أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / كتاب مرّيخيّ إلى تلاميذ الوطن الأعزّاء

كتاب مرّيخيّ إلى تلاميذ الوطن الأعزّاء

Spread the love

 

الأستاذ خالد كرونة

لست ناطقا باِسم أيّ مخلوق، ولا أنا وصيّ على أحد!

أنا مجرّد رجل أرهقه زحام الوطن. أنا فقط رجل أغراه ذات سنة أحد أساتذته أن يصير ذات يوم مثله. اليوم أعترف أمامكم أنّ هذا الرّجل ــ أطال الله أنفاسه ـــ يدعى «الصادق خمايليّة».. كان ذلك أواسط سبعينات القرن الماضي، في إعداديّة منسيّة (كانت تدعى وقتها مدرسة ثانويّة) بالجنوب التونسيّ. أنا ذلك الصبيّ الّذي بالكاد جاوز حينها العشر سنوات، أظنّه كان مفتونا بالبحر، شديد الاِنجذاب إلى اِمتداده.. ربّما كان وهو يتأمّله يرفع بصره إلى الأفق ثمّ يردّه وهو يبتسم. الحقيقة أنّه لم يصطحبني أبدا إلى البحر، ولكن يُخيّل إليّ دوما أنّه يبصُرُه فيسخر في أعماقه من تفاهة الدّنيا، ولعلّه كان كلّما نظر إلى الزّبد أشفق عليه من عبث الأقدار، إشفاقه على الإنسان من غباوته.

سأعترف لكم أيضا أنّه حدّثنا في نبرة صدق لا تفارقه عن « عيسى النّاعوري» (قاصّ من الأردنّ) وفتح عيوننا الصّغيرة على لذاذة حكايا «علي الدّوعاجي».. أذكر أنّه توقّف مفتنّا عند «راعي النّجوم».. قد يكون قال كلاما لم ندرك مقاصده، ولكنّه قاله لنفسه بدلا من أن يقوله في نفسه.

أغلب الأقران كانوا حينها يجدون معمار المدرسة أجمل من بيوتهم، وكان جلّهم يلتهم طعام المبيت الّذي يبدو لهم أشهى ممّا يُطبخ في دورهم. لا أحد كان يفكّر في اِقتلاع وردة من مغروسات المدرسة، ولا أحد كان يلوّث الحيطان بعلامات مبهمة بخطوط عريضة.. وأخال الجميع كان يحبّ رائحة المكتبة المميّزة، فبيوتهم ـ عدا قلّةـ بلا مكتبات..

أعترف لكم أنّني ـ بعد زمن ـ حين صرت ما أردتُ، أدركت هول الورطة الّتي ألفيتني فيها.. تقف ساعات أمام شبّان وشابّات يتطلّعون إليك، ويحصون عليك حركاتك وينتبهون إلى إشاراتك.. لا شكّ أنّهم يقلّدون في مجالسهم بعض ما تقول ويضحكون ـ ربّماـ من مواقف جدّت.. وقد يتهامسون ويبسمون إذا اِلتقطت عيونهم الّتي ترصد كلّ شيء تعثّرا في مشيتك أو اِنخراما في هيأتك وسيضحكون ملء الأشداق إذا تعثّر لسانك أو اِضطربت كلماتك. هذا جيل من الشبّان ذو فراسة لا تخطئ. يغمرونك بحبّهم بمجرّد شعورهم أنّك لا فقط تحبّ مهنتك، بل تحبّهم هم أيضا. لن تحتاج أبدا إلى غير تلقائيّة مشاعرك واُترك الباقي عليهم. يعرفون جيّدا لغة العواطف، ويلتقطون في يسر رسائل الودّ.. سيصنّفونك بسرعة، ويضعونك ضمن خانة رسموا أبعادها باِقتدار مذهل. لا أحد سواهم يمتحن إخلاصك، ولا أحد غيرهم يحدّد درجة كفاءتك. فكلّ معارفك بلا قيمة إن لم تكن في أغلفة من صفاء المحبّة.

