديدا، إمّا للمنطقة، أو لبلدانهم. وسيعود “داعش” منظّمة إرهابية متطرّفة، ولكن بقدرات عمليّاتية أفضل بكثير، نظرا للخبرة الّتي اكتسبها مقاتلوها في القتال في سوريا والعراق.
وقد تنبّأ بذلك الجنرال ماكفارلاند، إذ أكّد أنّ “النّجاح العسكري في العراق وسوريا لن يعني بالضّرورة نهاية داعش”، إذ إنّه:”يتوقّع إمكانية تكيّف العدوّ وتحوّله إلى قوّة متمرّدة ومنظّمة إرهابية حقيقية قادرة على شنّ هجمات مروّعة كالّتي وقعت في 3 جويلية 2016 في بغداد، وغيرها من الهجمات الّتي شهدناها حول العالم”.
ويدعّم ذلك إقرار العدناني باحتمال فقدان “داعش” لكلّ أراضيها، ولكنّه وعد بأنّها ستعود بقوّة، وهو ما قد يعني قيامها بعمليات إرهابية مروّعة للحفاظ على مكانتها وسط التّنظيمات الإرهابية.
ويمكن إرجاع صعوبة القضاء على تنظيم “داعش” تماما إلى نجاحه في إقامة “دويلة إسلامية متوهّمة”، وهو ما قد يحافظ على شعبيّتها بين المتطرّفين، خاصّة أنّها القوّة المتطرّفة الوحيدة الّتي سعت لإقامة خلافاتها المتوهّمة منذ عشرينّيات القرن الماضي، وبالتّالي فإنّ مؤيّديها قد يستمرّون في الدّفاع عنها حتّى موت آخر فرد منهم، ففي حين قامت القاعدة على أساس تنظيم نخبوي تقوم بشنّ عمليات إرهابية، نجد أنّ “داعش” قامت بالأساس كحركة اجتماعية سياسيّة.
ويتمثّل السّبب الثّاني في أنّ العوامل الّتي ساهمت في نشوء “داعش” أو غيره من التّنظيمات المتطرّفة في المنطقة لاتزال قائمة، وتتمثّل هذه الأسباب في استمرار الصّراعات الإقليمية، فضلا عن حالة الاضطرابات الّتي شهدتها المنطقة في أعقاب الرّبيع العربي في عام 2011، والّذي تفجّر نتيجة وجود شريحة كبيرة من الشّباب غير الرّاضين عن نظم الحكم والحكومات القائمة، نتيجة لفسادها وعدم قدرتها على إحداث النّموّ الاقتصادي أو توفير الخدمات الأساسية…
وعلى الرّغم من رفض الغالبية العظمى من الشّباب العربي لـ”داعش”، فضلا عن إيمانهم بحتمية إخفاقها في إقامة خلافة إسلامية، فإنّ التّنظيم يستغلّ المشاكل القائمة بالفعل، فـ”داعش” هو مجرّد عَرَض من أعراض مرض متنامٍ يجب معالجته، وليس هو المرض نفسه”، ونواة هذا المرض هي إخفاق بعض الحكومات في منطقة الشّرق الأوسط عن النّهوض بوظائفها.

