أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / كيف نعرف الأحزاب السّياسية في تونس حاليا؟ حيرة التّحليل السّياسي ولازمة “النّهضة”

كيف نعرف الأحزاب السّياسية في تونس حاليا؟ حيرة التّحليل السّياسي ولازمة “النّهضة”

Spread the love

 

من أعسر المهام الحالية أمام المحلّل السّياسي للخطابات الحزبية العثور على “جملة سياسيّة” فصيحة تمكّنه من تحديد الرّؤية والبرنامج السّياسي (السّردية.. الحكاية.. ستوري) الّتي تميّز حزبا معيّنا عن غيره.

التّثبيت (فيكساسيون) العصابي أو الذّهاني المفروض على خطاب “الضدّ نهضة” تبدو لازمة مسيطرة على خطابات أغلب الأحزاب ممّا يقتضي اِختيارا منهجيّا للمحلّل يتمثّل في اِعتماد تمييز حزب عن آخر عبر سؤال: ضدّ النّهضة في ماذا؟… وحده هذا السّؤال هو الّذي يمكّننا منهجيّا في الوقت الرّاهن من العثور على مدخل معقول للعثور على ما يميّز حزبا عن الآخر.

ليس لنا “حكم قيمة” على هذه اللاّزمة (ضدّ النّهضة) ولذلك لن نقيّمها أي لن نسأل إن كانت هذه اللاّزمة جيّدة أو سيّئة بل قد نسلّم بجدواها إذا اِكتفينا باِعتبار السّياسة بما هي صراع على السّلطة تتطلّب بناء برنامج منافسة الخصم الأكبر في معركة الحصول على السّلطة وإذا اِفترضنا أنّ مقارعة النّهضة هي الطّريق الأسهل براغماتيّا في صناعة “وجاهة” سياسيّة للحزب الّذي يرشّح نفسه للمنافسة على السّلطة أو إذا سلّمنا فرضا أنّ “المعركة الوطنيّة والدّيمقراطية” و”حماية البلاد” تقتضي منافسة النّهضة كما تزيّن بعض السّرديات الضدّ نهضاوية نفسها للنّاخب أو إذا أكّدنا أنّ “الذّكاء السّباسي” للإيحاء بالقوّة هو محورة البرنامج على “مقارعة الأقوى” بقطع النّظر عمّا سنمارسه مع هذا “الأقوى” من تحالفات أو تقاطعات بعد تحقيق “الوطر الاِنتخابي” من لعبة الاِستقطاب مع “النّهضة”.

حكم القيمة بالحسم في فساد هذا الأسلوب (بناء المشروع الحزبي على “ضدّ النّهضة”) يكون حين نكتب في مقتضيات المشروع الوطني المطلوب وليس هذا غرض هذا المقال الّذي يكتفي بالوصف “المحايد” للسّرديات الحزبية كمدخل منهجيّ لتصنيفها.

تبدو مشتقّات “المرزوقي” وحدها (مؤتمر.. وفاء.. حراك.. أنصار سبعطاش أربعطاش في صورتها المحضة ممّن يطلقون على أنفسهم اِسم الثّوريين).. هذه المشتقّات وحدها هي الّتي تثبت على “سردية القطيعة مع المنظومة القديمة” و”الثّورة المضادّة”. لا تحضر لازمة “ضدّ النّهضة” عند هذا الطّيف إلاّ من زاوية اِنتقادها بسبب “توافقها مع القديمة” وبشكل ضمنيّ يرتفع لدى هذا الطّيف منسوب المواجهة مع ما يعتبرونه مهادنة للفساد واِقترابا للقديمة الّتي تتّسع لدى بعض مدوّني وكتّاب هذا الطّيف إلى كلّ من تحالف معها أو ساعدها قبل وبعد 2014 بمن في ذلك بعض أطياف اليسار ووسطيّي “الدّيمقراطي الاِجتماعي”. تحضر مضاددة النّهضة عند هذا الطّيف على يسارها في الموقف من الثّورة والرّبيع العربي تونسيّا وعربيّا وعلى يمينها في مسألة الهويّة عند بعض أتباع هذا الطّيف رغم أنّ لهذا الطيف كتّابا يعمّقون تجديديّا في المسألة الثّقافية تمثّل إضافة في فكر حركة التحرّر العربي وأذكر كتابات الأصدقاء زهيّر إسماعيل ولمين بوعزيزي وعادل بن عبد الله و ن . العلوي ومجموعة الزرّاع مثل شهاب بوغدير وسعيد الجندوبي وليلى الحاج عمر وغيرهم إذ اِكتفيت بذكر من يمكن حملهم علنا على حملة الرّئيس المرزوقي في 2014.

