أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لن نظفر بأكثر من حكومة تصريف أعمال

لن نظفر بأكثر من حكومة تصريف أعمال

Spread the love
الأستاذ زهيّر إسماعيل

كثيرون تحدّثوا ويتحدّثون، في توصيفهم للمشهد، عن أنّنا أنجزنا “اِنتقالا سياسيّا” ولم ننجح في إتباعه بـ”اِنتقال اِقتصادي اِجتماعي”.
ويبدو لنا هذا التّوصيف “عاميّا” لذلك سهُل قبوله من الرّأي العام، فضلا عمّا يسنده من مدعّمات ممّا تحقّ من دستور ومن نظام سياسي جديد ومن مؤسّسات.

الاِنتقال الاِقتصادي الاِجتماعي أو الشّروع في مواجهة الأزمة الاِقتصاديّة الاِجتماعيّة مشروط بإنهاء “الاِنتقال السّياسي” أو ما نسمّيه “العركة السّياسيّة”. وعدم إتمام هذا الاِنتقال جعل كلّ الحكومات منذ 2011 هي “حكومات تصريف أعمال. والقول بأنّ الجهة الحزبيّة الفلانيّة قد حكمت أو شاركت في الحكم لا يعدو أن يكون من “المجاز السّياسي”.
وقد أشرنا في أكثر من مناسبة إلى أنّ السّبب العميق لهذا الوضع السّياسي الهشّ لا يعود إلى القانون الاِنتخابي ولا إلى خصائص النّظام السّياسي. فلو أمكن لجهة سياسيّة أن تكون لها أغلبيّة مطلقة فإنّها في هذه الشّروط لا تستطيع الحكم وليس متاحا لها أكثر من تصريف للأزمة وذلك هو مضمون “تصريف الأعمال”.

يعود هذا الوضع إلى غياب قاعدة سياسيّة واسعة للحكم وهدنة اِجتماعيّة سياسيّة، وإلى تذرّر السّلطة بعد أن كانت ممركزة في يد المستبدّ المافيوزي، وإلى اِنفصال الحكم عن السّلطة، فالّذي يُفوَّض للحكم ـ وإن بأغلبيّةـ لا يتوفّر بين يديه نصيب السّلطة الكافي للحكم وإنفاذ السّياسات. فالحكم مفوّض إلى من اُنتُخِب ولكنّ السّلطة موزّعة بين مراكز قوى متعدّدة منها الحزب أو الاِئتلاف المفوّض اِنتخابيّا للحكم والمنظّمة النّقابيّة ومنظّمة الأعراف وبنية الإدارة ولوبيّات المال والأعمال وجماعات الضّغط الموازيّة…
توزّع السلطة وسيلانها بين هذه الجهات يمنع توفّر النّصيب الضّروري منها للحكم. وهذا هو الحال الّذي نعيشه، فالأمر لا يتعلّق ببرامج على أهمّيتها ولا بمنوال تنمية على ضرورة إعادة صياغته… المشكلة سياسيّة بالأساس.
بهذا المعنى يكون “الاِنتقال االاِقتصادي الاِجتماعي” بما هو تنمية محليّة شاملة مستدامة وبما هو رأب للصّدع الاِجتماعي مشروطا بالـ”السّياسي” أي باِستكمال الاِنتقال السّياسي.

لذلك فإنّ أيّا كان رئيس الحكومة وأيّا كانت تشكيلتها فإنّنا لن نطمع بأكثر من “حكومة تصريف أعمال”. ويزداد هذا التّقدير تأكّدا مع غياب الاِعتراف الشّامل بين الفاعلين السّياسيين واِستمرار المعارك الوجوديّة وبروز “الصّراع الرّئيسي” بين الإسلاميّين والمكوّن الفاشي من حزب الدّستور على السّطح من جديد. وهو صراع لم تطمسه التحوّلات الّتي عرفها سياقنا مذ 2011. فبعد أن كانت بعض المكوّنات السّياسيّة الإيديولوجيّة الوظيفيّة في فترة الاِستبداد بمثابة “الإله الخفيّ” لنظام حزب الدّستور ثمّ لنظام حزب التجمّع تقول في موضوع الهويّة والإسلام ما لا يستطيع أن يقوله النّظام في إعلامه وفي المشهد السّياسي الّذي يتحكّم في كلّ تفاصيله. وكان بوليس النّظامين الدّستوري والتجمّعي يقوم بما لا تستطيع القيام به تلك المجموعات الإيديولوجيّة الوظيفيّة في قمع الإسلاميّين (مجزرة منّوبة 82، مع بن علي صار بعضها جزءا من منظومة التّعذيب: الوطد نموذجا)

