أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / كربلاء المعاصرة؟؟؟

كربلاء المعاصرة؟؟؟

Spread the love

كربلاء

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

كتب رفيق عبد السّلام منذ حين “التحدّي الرّئيسي الّذي يواجهنا اليوم يتمثّل في مدى قدرتنا على التخلّص من صراعات ومساجلات الماضي.. شخصية الحسين الّذي قتل ظلما وغدرا ملهمة لكلّ المسلمين ولكن لا يجب أن يستخدم ذلك مطيّة لتعميق الاِنقسام الطّائفي. الإسلام يجب أن يكون جامعا بدل أن يكون مسوّغا لصراع الطّوائف والطّائفيين”.

ما قلتُه منذ العشية عن غرابة الصّراع هذه السّنة على ذكرى العاشوراء الحسينية بين نشطاء تونسيّين على الفضاء الأزرق يؤكّده تحذير القيادي الإسلامي التّونسي.

تمنّياتنا بفصل “الدّيني” عن الشّأن السّياسي العربي الرّاهن تبقى أمان جميلة في وضع شعبي ورسمي تمّ فيه إلهاب صراع المذاهب والأعراق لتمرير كلّ أشكال التّآمر على الأمّة والمنطقة. وهو ما يدفع أصحاب الفكر إلى بذل الجهد لتصحيح مفاهيم الرّوح والتّاريخ تحصينا للمشاعر والعقول من عبث المتآمرين المراهنين على الجهل والأمّية بحقائق التّاريخ والمذاهب والدّين. نحن أمّة نعيش حاضرنا ويُتآمر عليه من أعدائنا من نافذة جهل العوامّ بماضينا وتفاصيله.

يجب أن نُقرّ بأنّ إخوتنا من الطّائفة الشّيعية الكريمة قد حوّلوا اِحتفالاتهم العاشورائية إلى اِستعراضات سياسية وشحن كفاحي منذ غزو العراق وتفجّر الصّراع المذهبي المصطنع ليزيد هذا الاِستعراض منذ تفجّر المسألة السّورية واِشتداد التشنّج التّكفيري الوهّابي الّذي ذهب باِستعداء الشّيعة حاضرا إلى حدود الاِستهداف رغم ما راكمه الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر من مكاسب تقريب بين المذاهب. التّكفير السنّي الإرهابي تغذّى من أشكال تطرّف مقابل لدى “شيعة مخابراتية” تبثّ قنواتها على “أقمار الخليج العربي” لبثّ الخرافات والغرائب التعبّدية وسبّ الصّحابة والتّعتيم على فتاوى علماء الأمّة من شيعة الثّورة الإيرانية أو المقاومة اللّبنانية. وبذلك تكتمل صناعة المؤامرة لتبرير التّكفير الإرهابي “السنّي” بعد إضافة أخطاء في التّقدير قد يكون اِرتكبها “شيعة” في العراق أو سوريا مثلا.

التّناحر المذهبي مصنوع فالحسين الّذي يغمط حقّه المتآمرون اليوم من “تكفيريين” مدنيين لتصفية الحساب السّياسي مع اِنتصارات مقاومة منتصرة من شيعته.. هو الحسين الّذي ألهم الشّعراء والأدباء العرب من سنّة ومسيحيين قبل الشّيعة أنفسهم (البيّاتي.. دنقل.. نزار.. الشّرقاوي..الخ) .

لكنّ الأهمّ والأغرب أنّ الإسلام السّياسي “الإخواني السنّي” نفسه الّذي يسبّ اليوم ضمنيّا أو علنا كثير من أنصاره الحسين.. هو الإسلام السّياسي الّذي تأسّس “حسينيا” في مواجهة “الدّولة العربية الحديثة ” كاِمتداد للملك العضوض والاِنقلاب الأمويّ على الخلافة الرّاشدة.
قال سيّد قطب في “كتب وشخصيات”: “لقد كان اِنتصار معاوية هو أكبر كارثة دهمت روح الإسلام الّتي لم تتمكّن بعد من النّفوس”، بل أعلن في كتاب “العدالة الاِجتماعية” متحدّثا عن حكم عثمان “الأموي” قبل معاوية: “لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخ كبير. ومن ورائه مروان بن الحكم يصرّف الأمر بكثير من الاِنحراف عن الإسلام.”

ثمّ ختم متحدّثا عن الحسين: “الحسين وهو يستشهد في تلك الصّورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ في الصّورة الظّاهرة وبالمقياس الصّغير كانت هزيمة. فأمّا في الحقيقة الخالصة فقد كانت نصرا. فما من شهيد في الأرض تهتزّ له الجوانح بالحبّ والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين. يستوي في هذا المتشيّعون وغير المتشيّعين من المسلمين”.
إذن من صنع الاِصطفاف ؟

======================================================================

وحتّى نحتم ملفّ الاِحتفال بعاشوراء وما يكتنفه من اِنحراف وتجييش واِستغلال هابط، نقترح عليكم هذا النصّ الجيّد الّذي كتب العلاّمة اِبن خلدون حول مقتل الحسين:

((وأما الحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره، بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره. فرأى الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقه لا سيما من له القدرة على ذلك، وظنها من نفسه بأهليته وشوكته. فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة.

وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها لأن عصبية مضر كانت في قريش وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس، ولا ينكرونه وإنما نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق، وأمر الوحي وتردد الملائكة لنصرة المسلمين. فأغفلوا أمور عوائدهم وذهبت عصبية الجاهلية ومنازعها ونسيت، ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع ينتفع بها في إقامة الدين وجهاد المشركين، والدين فيها محكم والعادة معزولة. حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد، فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضر أطوع لبني أمية من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل.

فقد تبين لك غلط الحسين، إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه. وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه منوط بظنه، وكان ظنه القدرة على ذلك. ولقد عذله ابن العباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية أخوه وغيره في مسيره إلى الكوفة، وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله.
وأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام، والعراق ومن التابعين لهم، فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقاً لا يجوز لما ينشأ عنه من الهرج والدماء فأقصروا عن ذلك ولم يتابعوا الحسين، ولا أنكروا عليه، ولا أثموه، لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين.

ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين وقعودهم عن نصره، فإنهم أكثر الصحابة وكانوا مع يزيد ولم يروا الخروج عليه، وكان الحسين يستشهد بهم وهو يقاتل بكربلاء على فضله وحقه، ويقول: ” سلوا جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك، وسهل بن سعيد، وزيد بن أرقم وأمثالهم. ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره ولا تعرض لذلك، لعلمه أنه عن اجتهاد منهم كما كان فعلة عن اجتهاد منه.

وكذلك لا يذهب بك الغلط أن تقول بتصويب قتله لما كان عن اجتهاد وإن كان هو على اجتهاد، ويكون ذلك كما يحد الشافعي والمالكي الحنفي على شرب النبيذ. واعلم أن الأمر ليس كذلك وقتاله لم يكن عن اجتهاد هؤلاء وإن كان خلافه عن اجتهادهم، وإنما انفرد بقتاله يزيد وأصحابه. ولا تقولن إن يزيد وإن كان فاسقاً ولم يجز هؤلاء الخروج عليه فأفعاله عندهم صحيحة. واعلم أنه إنما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعاً. وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام العادل، وهو مفقود في مسألتنا، فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد، بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه، والحسين فيها شهيد مثاب، وهو على حق واجتهاد، والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضاً واجتهاد.

وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه أن الحسين قتل بشرع جده، وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الأراء؟!.

وأما ابن الزبير فإنه رأى في قيامه ما رآه الحسين وظن كما ظن، وغلطه في أمر الشوكة أعظم، لأن بني أسد لا يقاومون بني أمية في جاهلية ولا إسلام. والقول بتعين الخطأ في جهة مخالفة كما كان في جهة معاوية مع علي لا سبيل إليه، لأن الإجماع هنالك قضى لنا به ولم نجده ههنا. وأما يزيد فعين خطأه فسقه. وعبد الملك صاحب ابن الزبير أعظم الناس عدالة، وناهيك بعدالته احتجاج مالك بفعله وعدول ابن عباس وابن عمر إلى بيعته عن ابن الزبير وهم معه بالحجاز، مع أن الكثير من الصحابة كانوا يرون أن بيعة ابن الزبير لم تنعقد، لأنه لم يحضرها أهل العقد والحل كبيعة مروان، وابن الزبير على خلاف ذلك، والكل مجتهدون محمولون على الحق في الظاهر، وإن لم يتعين في جهة منهما. والقتل الذي نزل به بعد تقرير ما قررناه يجيء على قواعد الفقه وقوانينه، مع أنه شهيد مثاب باعتبار قصده وتحريه الحق.

هذا هو الذي ينبغي أن تحمل عليه أفعال السلف من الصحابة والتابعين، فهم خيار الأمة، وإذا جعلناهم عرضة للقدح فمن الذي يختص بالعدالة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم مرتين أو ثلاثاً ثم يفشو الكذب ” ، فجعل الخيرة، وهي العدالة مختصة بالقرن الأول والذي يليه. فإياك أن تعود نفسك أو لسانك التعرض لأحد منهم، ولا تشوش قلبك بالريب في شيء مما وقع منهم، والتمس لهم مذاهب الحق وطرقة ما استطعت فهم أولى الناس بذلك، وما اختلفوا إلا عن بينة، وما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو إظهار حق، واعتقد مع ذلك أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة، ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم، ويجعله إمامه وهاديه ودليله. فافهم ذلك، وتبين حكمة الله في خلقه وأكوانه، واعلم أنه على كل شيء قدير وإليه الملجأ والمصير. والله تعالى أعلم)).