أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة الأسد القصوى

لحظة الأسد القصوى

Spread the love

الكاتب السّوري عمر قدور

يمكن لنا وصف الأيّام الأخيرة بأنّها لحظة بشّار الأسد القصوى، فخلال يومين رحلت الفنّانة الثّائرة مي سكاف في منفاها في باريس، ثمّ قام تنظيم داعش بمهاجمة السّويداء وبعض قراها موقعا مجازر خلّفت مئات القتلى والجرحى، وفي غضون ذلك كانت تصل آلاف من أسماء الشبّان الثّائرين الّذين قُتلوا تحت التّعذيب في معتقلاته.

موت مي في باريس يعرفه جميع المنفيّين بوصفه دلالة لا تخفى عن القهر الّذي يعيشونه، وتكشف هذه الدّلالة شماتة موالي الأسد على وسائل التّواصل الاِجتماعي، وما تعرّضت له السّويداء قيل فيه ما يكفي للبرهان على أنّ التّنظيم يبتغي خدمة الأسد بما اِرتكبه من مجازر، وهذا ليس بجديد على الخدمات الّتي قدّمها له طوال سنوات الثّورة. أمّا الإعلان بهذا الزّخم عن أسماء القتلى تحت التّعذيب فلا يضاهيه من حيث الوقع سوى الصّمت الدّولي المطبق المرافق لجميع الجرائم.

أمثالنا، الّذين لم يؤمنوا يوما بشرٍّ مطلق، يحقّ لهم الآن القول أنّهم يعيشونه فعلا. عندما يفرج تنظيم الأسد مؤخّرا عن أسماء ألف معتقل قضوا تحت التّعذيب من داريّا وحدها، وهذه قد لا تكون الحصيلة النّهائية لتلك المدينة الصّغيرة، فنحن لسنا إزاء طرف متوحّش منتصر، نحن إزاء الشرّ الّذي لا يعترف مطلقا بما أنجزته الإنسانية خلال مسيرة طويلة من صراعها مع الهمجية. هذه ليست لحظة الاِنتصار مثلما يروّج لها البعض، هي في العرف الأسدي لحظة التشفّي المطلقة، اللّحظة الّتي يُراد بها سحقنا إلى أقصى حدّ. لحظة القهر هذه لا يُراد بها أيضا تأسيسٌ جديد للمملكة الأسدية، لأنّ أصحاب المملكة يدركون حدود سطوتهم الّتي لم تعد تتجاوز حقّا التلذّذ بما هو مسموح لهم من قتل السّوريين.

لا تدخل في السّياسة، ولا في مفاهيم الاِنتصار، محاولة إخضاع السّويداء بالمفاوضات الّتي حملت شروطا مذلّة أوّلا، وبعدها بالجريمة الدّاعشية. جريمة السّويداء، من وجهة نظر الأسدية، أنّها حاولت قدر المستطاع الحفاظ على نوع من التّوازن ضمن مجتمعها الصّغير. فهي لم تكن مدينة خارجة تماما عن السّيطرة، رغم وجود عدد كبير من شبابها الّذين اِصطفّوا مع الثّورة، ولم تكن مركز تشبيح على المناطق الثّائرة، رغم وجود الشّبيحة الّذين لم يسلم أبناء مجتمعهم من أذاهم. لم تخرج المحافظة عن السّيطرة الرّمزية لتنظيم الأسد في أيّ وقت، فقط توازنها المجتمعي “الّذي لا يخلو من بصيرة أحيانا” اِقتضى اِعتزال الحرب، ومحاولة ألاّ يكون أبناؤها قتلة أو قتلى. كان في وسع الرّوس والأسد إخضاع المحافظة تدريجيّا، وبمختلف أنواع الضّغوط النّاعمة بدل الأحقاد الّتي سترسم خريطة المستقبل.

نحن، ضحايا الأسدية، أكثر من يعلم طاقة الشرّ اللاّمحدودة فيها. للآخرين أن يحاولوا بعقل بارد تأويلها سياسيّا، وأن يجدوا لأفعالها نوعا من الجدوى، وفي حال عدم العثور على الأخيرة القول بأنّها تنفّذ إرادة خارجية تهدف إلى إغراق المنطقة بالأحقاد والحروب لزمن يطول. بينما نعرف أنّ المنفعة بمفهومها السّياسي المستدام هي طارئة على الأسدية، والتّحالف الّذي تقيمه مع أيّة فئة اِجتماعية لا يبيّت أساسا سوى الاِنقلاب عليها سريعا. هكذا كان حالنا مثلا مع التّحليلات الّتي ذهبت إلى أنّ تنظيم الأسد مدعوم من الطّبقة المدينية وبرجوازيتها، لتصنع له بذلك شيئا من السّياسة ومفهومها المجتمعي، في حين لا تفسّر هذه التّحليلات وقائع من نوع وصول سوريا إلى مستوى الإفلاس بسبب هرب ما تبقّى من رأسمال سوري إثر المواجهة مع الإخوان، ولا تفسّر هروب عشرات المليارات من الدّولارات “إن لم يكن الرّقم أعلى” مع الثّورة الحالية. مع التّنويه بأنّ هذا الرّأسمال كان قد تأقلم مع شروط التسلّط والفساد الأسدي، وقيمته تُضاف إلى الرّأسمال الّذي سبق له الهروب مع اِنقلاب البعث.

