أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / كيف نحوّل الاِستقطاب واَنكشاف المؤامرات إلى مكاسب ثوريّة

كيف نحوّل الاِستقطاب واَنكشاف المؤامرات إلى مكاسب ثوريّة

Spread the love
الأستاذ الحبيب بوعجيلة

كفاءات تونس في كلّ أصقاع العالم وفي فريجيديرات الإدارة جاهزون لصياغة مشروع تونس الكبير حتّى لو حلمنا بكتابة مشروع تونس 2040 .

لا ننكر أبدا أنّ العمليّة السّياسية الّتي دمّرتها المؤامرات ولوبيات الرّيع بأيدي القوى السّياسية الغادرة قد جعلت اليوم المطلب الأدنى للوطنيّين الصّادقين هو حفظ الأدنى من سلامة المسار الدّيمقراطي في اِنتظار أن يقيّض الله للبلاد قوى سياسيّة وطنيّة تنتصر نهائيّا بموازين قوى واضحة لبناء المستقبل…

ليس الأمر سهلا وقد اِختلطت الأوراق وتشابكت السّبل وأصبح من العسير أن نميّز الخبيث من الطيّب. فالجميع يبكي ولا ندري من سرق المصحف… بشاعة ما يكشف باِستمرار من خطط جهنّمية للاِحتراب الأهلي يجعل أمل التّونسيّين في بداية أوّل خطوة على طريق الحلم الوطني الجامع يضعف ويقوى مثل بندول ساعة لا يكفّ عن النّوسان يمينا ويسارا بين يأس ورجاء.. يبدو أنّ طريقا طويلا للفضح والكشف لا بدّ أن يقطع حتّى يستقرّ النّاس على تبيّن الحقيقة…

هي تقريبا نفس وضعيّة كلّ أقطار العالم العربي… لكنّ تونس كغيرها من البلدان الصّغيرة والمحدودة الإمكانيّات لا تملك رفاهة إضاعة الوقت في الفرز… أنا لست مع تضيبع الوقت في ما يسمّى حوارا بين القوى السّياسية المتنافرة أو تجميع ما لا يجمع… من كان يملك القدرة على تجميع هذه الكفاءات الوطنية لو قبلت العمل معه فليفعل… عندما يصبح لتونس مشروعها الكبير الّذي تصوغه هذه الكفاءات المغيّبة عندها سوف يكون لهذا المشروع قادته السّياسيّين وأحزابه الحاملة ومجتمعه الحاضن…

المطلوب اليوم من القوى الّتي اِختبرت ونجحت في اِمتحان الاِنحياز للدّيمقراطية ونصرة ثورة هذا الشّعب والاِنحياز للاِنتقال السّياسي والاِقتصادي والاِجتماعي أن تشتغل مع كفاءات البلاد العلميّة في الدّاخل والخارج وأن تمنحها إطارا لصناعة الأفكار والبرامج في المجال الصّناعي والفلاحي والتّعليمي والثّقافي وأن يكون دور القوى السّياسية الوطنية والثّورية والدّيمقراطية من محافظين وغيرهم هو فقط العمل على تعبئة الشّعب حول هذا المشروع والبرامج وتقديمها للقوى الدّولية الدّاعمة…

تونس ليست أقلّ من ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبيّة وأثيوبيا… لا بل إنّها ليست أقلّ حتّى من تركيا وغيرها من النّماذج التّنموية النّاجحة في العقود الثّلاثة الماضية… يكفي فقط أن نترك الكلمة لكفاءاتنا من شباب وكهول بل وشيوخ أشرفوا على مشاريع تنمويّة في بلدان العالم أجمع ويريدون إفادة البلاد.

وحتّى أكون واضحا أقدّر أنّ هذه المهمّة مطروحة اليوم على أكبر الأحزاب في المنظومة الجديدة أعني حركة النّهضة شرط أن تقتنع باليأس من جدوى المراهنة على منظومة قديمة يئست منها حتّى الدّولة العميقة والقوى الرّاعية للاِنتقال لأنّ هذه القديمة المرسكلة منظومة لا تفعل للأسف غير تكرار برامج حكمها الفاشل منذ 1956 ولا تتحرّك إلاّ ضمن لوبيّاتها الجشعة وتصدير “مصميصة” كوادرها السّياسية الشّابة الّتي تربّت في أكاديميّة الاِنتهازية والفراغ والتحيّل وتنظيم تجمّع الاِستبداد والفساد والمؤامرة للاِستمرار في الحكم.

