أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لماذا يهرب نهضويّون من الإقرار بالأزمة إلى اِحتفاء بنصر؟

لماذا يهرب نهضويّون من الإقرار بالأزمة إلى اِحتفاء بنصر؟

Spread the love

الأستاذ الهذيلي منصر

لماذا يهرب نهضويون من الإقرار بالأزمة إلى اِحتفاء بنصر؟ ببساطة لأنّ من لا يقدر على الأزمة يهرب منها. هذا مطلقا، أمّا تفصيلا فهناك من يتقمّص الدّور ويكون حيث يُطلب منه أن يكون أكانت أزمة أم لم تكن أزمة. هناك أيضا من تترتّب له مع الوقت مصالح وأبّهة وليس منتظرا أن يضيّع هذا أو بعضه بسبب أزمة. الأخطر تربويّ وفي تربية جلّ الإسلاميّين أنّ الله معهم لأنّهم مع الله أو هكذا يحدّثون أنفسهم. عقل لا يرى أزمة فكيف إذا كان المطلوب إبداع حلول لها.

لمّا اِنطلقت حركة الإسلاميّين قدّمت نفسها نصيرا للمجتمع بمواجهة دولة تزدري المجتمع وتهمّشه. بهذا حشد الإسلاميّون وجمعوا الأنصار وأنفقوا من عرق ودم منتسبيهم. لم ينجحوا في الاِختراق بهذا لأسباب يطول التّفصيل فيها. ولكن هل يعني هذا الفشل أن يتحوّل الإسلاميّون من رهان على المجتمع والنّاس إلى رهان على الدّولة؟ أسأل لأنّ هذا ما أراه ويراه غيري من دون كثر عناء.

هل القصد أنّ الدولة أصبحت جيّدة لأنّها ما عادت مستبدّة والدّليل أنّ النّهضة تشكّل حزبا وتشارك في السّلطة؟ الدّولة ليست رأس سلطة وكفى. الدّولة هندسة وسياسات وتوجّهات، فهل القصد أنّ هذه الدّولة في أفضل أحوالها لكي لا يكون ضغط مجتمعي عليها بما يغيّرها جدّيا؟ فكّت الحركة الإسلامية عمليّا اِرتباطها بالقاعدة المجتمعيّة وذهبت تبحث عن صيغة توافق مع الدّولة خوفا منها. أمّا الدّولة فيستهويها هذا التّوافق لأنّه يمنع عنها غضبة مجتمع حضر فيه وإليه الإسلاميّون فترة طويلة. هذا التّوافق لا علاقة له بالمجتمع إلاّ لجهة خصيه ومنع ردّات فعله. كلّ علاقته بالدّولة حرصا على إدامة المسك بها أو طمعا في بلوغها أو بلوغ فتاتها.

هذا التحوّل في المقاربة والسّلوك بين الإسلاميّين من حسمه فقرّره ونظّر له وسار فيه؟ لقد كان قياسيا في الوقت وحدّيا ومثّل نقلا كيفيّا نوعيّا يفتح على اِستتباعات معقّدة لا حصر لها. يفترض في اِنتقال كهذا أن يسبقه جهد فكري وتأصيلي ومراجعات واِستشارات تطول وتتشعّب حتما. لم يكن من هذا إلاّ تمويها. هذا الاِنتقال فرضه خوف داهم سبّبه الاِنقلاب الدّامي على مرسي. كلّ ما يحتجّ به خارج عامل الخوف من التّبرير ليس أكثر. هنا مشكلة، فمن ناحية لا يمكن للمرء أن ينفي مقصد حفظ النّفس وأثر الخوف وتحديده للسّلوك ولكن ليس بوسع المرء أن يغفل عن واقع أنّ تيّارا سياسيا يحرّكه الخوف لا يقدّم للنّاس شيئا بل يضرّ بهم لأنّه سيبتزّ ضرورة وعلى الدّوام ويدفع النّاس بسبب ذلك باهض الأثمان. الطامّة الكبرى أنّ السّلوك المحكوم بالخوف سيفرض على الإسلاميّين لعب أدوار قبيحة، فلا قيمة للإسلاميّين بعين الدّولة والمتحكّمين فيها إلاّ بقدر نجاحهم في تخويف من تخاف منهم الدّولة وهم النّاس.

شيئا فشيئا سيدفع الخوف من الدّولة الممزوج بطمع فيها الإسلاميّين إلى تخويف النّاس. حجّتهم لذلك جاهزة، فالدّولة الّتي خوّف الإسلاميون النّاس منها وقدحوا في عقيدتها واِستقلالها قمعت الإسلاميّين، أمّا الدّولة الماثلة فتختلف لأنّها لا تقمع الإسلاميّين. الخوف يحكم كلّ سياقنا السّياسي تقريبا: خوف النّاس من الدّولة وخوف الدّولة من النّاس، وخوف الحكم من المعارضين وخوف المعارضين من الحكم إلى ما لا نهاية له من خوف. لا يفهم سياق كهذا إلاّ بالعودة إلى مرحلة التّأسيس الّتي تلت الحقبة الاِستعمارية. لم يخرج المستعمر من هنا إلاّ وقد ثبّت ماكينة الخوف وبها يحكمنا ولا يزال. من المسؤول الكبير يأتي الخوف الأكبر ومنه يسري بيننا ونحمّل تبعاتها هذا وذاك.

آلة خوف هذه تدعّمها آلة طمع والبلد لا يفتأ ينتظر أقساط قروض لضمان جرايات الموظّفين. تبدو لي الحلقة مفرغة. مثّل الإسلاميّون محطّة أمل في الخروج منها ولكنّ آلَتَيْ الخوف والطّمع أتت عليهم. أرى أنّ المجتمع يتجاوزهم رغم ما يظهرون من فرح بالفوز الاِنتخابي. بين 2011 و2018 خسر الإسلاميّون مليون صوت وسيخسرون أكثر. يتجاوزهم إلى تيّار لم يتبلور بعد ولكنّ تصدّره حتميّ. كيف يكون هذا التيّار وكيف تكون مفرداته وأولويّاته؟ هذا ليس معلوما بعد ولكنّ من المفيد لهذا التيّار أن يتدبّر مسيرة الإسلاميّين وأن يعلن عن نفسه بداية بلعن المسؤول الكبير علّه يفلح في تعطيل آلة الخوف وآلة الطّمع.