رابعا: خيارات محدودة
ومع استمرار تقهقر “داعش” وعودة المقاتلين المنتمين للتّنظيم إلى بلادهم، فإنّ التّنظيم سوف يلجأ حتما إلى تنفيذ عمليات
إرهابية، ولذا من المرجّح أن تشهد دول الشّرق الأوسط، وتليها الدّول الأوروبية، الجانب الأكبر من الهجمات مع انهيار تنظيم “داعش”، والقضاء على معاقله. وسوف تتركّز غالبية الهجمات الإرهابية للتّنظيم في الدّول الّتي تشهد صراعا طائفيا بين السّنّة والشّيعة، وهو ما يرتبط بتقديم “داعش” نفسه باعتباره جماعة سنّية تطمح لإقامة دولة، وبالتّالي فهو يناوئ النّظم الشّيعية في المنطقة، كإيران وسوريا والعراق، أمّا في الدّول الغربية، فمن المتوقّع أن يأخذ نمط العمليات الإرهابية نمط الإرهاب الفردي أو إرهاب الذّئاب المنفردة، إذ إنّه من خلال تحليل الهجمات الإرهابية لـ”داعش” في الغرب، نجد أنّ أغلب القائمين عليها ليسوا على علاقة وثيقة بـ”داعش”، بل من المتعاطفين مع التّنظيم. وعلى الجانب الآخر، يظلّ هناك احتمال آخر، وهو انتقال التّنظيم إلى معاقل أخرى، فقد سمح الفراغ السّياسي في المشرق العربي لـ”داعش” بالازدهار في وقت قصير.
ولاتزال هناك مساحات شاسعة من الأراضي الّتي لاتزال الحكومات عاجزة عن السّيطرة عليها في منطقة الشّرق الأوسط، وبالتّالي فإنّه بإمكان “داعش” اللّجوء إليها مؤقّتا إذا ما أُجبرت على الخروج من معاقلها الرّئيسة في سوريا والعراق.
ويرتبط ذلك بما يمكن تسميّته بـ”فشل الدّولة الممتدّ” أي استمرار عجز الدّولة Protracted State Failure عن القيام بوظائفها الأساسيّة، على نحو ما هو قائم في كلّ من سوريا والعراق وليبيا واليمن، وغيرها من الدّول الشّرق أوسطية، وإن بدرجة أقلّ، ويخلق هذا الوضع البيئة المناسبة لـ”داعش” لإيجاد مناطق جديدة تحتلّها حتّى بعد تحرير الموصل والرّقّة. وسيبقى خطر ظهور “داعش” مرّة أخرى على المدى الطّويل في سوريا والعراق كبيرا، على نحو ما تكشفه التّجربة العراقية مع تنظيم القاعدة في عام 2008، طالما أنّه لم يتمّ القضاء على الأسباب الّتي سمحت للتّنظيم بالتّمدّد في البداية، والّتي يأتي في مقدّمتها التّهميش والإقصاء لفئات من المجتمع.
إنّ الانتصار الحقيقي على التّنظيمات الإرهابية لا يمكن أن يتحقّق، إلاّ من خلال حثّ السّكّان المحلّيين على مقاومتها، كما
توضّحها الدّروس المستفادة من تحرير مدينتي سرت اللّيبية والأنبار العراقية، ويساعد على ذلك جزئيا وحشية التّنظيم تجاههم، وحينها فمن المتوقّع أن ينحسر التّنظيم في المساحات الخالية من السّكّان، والّتي يصعب على الحكومات بسط سيطرتها عليها، كالصّحارى الشّاسعة في منطقة السّاحل والصّحراء في شمال أفريقيا والمناطق الجبلية في شبه جزيرة سيناء، والّتي ستمثّل حينها الملاذ الآمن لقيادات التّنظيم عقب خسارة التّنظيم معاقله الرّئيسة في سوريا والعراق وسرت.

خامسا: عودة القاعدة

يعني انكماش الأراضي الّتي يسيطر عليها “داعش” ونهاية خلافاته المتوهّمة أنّ القاعدة ستستعدّ لتصدّر المشهد الجهادي من جديد بعد أن تراجعت مكانتها بصورة كبيرة عقب ظهور تنظيم “داعش”، وهناك عدّة مؤشّرات على ذلك منها الانهيار الوشيك لـ”داعش” في ليبيا عقب العمليّات العسكرية ضدّه هناك فضلا عن تراجع تمدّد “داعش” في باكستان وأفغانستان بسبب وجود تنظيمات متطرّفة مناوئة للتّنظيم هناك، خاصّة تنظيم القاعدة، فضلا عن امتلاك الأخير أتباعا أكثر عددا وأقوى في القارّة الأفريقية.