وماذا تُراك تقول لهم اليوم بعد ما يزيد عن ثلاثين عاما قضّيتها بينهم؟ وكيف تجيب عيونهم الحيرى؟ وأنّى لك أن تخفي إشفاقك وتوجّسك؟ وهل تملك أن تُخفيَ ما لا يَخفى؟ هل يكفي أن تعود لتحدّثهم عن راعي النّجوم؟ وهل تظنّهم غافلين عن كلّ نجم أفل؟ وكيف تمتدح أقصوصة «خضراء» (عيسى النّاعوري) وهم يرون عيانا حال الخضراء (تونس)؟ وكيف لا يتحسّرون ودرس التّاريخ يخبرهم أنّ اليابان بات قوّة اِقتصادية ومثالا لنهضة علميّة وهو الّذي لم يشف بعد من همجيّة القنابل الذرّية؟ ألا يبتلعون حينها مرارة خيبتنا؟ وماذا تراهم يحدّثون أنفسهم وهم يرون على النت صور «كيغالي» عاصمة رواندا السّاحرة وقد كانت بالأمس القريب خرابا يبابا؟ هل ستعيد عليهم إسطوانة فاطمة الفهرية القيروانية الّتي أسّست أوّل جامعة في فاس بالمغرب (جامعة القرويّين) وهم يرون أثيوبيا الّتي كادت دلالة اِسمها تنحرف إلى الجوع تنتخب رئيسة لها وفي بلدهم الصّغير حوالي نصف مليون اِمرأة في الأرياف بلا بطاقة تعريف في القرن الواحد والعشرين؟ كيف نقنعهم ببراءة الوطن من دم تلميذتيْن اِحترقتا في «مرقد» ذات 6 فيفري لأنّه يخلو في عصر التّكنولوجيا من جهاز رخيص للإنذار من الحرائق؟ ولم لا يسخرون منّا حين نقرن بين المنصّات وبين إطلاق رحلات توريد كفاءات بديلة مريخيّة؟

الحقيقة أيّها الشّباب، أنّني خجل منكم. وأعتقد أنّ آلافا من الأساتذة يملؤهم الخجل مثلي. والحقيقة أيضا أنّ ما يخجلنا ليس اِضطراب دروسنا الخاوية من الحياة، ولا ما ينالنا كلّ يوم من شتائم في شتّى محطّات الرّاديو والفضائيات.. ولم يخجلنا أنّ بعضنا رقي الحيطان وتعلّق بشرفة ينشر راية منظّمته فكاد ينقلب إرهابيّا يهدّد سلامة وزير مهذار.. ألستم تعلمون مثلنا تماما أنّ الاِمتحانات مجرّد أكذوبة تواضعنا عليها؟ ألستم تعرفون خيرا منّي أنّ الاِختبار بات منذ أعوام لعبة سمجة يحتال فيها التّلاميذ بالغشّ ويحتال فيها بعض أهل النّفوس المريضة من مدرّسيكم (للأسف) الّذين اِنتصبوا يبيعونكم قسرا بأموال الآباء أعدادا ترضي غرورهم وتكفيكم شرّ لوم العائلات؟

ما يخجلنا هو حشد الوزراء والمسؤولين والمدراء والمستشارين وووو الّذين عجزوا مجتمعين عن زرع ورد في صحراء الوطن. بلد سكّانه دون 12 مليونا أصغر من محافظة في الصّين أو سائر بلاد الأرض يشرف عليها باِقتدار وال فقط. وما يخجلنا أنّنا جيل فاشل.. نعم.. فشلنا لأنّنا سنورّثكم بلدا مثخنا ينزف. سنلقي بكم في اليمّ ونوصيكم ألاّ تبتلّوا بالماء.. يا لسخريّة الأقدار.. سنورّثكم بلدا تهرب منه عقوله، فلا الجامعيّون باتوا يحتملونه ولا المهندسون أضحوا يأنسون إليه ولا الأطبّاء وجدوا علاجا لما ألمّ به من الأدواء..

نحن خجلون لأنّ شوارع الخضراء وسخة، ولأنّ قيادة سيّارة في هذا البلد مغامرة وجوديّة، ولأنّ غرف الأموات ألطف من المستشفيات.. ونحن خجلون من خيبتنا لأنّ كلّ الإدارات كوم من الرّداءة.. ونحن خائبون لأنّ بذاءة اللّسان في الشّوارع فاقت عفن الوسخ..

