أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لماذا نحبّ الجزائر وعافيتها؟ أمّ الصبيّ وسيّدة الإقليم

لماذا نحبّ الجزائر وعافيتها؟ أمّ الصبيّ وسيّدة الإقليم

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

لا تصل علاقتنا كتونسيّين بالجزائر إلى نفس دقّة علاقة اللّبنانيين بسوريا نظرا لاِختلاف المنطقتين العربيتين على مستوى المواجهة مع العدوّ مشرقا ومغربا لكنّها على كلّ حال كانت باِستمرار علاقة “جدّية” لا مكان فيها للعبث ولعب “الصّغار” وأوهامهم.

أن تكون وقعت في تونس ثورة كشفت وضع الخراب الّذي تعيشه “القديمة” التّونسية ووضع الضّعف والمحدودية الّذي تبدو عليه الطّبقة السّياسية الجديدة في الرّؤية والتّقدير فذلك لا يبرّر حجم “السّذاجة” و”الاِندفاع” “المفتوح على شهوة الثّورة” الّذي يحلّل به البعض الوضع الجزائري خصوصا حين يتقاطع هذا الاِندفاع مع الشّحن المفضوح الّذي تعتمده وسائل إعلام العربان الخلجانيّين وتدسّه قنوات فرنسا الاِستعمارية.

الجزائر تعيش تحوّلا مهمّا وطبيعيّا لجسم حيّ يمثّله شعب تشبّب وتطوّرت طموحاته بشكل عادي في سياق وطني لم يخالطه غبار منذ معركة تحرير وطني حقيقية. لذلك لن يكون الجزائريون في حاجة إلى دروس من أحد ولا يبدو أحد أقدر من المحلّلين والكتّاب والإعلاميين الجزائريين على فهم الكيمياء الجزائرية.

أتصوّر أنّ ما يملكه أمثالنا من الكتّاب والمتابعين التّونسيين هو فهم أين تكمن “مصلحتنا” من مجريات ومخرجات الشّأن الجزائري وسيكون الجواب بلا تردّد هو أن تظلّ الجزائر كما كانت باِستمرار قويّة منيعة وحارسة لمغرب الشّعوب والاِستقلال والعروبة في مواجهة المؤامرات الّتي تستهدفه.

النّخب الجزائرية وعموم أشقّائنا من الشّعب الجزائري يعرفون مقدار ما يحتاجون إليه من “ديمقراطيّة” و”تداول” و”حرّيات” ولا يبدو النّشطاء التّونسيون قديمهم وجديدهم في موقع “النّاجح” في هذه الطّلبات والتّجارب حتّى يقدّم درسا للجزائريين. كيف ذلك؟

ما يضحكني حقّا أن أقرأ أو أسمع لأحد الكارهين للثّورة التّونسية من أنصار المخلوع وهو يدعو بالسّلامة للجزائر دولة ونظاما وهو يلمّح أنّ خوفه على الجزائر نابع من خوفه أن تشهد نفس مصير تونس وكأنّه يريد إقناعنا فعلا أنّ النّظام المافيوزي للمخلوع بن علي شبيه بالدّولة والنّظام الجزائري الّذي لا نريد تصدّعه فعلا ونتمنّى أن يمرّ بتحوّلاته الرّاهنة بسلام.

وما يصيبني بالقرف أن أقرأ أو أسمع لبعض أنصار الثّورة التّونسية وهم يعبّرون عن أمانيهم في أن يروا أحداث الجزائر تذهب إلى نفس مسارات “الثّورة” التّونسية وكأنّهم يتصوّرون أيضا أنّ النّظام الجزائري ودولته هي مثل نظام بن علي ومنظومته المتصدّعة.

النّظام/ الدّولة الجزائرية وبقطع النّظر عن حوادث التطوّر والتغيّرات الّتي طرأت هي نظام/ دولة وطنية جاءت نتيجة معركة تحرير وطني فعليّ جعل الجزائر باِستمرار واحدة من دول عربية قليلة تجسّد فيها اِستقلال القرار الوطني والاِنحياز الشّجاع لقضايا الأمّة، ومن الدّول القليلة الّتي تستطيع أن تتباهى بأنّ ثروة الجزائريين قد كانت في خدمة كرامتهم من خلال دولة اِجتماعية راعية لبّت مطالب النّاس للعيش في وضع معقول من الدّيمقراطية الاِجتماعية الظّاهرة.

على الصّعيد الثّقافي تبلورت في الجزائر تجربة توافق عفوي أو ضمني بين أهمّ عرقيّتين وبين تيّارات ثقافية تراوحت بين التّحديث والمحافظة أدّت إلى تعايش داخل وطن لم يتنصّل من عروبته وإسلامه ولم يقمع تيّارات المشاكلة أو التّماهي مع حداثة من وراء البحار.

حتّى على المستوى الحقوقي والسّياسي يقف المرء مندهشا من المعادلة الّتي اِعتمدها النّظام/ الدّولة في أحلك فترات عشريّة المواجهة مع جبهة الإنقاذ الإسلامية والّتي وصلت إلى المواجهة المسلّحة، ومع ذلك لم تعرف الجزائر ما مارسه نظام التّعذيب والإجرام النّوفمبري مع العائلات والقواعد والقيادات الوسطى ومع الثّقافة والخيارات التّربوية أثناء مواجهته مع النّهضاويين.

صباح الثّورة التّونسية، وعلى عكس الخطاب التّهديدي المرعب الّذي وجّهه العقيد القذّافي للشّعب التّونسي، تصرّفت الجزائر العظيمة مثل أمّ الصبيّ العاقلة والرّشيدة كسيّدة للإقليم كما كانت دوما وكانت “مرافقتها” و”اِستصحابها” للاِنتقال التّونسي المتعثّر خير حافظ لتونس من الذّئاب المتربّصة بنا في وضع كان فيه الشّعب التّونسي سنوات 2012 و2013 بين كمّاشة فلول قديمة مغامرة متعطّشة للدّم ومستعدّة لكلّ مظاهر الاِرتهان والعمالة وبين غباء بعض طبقة سياسيّة جديدة كاد بعضها أن يهلك التّجربة الثّورية التّونسية حين لم يدرك أن لا سند لتونس ثائرة أو مستقرّة إلاّ الجزائر شعبا ودولة…

لأنّنا نفكّر في الوطن الصّغير برؤية الوطن الكبير وندرك التّشابك الاِستراتيجي مع فضائنا… نحبّ الجزائر ونحبّ وندرك ونثق أنّها سالمة بإذن الله وأنّ شعبها ونخبها الوطنية يعرفون ما يصلح بهم وهو أصلا ما يصلح بنا…