وحتّى بالنّسبة للتّنظيمات الّتي كانت تتبع تنظيم القاعدة في أفغانستان، ونقلت ولاءها إلى “داعش” عقب النّجاحات الميدانية الّتي حقّقها في سوريا والعراق، وإعلانه الخلافة، مثل تنظيم بوكو حرام في نيجيريا عام 2015، ثمّ تنظيم القاعدة في المغرب العربي وتنظيم الشّباب في الصّومال، فمن الملحوظ أنّ المبايعات كانت شكليّة بدرجة كبيرة، إذ لم يترتّب عليها أيّ تعاون بين تنظيم “داعش” الأمّ، وتلك التّنظيمات الّتي انضوت تحت لوائه.
ومن المتوقّع بسقوط خلافة “داعش” الوهمية، أن تتراجع تلك التّنظيمات عن مبايعتها له، وتعود إلى راية تنظيم القاعدة مرّة أخرى، بل وقد لا يكون أمام “داعش” خيار سوى العودة لوضعه السّابق كشريك صغير لتنظيم القاعدة، أو حتّى انشقاق بعض عناصره وانضمامهم للقاعدة.
أمّا فيما يتعلّق بإعلان زعيم جبهة النّصرة أبو محمّد الجولاني في جويلية 2016 وقف العمل باسمها وتشكيل جماعة جديدة باسم جبهة “فتح الشّام”، وفكّ ارتباطها بتنظيم القاعدة الأمّ في أفغانستان، فإنّ هذه الخطوة لم تكن إلاّ إجراءً شكليا، فقد صرّح زعيم جبهة النّصرة في تسجيل مصوّر أنّه “على المعارضة أن تسدّ الذّريعة الّتي تتحجّج بها القوى الدّولية – بما فيها الولايات المتّحدة وروسيا – لقصف السّوريين”، أي أنّ الانفصال كان خطوة مدروسة لتجنّب الضّربات الجوّية للدّولتين، خاصّة في ظلّ تزايد الاحتمالات بقيامهما بعمليات مشتركة ضدّ الجماعات الإرهابية في سوريا، فضلا عن محاولة الجبهة نسج تحالفات مع جماعات المعارضة المسلّحة الأخرى في سوريا.
وعلى الجانب الآخر، فإنّ مباركة قيادة القاعدة الانفصال، تؤكّد أنّ الانفصال لم يكن سوى إجراء شكلي، ولكنّه يكشف كذلك عن مدى مرونة القاعدة، ففي الوقت الّذي يحارب “داعش” فيه أيّ جماعة لا تبايعه، ويسقط عنها الشّرعية، تبدي القاعدة اختلافا تكتيكيا، وتظهر استجابتها للتّفاعلات المحلّية.
فالقاعدة تؤمن بإقامة “تحالفات قويّة مع الجماعات المحلّية، قائمة على القتال والتّدريب المشترك، كما يتّضح في علاقة تنظيم القاعدة الأمّ بطالبان في أفغانستان، أو جبهة النّصرة بغيرها من الجماعات المتطرّفة في سوريا، وهو ما يساعدها على البقاء، وذلك على خلاف “داعش”.
ومن جهة أخرى، فإنّ القاعدة تمتلك خبرة أفضل في كيفية التّعامل مع السّكّان المحلّيين، فعلى الرّغم من إيمانها بأفكار متطرّفة، فإنّهم يتعاملون بطريقة ليّنة معهم على عكس تنظيم “داعش”، والّذي تجاهل مرارا أوامر القيادة المركزية لتنظيم القاعدة الأمّ في باكستان بالحدّ من وحشيّتها كي تكسب قلوب وعقول العراقيّين، وذلك حينما كان “داعش” ولايزال يتّبع التّنظيم الأمّ في باكستان، وكان يسمّى “تنظيم القاعدة في العراق”.
وفي الختام، لا يكون من قبيل المبالغة القول إنّ الفترة القادمة سوف تشهد عودة القاعدة لتصدّر المشهد الجهادي، وأن تتراجع العديد من التّنظيمات الإرهابية المحلّية عن مبايعتها لـ”داعش”، وتعود لراية القاعدة مرّة أخرى، ولن يكون أمام دول المنطقة من سبيل للتّخلّص من ظاهرة التّطرّف العنيف، إلاّ من خلال وقف الصّراعات المسلّحة وشروع دول المنطقة في برامج للإصلاح الاقتصادي والسّياسي.

=====================================================================

 الآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء الكاتب ولا تمثّل بالضّرورة رأي موقع “لحظة بلحظة”

=====================================================================