أنا (مثل المخلوع) أفهمكم.. أعرف لمَ تفكّرون بالرّحيل.. أفهم أنّ وسامتكم لا تحتمل ما خلّفنا لكم من قبح.. وأدرك أنّ بناتنا الجميلات محقّات حين يشعرن ببلادة الدّرس المحنّط مثل مومياء مهترئة في متحف بلا تهوئة.. أعرف تماما إحساسكنّ حين تركبن الحافلات الصّفراء القبيحة.. أفهم تماما معنى أن نضع الورود في قِدر سوداء متفحّمة بدلا من ترصيعها في مزهريّة.. لا تحدّثوني عن حيطان المعاهد فقد قضيت بينها حياتي.. أعرف تفاصيل أخاديدها الغائرة، ولا تقولوا كلمة عن الأبواب فأنا عليم بشكوى صريرها الدّائم.. ولستم بحاجة أن تذكروني بنصاعة غرف الحمّام وتعطّرها الدّائم.. أعرف تماما فتنتها الرّائقة.. وأعرف التّبليط المنخلع والبلّور المكسور…

نحن جيل يخجل منكم لأنّ فينا بقيّة من حياء.. والأكيد أنّكم تعرفون ثقتي بكم، وبنباهتكم، لا تكترثوا إلى أولئك الّذين يعيّرونكم بموضة أثوابكم، لا تخجلوا منهم بعد اليوم.. عيّروهم بخراب بلدهم الّذي صنعته أيديهم وصنعه جبنهم وصمتهم.. لا تأبهوا لما يقولون باِستمرار عن أخلاقكم.. أنا وأمثالي نعرفكم.. أنتم أرفع أخلاقا من لصوص الوطن الّذين لم ينهبوا فقط ماله، بل سرقوا جماله، وخنقوا حلمه وحُلمكم وربّما حِلمكم أيضا.

أيّها الشبّان الأعزّاء… أيّتها الفتيات الرّائعات..

أستحلفكم ألاّ تستسلموا لليأس.. تذكّروا أنّ ألمانيا اِنبعثت من كوم الرّماد، وأنّ اليابان نهضت بعد أهوال ناغازاكي وهيروشيما.. واُنظروا إلى قيامة كوريا وتمعّنوا في رواندا وسنغافورة… كلمة السرّ عندكم.. عند الشّباب… والمهمّة ليست مستحيلة.. أرضكم أجمل من أن تتركوها للضّباع ينهشونها.. ولا تخشوهم، فهُم جبناء.. والأمس القريب أخبر عن خوفهم.. فرّوا أمام العزّل.. اِلتحفوا ساعة خروجهم لواذا في معاطف الطّرق.. اِختفوا تحت الأرض فَرَقا وجزعا.. لن تُداوى جراح البلد من دونكم.. بعلمكم وبعملكم وخاصّة بحبّكم وإخلاصكم.. هل سنجيء حقّا بكائنات مرّيخيّة لتواجه بدلا منّا مسؤوليّة بلادنا؟ أما رأينا ما فعله القادمون من وراء البحار؟ ألم يأخذوا من كلّ أصدافنا المحار؟

في ختام الكتاب، نقدّم طلبا نرجو أن يستجاب.. اِغفروا لذاك المسكين الّذي لا يحبّ الرّقص، وتجاوزوا عن خوفه من الرّايات، ولا تسخروا من حبّه لبعض ما في الفضاء من كائنات، فتلك بعض ما فيه من لطافات، ولا تنكروا عليه خشيته على البهو من اللّهو.. لا تكترثوا إلى ثرثرته فذاك من عناوين السّلامة ولا تعرّضوا بحبّه للخطوط الحمراء فهي من صميم عشقه المرّيخيّ.. أليس يقال ـ وأنتم أعلم ـ إنّه الكوكب الأحمر؟

سامح الله أساتذة التّاريخ، لا يكفّون عن الزّعم أنّ اِسم المرّيخ اللاّتينيّ (Mars) إنّما هو إله الحرب عند الرّومان القدماء. وقى الله بلادكم شرور الحروب، وأبعد عنكم خيالات الأطباق الطّائرة والإجراءات «الزّاجرة»، وأعانكم على اِعتلاء المنصّات وإطلاق المركبات… مركبات الأمل ستحلّق أبعد من المرّيخ وزحل..

فتياتنا الرّقيقات، شبابنا البهيّ:

أحبّكم جميعا، فأنتم لا تستحقّون غير هديّة نزار الدّمشقيّ: وردة وكتاب!

خالد كرونة ـــــــ كاتب من تونس