أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / قضاء التّعليمات يتهدّد العدالة الاِنتقالية!

قضاء التّعليمات يتهدّد العدالة الاِنتقالية!

Spread the love

الأستاذ أحمد الرحموني

في مراسلة “غريبة” (تمّ نشرها أخيرا) موجّهة إلى إدارات المحاكم الاِستئنافية والاِبتدائية– ممثّلة في رؤسائها وأعضاء نيابتها- فضلا عن رؤساء الدّوائر المتخصّصة في العدالة الاِنتقالية لا يجد المتفقّد العامّ بوزارة العدل (السيّد رياض بالقاضي) حرجا في إصدار تعليمات مباشرة (ما أنزل الله بها من سلطان!) تحت غطاء “الحرص على تطبيق مقتضيات الفصل 42 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلّق بإرساء العدالة الاِنتقالية وتنظيمها” فيما ينصّ عليه من إحالة هيئة الحقيقة والكرامة للملفّات الخاصّة بالاِنتهاكات الجسيمة على النّيابة العمومية.
ومن الواضح أنّ التّعليمات الّتي تضمّنتها المراسلة قد صدرت تحت إشراف وزبر العدل بصفته عضوا في الحكومة طالما أنّ المتفقّد العام هو من بين المسؤولين القضائيين (السّامين) الملحقين بوزارة العدل والخاضعين لإشرافها (وتأثيرها!).
وتكمن التّعليمات المقصودة في محاولة “المسؤول السّامي” الإيحاء (للقضاة طبعا) بأنّ من توابع اِختصاصاته (الّتي يتوسّع فيها بقدر ما يستطيع!):
1- إصدار مذكّرات أو تعليمات أو توجيهات في شأن العدالة الاِنتقالية الموكول تطبيقها إلى دوائر قضائية مستقلّة ومتخصّصة يتمّ إحداثها بالمحاكم الاِبتدائية المنتصبة بمقارّ محاكم الاِستئناف في حين أنّ القانون المتعلّق بتنظيم العدالة الاِنتقالية يخلو تماما من أيّ ذكر إو إشارة للتفقّدية العامّة أو وزارة العدل.
2- إعطاء تأويل أو تفسير لنصوص قانونية- مهما كانت طبيعتها- تتعلّق بتعهّد النّيابة العمومية أو الدّوائر المتخصّصة في العدالة الاِنتقالية. من ذلك تأويل المتفقّد العام للفصل 42 من القانون المذكور وضرورة أن يكون تعهّد الدّوائر المتخصّصة في الآجال الّتي يحدّدها القانون المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 (أي باِنتهاء يوم 31 ماي 2018) وخصوصا عدم اِعتبار ما يتعلّق بالتّمديد في عمل هيئة الحقيقة والكرامة. في حين أنّ ذلك يدخل في اِختصاص الدّوائر نفسها ويبتّ– بصفة تحكّمية– في شروط قبول الدّعوى فضلا عن اِنضمامه لوجهة نظر “سياسيّة” يتبنّاها أعضاء بمجلس نوّاب الشّعب وأطراف حكومية!.
ويذكر في هذا السّياق أنّ الفصل 8 من القانون المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 المذكور لا يشترط لتعهّد الدّوائر المذكورة– بالنّسبة لعدد من الاِنتهاكات الجسيمة– صدور الإحالة من هيئة الحقيقة والكرامة وهو ما يجيز– طبق وجهة نظر أخرى– رفع الدّعوى مباشرة لدى الدّوائر المتخصّصة الّتي تتعهّد بالنّظر “في القضايا المتعلّقة بالاِنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على الاِتّفاقيات الدّولية المصادق عليها” وعلى معنى أحكام القانون المتعلّق بالعدالة الاِنتقالية وذلك تطبيقا لحقّ التّقاضي وعدم إمكانية تعطيله أو الحدّ منه.
3- الاِنتصاب في موقع الضّامن “لحسن سير القضاء ومبادئ المحاكمة العادلة بعيدا عن كلّ ما من شأنه أن يمسّ من حياد السّلطة القضائية واِستقلاليتها” وهو ما يبدو من قبيل المفارقات “المثيرة” الّتي لا تتناسب مع إصدار تعليمات مباشرة في شكل مذكّرة أو مراسلة موجّهة إلى قضاة الدّوائر الحكمية في شأن تطبيقها للقانون!.
4- تكليف القضاة– في صيغة “صادمة “- بإعلام المتفقّد العام بما قاموا به للغرض في الإبّان (كذا) وهو ما يتجاوز- بداهة– الحدود المقبولة في خطاب القضاة ويتنافى مع موقع الهيئات القضائية واِستقلاليتها.