يضمّ الطّيف الثّاني أحزاب مجموع شقوق المنظومة الفائزة في 2014، ولا ندري هل يجوز تسميّتهم بأحزاب “النّظام” أو “السّيستام” لأنّنا لا نعتبر تسميّتهم بالأحزاب الحداثية أو أحزاب الدّولة المدنيّة أو الأحزاب الدّيمقراطية تسمية محايدة وسنتنازل عن تسميّتها بأحزاب “القديمة” لما قد يوحي به هذا التّصنيف من اِنحياز إلى الطّيف الأوّل وهو أمر لا أصرّ عليه حاليا نظرا لتغيّرات حقيقيّة طرأت على مياه الأنهار كلّها. هذا الطّيف الثّاني أكثر الأطياف الحزبيّة إصابة بلازمة ضدّ النّهضة عبر تركيز واضح على المسألة الثّقافية الّتي يبدون فيها بكلّ وضوح أكثر اِنحيازا لسرديّة “اِستئصال هوويّ واضح” يريد اِستعادة الاِستقواء بالدّولة في مسار تحديث كولونيالي اِستشراقي عنيد رغم محاولته نسبة نفسه إلى “الحداثة الوطنيّة”. خطاب ضدّ النّهضة الّذي يصرّ عليه هذا الطّيف يبدو اليوم ضعيفا في الإقناع والتّعبئة على غير ما كان عليه في سنوات رعب 2012/ 2014 نظرا لسقوط مشروعيّته بعد الشّراكة في الحكم مع النّهضة. خطاب “ضدّ النّهضة” لدى هذه الأحزاب يبدو حاليا وسيلة صراع بيني تزايد به الشّقوق بين بعضها لاِفتكاك أكثر ما يمكن من القاعدة الاِنتخابية للنّداء الباجي الّتي فازت بها منظومة 2014 والّتي يبدو أنّ الشّقوق ستتقدّم إليها في 2019 متفرّقة. كما لا يبدو أنّ هذه القاعدة ستكون معنيّة جدّا بلازمة “ضدّ النّهضة” رغم المحاولات الإعلاميّة والتّواصلية الّتي ستتصاعد في الأشهر القادمة لإثارة الرّعب الضّروري لدى هذه القاعدة بما هو رعب وظيفيّ لازم ليصبح لسرديّة “ضدّ النّهضة” جدواها خصوصا وأنّ منظومة 2014 لا تملك في رصيدها بعد خمس سنوات من الحكم إلاّ هذه اللاّزمة لاِعتمادها في الدّعاية الاِنتخابية بعد الأداء الكارثي في إدارة الدّولة والإنجاز وفي الاِنفجار السّريع لشقوقها المتناهشة.

الطّيف الثّالث للمشهد السّياسي تتربّع في قلبه الجبهة الشّعبية، أكثر الأطياف ثباتا على سرديّة ضدّ النّهضة. وعلى عكس “المرزوقيّين” تماما يتوجّه اللّوم من الجبهة إلى منظومة 2014 بسبب حلفها مع النّهضة ليصبح الاِئتلاف الحاكم “يمينيا رجعيّا”. لكن قراءة مسار الخطاب الجبهوي وأدائها السّياسي منذ 8 سنوات يجعل “الضّمني” في خطابها ان يمينيّة الحكم ورجعيّته سببه “النّهضة” ما يسمح بالقول أنّ لازمة “ضدّ النّهضة” هي في الحقيقة ملكيّة حصريّة للجبهة ولا قيمة لهذه اللاّزمة عند الطّيف الثّاني أعلاه إلاّ بحجم الجهد الإعلامي والسّياسي الّذي تبذله الجبهة ليصبّ وظيفيّا لصالح منظومة 2014 النّدائية الباجية ممّا يجعل نقيضها “الثّوري” سياسيّا هي سرديّة “المرزوقيّين” رغم معاناة المرزوقيّين من عائق تطوير السّردية لتكون فعلا السّردية الحقيقيّة “لليسار الوطني” بديلا عن الجبهة والقديمة والنّهضة في نفس الوقت، وهذا من “مكر التّاريخ”.

طيف رابع لم يسلم من لازمة “ضدّ النّهضة” لكنّه سيكون أكثر المتضرّرين منها نظرا إلى أنّ “مشروعيّته الاِنتخابية” حزبيّا كان يجب أن تقوم على الخلاص من فشل “لازمة ضدّ النّهضة”. وفي هذا الطّيف يبرز التيّار الدّيمقراطي والجمهوري وحركة الشّعب كأحزاب كان يمكن أن تستثمر في ذكاء التحرّر من “لازمة ضدّ النّهضة” لتستفيد من بحث طيف اِنتخابي واسع وصامت يبحث عن سردية “تمايز” لا يصل إلى توتّر “مضاددة خاوية” ويذهب بالجدل السّياسي إلى قضايا “النّاس”. لكنّ شراسة وغلبة لازمة “ضدّ النّهضة” على الجدل أوقع هذه الأحزاب في “الفخّ التّواصلي” ليصبح البارز في خطابها هو اللاّزمة لا باقي أجزاء خطابها المتمايز.

من تحليل المشهد بمنهج تمييز أطيافه بلازمة “ضدّ النّهضة” يبدو الطّيف الأوّل والرّابع أكثر طيفين قادرين على اِقتحام المجال الفارغ للثّلث الحاسم في نتائج اِستحقاقات 2019 أي في الفوز بالمكانة الثّالثة بعد الأكبرين (النّهضة وضدّها التّوافقي إذا بني الحزب الجديد). لكنّ القدرة على المسك بالمكان الثّالث يقتضي من الطّيفين الأوّل والرّابع مراجعات موجعة وتحالف مكرهين لا نرى الوقت القصير سيسمح به قبل موعد خريف 2019.

(الأستاذ الحبيب بوعجيلة)