حسم النّهضة في هذا الخيار بجب أن يوازيه حسم قوى وشخصيّات وطنيّة وديمقراطيّة صادقة في طيف واسع من قوى قدّمت نفسها زورا وخداعا ممثّلة للثّورة والتقدّم والاِنتقال وها هي تنكشّف بشكل دراماتيكي في غضون هذه السّنة والنّصف لتظهر حقيقة مشروعها بأنّها ليست أكثر من قوى وظيفيّة من مهووسي الإيديولوجيا والخدم الموضوعيّين للقديم الفاسد وحلفاء لكلّ مضاددة وهواة لكلّ مشاريع الفاشيات والحنين إلى الدّيكتاتوريات الاِستئصالية بدعوى مقاومة الإسلام السّياسي في حين أنّها ليست أكثر من قوى مدفوعة بنزوة الحكم ومقاومة لكلّ نهوض واَنعتاق على قاعدة الشّراكة الوطنيّة.

اليأس من هذه القوى المنكشفة يقتضي في نفس الوقت الإسراع ببناء القوّة الدّيمقراطية الوطنية الاِجتماعية الّتي تملأ الفراغ وتكون رديفا للقوّة الدّيمقراطية المحافظة أي للنّهضة إذا أراد هذا الحزب الأكبر أن يتحوّل بدون تردّد وبكلّ وضوح إلى قوّة إسلام ديمقراطي وكفاحي شريك مع هذه القوّة في بناء المشروع الوطني لتونس القويّة والمزدهرة. ولن يكون ذلك ممكنا لحركة النّهضة إلا إذا أنجزت اَنتقالها الحزبي على هذه القاعدة تماما أي قاعدة الاِنحياز وتمثيل المشروع الوطني الجديد بعيدا عن كلّ أشكال المهادنة البراغماتية والاِستصحاب التّكتيكي لقديم يخترقه الفساد ويحكمه ويكبّله الاِرتهان ويعيقه ما يجعله قديما ممانعا لكلّ تطوّر وإصلاح لا يفعل غير اَبتزاز القوى الجديدة بعضها ببعض.

إنّ أغلبيّة الشّعب التّونسي وكفاءاته الوطنية في الدّاخل والمهجر ومجتمعه الأهلي العميق منحاز إلى التّغيير الثّوري العميق والبناء الوطني ممثّلا في هاتين القوّتين المفترضتين لو تشكّلتا على ما ذكرنا أعلاه رغم ما نراه في السّطح والحاصل الاِنتخابي الموجّه من اِستمرار سيطرة النّخبة التّعيسة بإعلامها ومجتمعها المدني المصنوع بحيث تبدو وكأنّها هي الأغلبيّة نظرا لنجاحها في ترذيل الثّورة والدّيمقراطية وتصعيد ذيولهم مشتّتة إلى سدّة السّلطة التّشريعية والتّنفيذية ليمارسوا عبرهم تزييف الصّراع.

إنّ بناء قوّة سياسيّة ديمقراطية اِجتماعية ثوريّة موحّدة مع نهضة تختار بوضوح ودون خوف أو خضوع للاِبتزاز موقعها إلى جانب المستضعفين ورأس المال الوطني الصّاعد وصغار الكسبة والفلاّحين… إنّ هذا البناء والتّحالف مع مشروع تكتبه الكفاءات يمكن أن يقدّم للنّاس رأسي مشروع حكم كبير بخطاب سياسي وثقافي منصهر لن تهزمه هذه القوى القديمة وذيولها الوظيفيّة والفاشية بكلّ ما تستحوذ عليه من أذرع إعلاميّة وأكاديميّة ومواقع في أجهزة الدّولة عميقة ومقدّرات مال ومراكز نفوذ.

إنّ اَستعادة سياق اِنتخابات أكتوبر 2011 ممكن… فقط مع الوعي بالفوارق والفرز الّذي أنجزه الزّمن وتجنّب الاِختراقات والحماقات والأخطاء الّتي اُرتكبت في 2012 و2013. هذا ما يعرفه المرعوبون ولذلك يتآمرون على البلاد لمنع وقوعه ولكن هذا ما يريده كلّ أصدقاء تونس وثورتها ومساندي اِنتقالها ومسارها… هل يقع؟..

ننتظر ونرى