اليوم يتغيّر الدّور فيصبح المكوّن الفاشي لحزب الدّستور هو “الإله الخفيّ” لـ”القوى الدّيمقراطيّة الاِجتماعيّة” والقوميّة (بعد شبه اِندثار التيّار الماركسي من التّمثيل السّياسي وفشل في مهمّته من خلال قصّة التّنظيم السرّي) يقول ما لا تستطيع قوله في خصمها الإسلامي. وتقوم الكتلة بتصويتها في البرلمان بما تعجز عن فعله عبير بمفردها (صندوق الزّكاة، إسقاط حكومة الجملي).
وقد علّى الحزب الدّستوري الحرّ السّقف على كثير من هواة البعبعة في مجلس النوّاب. فلا هم تصدّوا لهذا الحزب الفاشي المهدّد للدّيمقراطيّة ولما أقيم من مؤسّسات النّظام السّياسي وفي مقدّمتها المؤسّسة التّشريعيّة، ولا هم تمكّنوا من مجاراة “عبير” في خطابها “الجذري”. فقد “غلّت” عليهم الخبزة.

إنّه منتهى السّباب الّذي ليس بعده إلاّ “كشف العورة”… حتّى أنّ نائبة من الكتلة الدّيمقراطيّة لم تجد ما تقوله في مجاراة عبير في عنفها الخطابي إلاّ أن تعتبر تهجّم عبير على رئيس البرلمان وسبّه “تثبيتا له” في موقعه الّذي لا تريده النّائبة أن يكون فيه.
ولكن لم يكن خطابها أقلّ بذاءة من عبير واِنفصاله عن أدنى شروط الخطاب السّياسي لنائب في البرلمان… وهم يعرفون بينهم وبين أنفسهم أنّ هذه “الشّجاعة المتّقدة” في مواجهة الغنّوشي غابت في مواجهة الباجي رغم ما أتاه من تجاوزات، وكان يبلبل عليهم وهم وجُومٌ. مع الباجي “يلبدوا” ويتوخّون الخطاب السّياسي “المتّزن” ( وهذا هو المطلوب في كلّ الحالات من نائب أو سياسي يحترم نفسه)… الشّجاعة تحضر وتغيب…

ويتعقّد المشهد مع رئيس برلمان عاجز عن تسيير الجلسات العاديّة للبرلمان ومصرّ على الخلط بين الصّفة الحزبيّة وصفته رئيسا للبرلمان في الشّأن التّونسي الدّاخلي (مفاوضات تشكيل الحكومة والخارجية). وهو أكثر إصرارا على تطييح قدره وقدر مثل هذه المؤسّسة، والإساءة إلى مطلب نضالي رفعته الحركة الدّيمقراطيّة والمعارضة السّياسيّة ومنها حركته: الفصل بين الحزب والدّولة.

فمن المستحيل الفصل بين صفة رئيس برلمان وصفة رئيس حزب في لقاء الأستاذ راشد الغنّوشي بأردوغان. وإن كانت المعارضة الدّيمقراطيّة المناهضة لحفتر لم تنتبه إلى ضرورة التّفريق بين خطأ رئيس البرلمان بالجمع بين الصّفتين وأهميّة الدّور التّركي موضوعيّا في إيقاف الزّحف على العاصمة طرابلس، وفي خدمة “الحلّ السّياسي”، وإيقاف القتال وتقدّم حفتر العسكري المتخلّف المدعوم من الثّورة المضادّة (مصر، الإمارات، السّعوديّة) والمهدّد المباشر لسلمنا وأمننا. وهو الوضع الأقلّ خطرا على تجربتنا الدّيمقراطيّة وعلى بلادنا.
هذه الخلافات الدّاخليّة وحول ما يتفاعل في جوارنا الّتي تشقّ الأحزاب والفاعلين السّياسيين والاِجتماعيين هي الّتي تمنع “الاِنتقال الدّيمقراطي” من الوصول إلى غاياته للتفرّغ لإعادة بناء البلد المهدّم…

مرّة أخرى وللشّروط المذكورة لن نظفر بأكثر من حكومة تصريف أعمال… ونجتهد في أن تكون هذه الحكومة من أسباب اِستكمال الاِنتقال السّياسي و”العركة السّياسيّة”… ذلك هو الأفق الأقرب…