أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لماذا اِنهزمت روسيا في أوكرانيا واِنتصرت في سوريا؟

لماذا اِنهزمت روسيا في أوكرانيا واِنتصرت في سوريا؟

Spread the love

الأستاذ محمّد قادري

لا بدّ قبل التطرّق إلى محور الموضوع من الإحالة على حقيقة إنسانية لا يمكن لأيّ غربيّ أن يتجاوزها، وإلاّ فإنّ الموت السّياسي هو المصير الوحيد والأوحد لمن يتجاوز هذه الحقيقة الّتي تجد بعدها في ثقافة الحياة.
وثقافة الحياة تأتي من اِحترام الإنسان وحقّه في اِختياراته الوجودية الّتي لا تنفصل عن اِختياراته السّياسية والفكرية والعقدية. لا يمكن أن نتصوّر أن يقع نفس عدد القتلى والجرحى والنّازحين واللاّجئين، ونفس الدّمار للعمران والبنيان والأراضي الفلاحية، وللذّاكرة التّاريخية الإنسانية، من آثار وفنون ومشاريع قديمة في بلد غربيّ. إنّ مجرّد وضع سيناريو بهذه الفجائعية والكارثية في ذهنية ومخيّلة الغربي، سواء كان مسؤولا أو فردا عاديّا، يعيد إلى أذهانهم فجائع مخلّفات الحربين العالميتين. وهما الحربان اللّتان كانتا سببا مباشرا في تعديل الدّساتير الأوروبية قاطبة وفي اِعتماد الهيئات الأمميّة لأجزاء كبيرة من ميثاق حقوق الإنسان الفرنسي النّاتج عن فكر الأنوار.
لكن في أيّ منطقة عربية يمكن أن تصل أعداد القتلى إلى الملايين، وهي إبادة عمليّة إبادة جماعية صريحة وواضحة حسب المواثيق الدّولية، وكذلك أعداد الجرحى واللاّجئين والنّازحين، وأن يصل مبلغ الدّمار إلى منتهاه وتمحى مدن، وضواحٍ ومناطق من على وجه الأرض، دون أن يتحرّك أحد لوقف هذه الكوارث وهذا الدّمار.
تتبّعنا فصول الأحداث الأوكرانية منذ البداية، وعليّ أن أعيد حادثة قتل أوكراني للاِشتباه فيه بكونه عربي بسبب سواد شعره، ليتّضح جليّا معنى أن تكون عربيّا، وقيمة العربيّ. لكن ما إن وصل عدد قتلى أوكرانيا إلى 24 أو 26 حتّى اِجتمع الآخر بشرقه وغربه ووسطه لوضع حدّ لإراقة الدّم الآري، وتوالت الاِستقالات من كبار مسؤولي الدّولة الأوكرانية، وتلعثمت روسيا في مساندة حليفها الاِستراتيجي، لكن ليس دون مقابل، فقد اِنهار النّظام الأوكراني وهرب الرّئيس مباشرة بعد لقاء وزيري خارجية روسيا والولايات المتّحدة الأمريكية. ممّا يعني أنّ اِتّفاقا سرّيا قد جرى تحت الطّاولة لترتيب الأوضاع المستقبلية لهذا البلد الحسّاس ذي الحدود المشتركة، بل نسبة كبيرة من الرّوس تسكن المناطق الشّرقية لأوكرانيا، وهذه ورقة جدّ رابحة لأيّ ترتيبات مستقبليّة لروسيا. لكنّ مربط الفرس هو إنهاء مسار الأحداث عند حدود الثّلاثين من القتلى.
ودون الخوض في الأغلبية البرلمانية الّتي اِنقلبت فجأة على رئيسه بنسبة كبيرة (328 نائبا من 450)، ودون الخوض في التّريتيبات المعدّة لهروب الرّئيس الأوكراني حينها، وإصدار قانون العفو عن الرّئيسة السّابقة المسجونة يوليا تموشنكو والّتي تتزعّم المعارضة وآخر الأنباء تقول أنّها تلقّت أموالا من النّظام اللّيبي السّابق، وتمّ حينها اِنتخاب المعارض الشابّ رئيسا لأوكرانيا. كلّ هذه الأحداث مرّت في أقلّ من أربع وعشرين ساعة. وهو ما يطرح على أيّ محلّل أكثر من سؤال. لكن بؤرة الموضوع منصبّة على سرعة إطفاء نار الحرب البينيّة في أوكرانيا، وتمديد أهوال الحرب العالمية في سوريا، رغم العدد اللاّمعقول من القتلى والجرحى والنّازحين واللاّجئين ومن مختلف الأعمار، ومن كلا الجنسين.
إنّ قراءة الحدثين السّوري والأوكراني يعطي صورة واضحة عن وضعنا في عالم اليوم، وعن قيمتنا في سلّم الإنسانية، وعن نوعيّة حكّامنا، ورهانات ما يسمّى بالمجتمع الدّولي ممثّلا في هيئات الأمم المتّحدة. فنحن لا نساوي إلاّ قدر ما تحتفظ به بطون الأراضي العربية من الثّروات الطّبيعية، بل إنّ هذه الثّروات أغلى عندهم من أهلها، وحكّامنا ليسوا إلاّ حرّاسا أمناء على بضاعة مرهونة لأسيادهم. ومن شاء الدّليل فأوكرانيا وسوريا أكبر دليل.
لا زالت المجازر، ولا يزال النّزوح والفجائع والتّدمير في سوريا إلى حدود السّاعة وما بعدها مستمرّا. ولا يبدو في الأفق القريب بصيص أمل لوقف هذه المأساة الإنسانية الّتي لم يشهدها التّاريخ الإنساني.
اِستطاع الغرب أن يتّعض من حربين عالميتين ويبني لنفسه سقوفا وموانع تحميه وتحصّنه من المضيّ قدما في القتل والذّبح والدّمار والتّهجير. ولكنّه حتما لن يفعل ذلك في البلدان العربية والإسلامية بل خرج منها بعد أن اِستعمرها واِستغلّ خيراتها عشرات السّنوات وترك فيها أنظمة من صنيعه ديكتاتورية عميلة دورها حماية نفوذه وقمع كلّ صوت يدعو للتحرّر وبناء دولة وطنية.
فالثّقافة الغربية ترسّخت على اِحترام الذّات، تكريس الحرّيات الأساسية للإنسان وحتّى الحيوان وإذلال العرب، أمّا الثّقافة العربية فتأسّست على العمالة والتّبعية وصناعة ما يسمّى بالزّعامات والدّمى والظّواهر الصّوتية.