حال كذبة حامي الأقلّيات، أيضا التي كُتب فيها إلى حدّ الملل، لا يختلف عن ذلك التّحالف المزعوم مع البرجوازية المدنية. كلّنا كان يعلم أنّ مصير “الأقلّيات” عند أوّل فرصة لن يكون سوى القهر والقمع، وأنّ مَن رفض الشّراكة مع الأكثرية بثقلها المجتمعي لن يقبل بها مع أيّة أقلّية. مفهوم “حامي الأقلّيات” هو بذاته يدلّ على التّراتبية، إذ يشير إلى أقلّيات تتوسّل الحماية من سلطة فوقها، وفي وسع هذه السّلطة حجب الحماية متى شاءت. ونحن نعلم أنّ القرداحة نفسها “مدينة عائلة الأسد” لو ثارت عليه لن يتوانى عن البطش بها، وإذا كان للجانب العاطفي الّذي جسّدته وساطة الأمّ أن ترأف بمصير رفعت أمام أخيه حافظ، عندما أعدّ الأوّل نفسه للاِنقلاب على أخيه المريض، فإنّ القدر لم يرأف بصهر العائلة الّذي يُخشى من كونه منافسا فذهب قتيلا في ما يُعرف بتفجير خليّة الأزمة.

لن يسلم من هذا المصير جزء من شبّيحة الأسد، وقد تذهب تحليلات إلى أنّ تصفية أولئك الشبّيحة تتمّ بإشراف روسي، إمّا لكونهم يتبعون طهران، أو لأنّ وجودهم الفاقع يخدش الرّواية الرّوسية عن الحفاظ على الدّولة ومؤسّساتها. قد تحتمل تلك التّحليلات الصّواب، إلاّ أنّنا نعرف مصير الشبّيحة المرسوم من دون رعاية روسية، فعندما تنتفي الحاجة إلى الشبّيحة تتمّ تصفيّتهم بهدوء، وربّما بدعوى الإساءات الّتي يرتكبونها في حقّ “المواطنين”، أمّا الأساس في القصّة فهو تجريد زعماء التّشبيح من أحقيّتهم كشركاء في النّصر. العصابة الصّغيرة الحاكمة لا تقبل حتّى بمشاركة مجرمين صغار وإن كانوا أداتها في تحقيق بقائها، هي تقبل فقط بالعبيد الّذين لا يساورهم الظنّ ولو للحظة أنّهم اِرتقوا إلى مستوى المشاركة، وهي تعلن بأنّها قادرة دائما على تصنيع أولئك العبيد متى تخلّصت من دفعة سابقة منهم.

وسط لحظة الأسد هذه، الّتي لا يظهر ضوء في آخرها، من المستغرب أن يكون آخر ما كتبته الرّاحلة مي سكاف على حسابها في فايسبوك: “لن أفقد الأمل… لن أفقد الأمل.. إنّها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد”. الحقّ أنّنا لا نستطيع قول هذه الكلمات لأهالي الّذين قُتلوا تحت التّعذيب في داريّا وغيرها، لا نستطيع مثلا قولها لناشطة تدافع عن قضيّة المعتقلين أمام الرّأي العام العالمي، وسبق لها أن فقدت أخا تحت التّعذيب ليأتيها قبل نحو أسبوع خبر مقتل أخويها المتبقّيين في سجون الأسد. من حقّ أيٍّ منّا التّفاؤل أو التّشاؤم، أو المراوحة بينهما. لكنّنا من جهة أخرى، ونحن نعيش لحظة الشرّ القصوى، لا نملك حقّ الاِعتقاد أنّها النّهاية. الأسدية نفسها، الّتي أطلقت كلّ مخزونها من الشّرور، تجاوزت به أفق بقائها، وليس في وسعها أن تكون مستقبلا لغيرها أو لذاتها، ونعلم أنّها منذ سنوات في غرفة الإنعاش الدّولية والإقليمية بلا أمل واقعي بتعافيها أو اِتّفاق على مراسم دفنها. التّفاؤل وفق هذا المعيار هو اِبن المعرفة، مثلما اليأس اِبنها الآخر الخائب.