أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / قيس سعيّد لا يريد الحوار⁦

قيس سعيّد لا يريد الحوار⁦

Spread the love
الأستاذ نور الدّين الغيلوفي

في يوم التّصويت على قانون المحكمة الدّستورية دعا قيس سعيّد إليه بزهير المغزاوي لاِستعماله، كعادته، لتمرير رسالته في القبول بالحوار.. غير أنّه لا يزال يكابر لأنّه غير مقتنع بالحوار مع مخالفيه الكافرين المنافقين الفاسدين المتآمرين الّذين يعبّر في كلّ مرّة عن اِزدرائه لهم ويتوعّدهم بحرب ساحقة ماحقة لا حوار فيها بغير السّلاح وليس لها غير إحدى نهايتين، النّصر أو الشّهادة.

ولكنّه تحدّث هذه المرّة من فوق ظهر المغزاوي عن الحوار، مضطرّا، وقد أعيته الحيل وضاقت به السبُل ووجد نفسه محشورا، بما كسبت يداه، في زاوية خانقة.. لذلك جاءت العبارة منه ملتوية ملتبسة.. وهل أدلّ على الاِلتواء من قول ((وأبدى رئيس الدّولة اِستعداده لتصوّر للحوار للخروج من هذا الوضع الّذي تعيشه تونس)) وكان في وسعه أن يسهّل على نفسه وعلى النّاس فيقول: “وأبدى.. اَستعداده للحوار” دون أن يحشر تركيب (لتصوّر) الذي لا يدلّ على غير التّلبيس النّاتج من المكابرة الزّائفة.. هو يعلم أن لا مفرّ له من الحوار، بعد أن رفضه، ولكنّه لا يزال يناور. وهو لا يستطيع المناورة إلّا باللّغة عندما يفسد عبارتها ويلقي بالمعنى في متاهة من الأسماء (استعداد.. تصوّر.. الحوار.. الخروج.. الوضع..) بين حروف الجرّ (لتصوّر.. للخروج)، كأنّه من فرط ما عطّل من الأعمال نسي اَستعمال الأفعال في كلامه.

الرّئيس لا يملك تصوّرا للحوار لأنّه لا يعترف بالحوار أصلًا.. ولماذا يبحث عن الحوار من لا يرى في تونس غير “دولة” واحدة تعبّر عنها سلطة واحدة تتمثّل في شخصه هو دون سواه؟ إنّه لا يحاور إلّا الّذي يؤمن بالاختلاف ويقدّر التعدّد ولا يضيق بالكثرة.. لا يحاور إلّا من يراعي السياقات ولو جاء إلى الحوار مضطرًّا. هو لا يؤمن بالحوار لأنّه لا يفهمه.. ولو فهمه لعلم أنّ التصوّر لا يُستعدّ له.. إنّما يُستعدّ لمناقشته مع تصوّرات أخرى تختلف عنه، ولمحاكمته إلى المشترَك الجامع، لأنّ كلّ تصوّر نسبيّ لا يُلزم أحدا غير صاحبه.. أمّا هو فلم يكلّف نفسه وقصره ذِكرَ الحوار من الأساس.. وقد خلا منه المعجم الذي نراه على مكتبه يستعين به لتدبيج رسائل التهديد والوعيد.. خططهم الأصيلة والبديلة لا مكان فيها للحوار.. وكيف يفكّر في الحوار من كان فوق ظهر جواده وبيديه سيف ورمح؟

ألا يعلم سيادته أنّ الحكم على الشيءٍ فرع من تصوّره؟ وكيف حكم بأن “يكون الحوار مختلفا عمّا عرفته بلادنا في الأعوام الماضية”؟ وهل يعقل أن يستعمل القابل بالحوار “شدّد” و”يجب”؟ أليس في التشديد والحمل على الواجب اشتراط لا يليق بمن جنح للحوار؟ هل يظنّ قيس سعيّد نفسه منتصرا جاء إلى الحوار لإملاء شروطه على المغلوبين؟ولماذا يتعجّل التّعليلَ بقوله “لأنّ تشخيص المشاكل متّفق عليه أمّا ما هو موضوع خلاف فيتعلق بالنّزاعات المعلنة وغير المعلنة حول المناصب والاِمتيازات” قبل الدخول في الحوار وهو يعلم أنّ الحوار إنّما هو حلّ لتسوية الخلافات من أجل إقامة المشترك حفاظا على الدّولة والشّعب؟ وكيف يتحدّث باسم الشعب من يعترف بتراكم المشاكل بعد سنة ونصف السنة من حكمه؟ أما كان أجدر بالشعب وقد انتهى وحده من تسخيص مشاكله أن يمرّ بنفسه إلى وضع الحلول؟

قيس سعيّد لا يفهم الأمور كما يفهمها غيره: هو يفهم التفريق بين السلطات تقسيما للدولة.. وغيره يفهمونه ضمانة للديمقراطية ومضادّا للدكتاتورية. وهو يفهم الحوار اجتماعا يكتفي فيه بإملاء دروسه بالحلول الواجبة.. بينما يرى فيه غيره سبيلا إلى نزع الفتيل وتقريب وجهات النظر وصون البلاد من الفتن بقطع النظر عن الصلاحيات وعن موازين القوى. هو لا يريد الحوار ولا يملك له تصوّرا لأنه لا يؤمن بحق الناس في الاختلاف.. يتّخذ من نسبة ناخبيه في 2019 سيفا يسلّطه على رقاب الجميع..

لم يفهم أنّ اَنتخابه كان اختيارا قد يُتراجع فيه بل رأى فيه تفويضا له بأن يفعل ما يريد كما يشاء بلا رقيب ولا حسيب، لأنّه الرئيس الأوحد والقائد الأعلى والممثّل “الشّرعي والوحيد للإرادة الشعبية”. إنّ من لا يحتفل إلّا بخطاب الحرب لا يستطيع الحوار ولو جاء إليه مرغَمًا.

اُعطوه فرصة يتعلّم فيها لغة الحوار وكيف الجنوح إلى السّلم ثمّ حاوروه. دون ذلك لن تجدوا بإنائه ماء يصلح للحياة.