أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / قراءة في البرنامج الاِقتصادي للحكومة في أفق 2020

قراءة في البرنامج الاِقتصادي للحكومة في أفق 2020

Spread the love

 قصر الحكومة بالقصبة

أ.د. رضا الشكندالي

أ.د. رضا الشكندالي

لم يكن البرنامج الحكومي الّذي أعلن عنه رئيس الحكومة التّونسية مساء يوم الإثنين 11 سبتمبر 2017 في خطابه أمام مجلس نوّاب الشّعب جديدا في محتواه، بل تنزّل في إطار اِتّفاق الحكومة التّونسية مع صندوق النّقد الدّولي بما سمّي بـ“تسهيل الصّندوق الممدّد” لقرض بأربع سنوات بقيمة 2.83 مليار دولار أمريكي.
يقدّم البرنامج تقييما للوضع الاِقتصادي والاِجتماعي قبل وبعد حكومة الشّاهد ويقترح أهدافا على المستوى القريب يعتمدها في قانون المالية لسنة 2018 وعلى المدى المتوسّط بحلول سنة 2020 تمكّن من الإيفاء بتعهّدات الحكومة التّونسية تجاه صندوق النّقد الدّولي لاِستكمال تسريح الأقساط المتبقّية للقرض مقابل إصلاحات تشمل المنظومة الجبائية والمالية ومنظومة الدّعم والوظيفة العمومية والصّناديق الاِجتماعية والمنشآت والمؤسّسات العمومية.
فإذا كانت بعض الإصلاحات مفيدة لدفع عجلة النموّ الاِقتصادي بالرّغم من كونها مرتبطة بتوفّر عوامل الاِستقرار السّياسي والاِجتماعي غير أنّ البعض الآخر قد لا يساعد الحكومة على بلوغ الأهداف المعلنة ومن بينها السّياسة المرنة لسعر الصّرف، السّياسة النّقدية وسياسة الدّعم.

مقدّمة:

يتضمّن هذا البرنامج على أهداف على المدى القصير لتعديل موازنة الدّولة لسنة 2017 وأهداف أخرى على المدى المتوسّط لتضمينها في قانون المالية الجديد لسنة 2018 لتمرّ المؤشّرات الاِقتصادية وخاصّة منها المتعلّقة بالتّوازنات الدّاخلية والخارجية إلى اللّون الأخضر اِبتداء من سنة 2019 قصد الوصول في نهاية المطاف إلى الأهداف المتّفق عليها مع صندوق النّقد الدّولي بحلول 2020.

تأزّم الوضع الاِقتصادي منذ سنة 2015:

ولئن لم يحمّل البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي للحكومة التّونسية مسؤولية الموروث الاِقتصادي إلى حكومة دون أخرى، إلاّ أنّ لحكومة السيّد الحبيب الصّيد النّصيب الأوفر ممّا وصل إليه الوضع الاِقتصادي من تدهور وكذلك عجز حكومة الشّاهد الأولى على تحسين المؤشّرات الاِقتصادية ممّا قد يبرّر هذا التّحوير الوزاري خاصّة في الوزارات المكلّفة بالملفّ الاِقتصادي.
وقد قدّم البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي تقييما للوضع الاِقتصادي ما قبل حكومة الشّاهد الأولى، حيث تراجع النموّ الاِقتصادي بعد الثّورة إلى معدّل 1.3% سنويا مّا أدّى إلى اِرتفاع نسبة البطالة لتفوق 15.5% خاصّة لدى أصحاب الشّهادات العليا. وقد كانت مؤشّرات الاِقتصاد الحقيقي فيما يخصّ النموّ الاِقتصادي ونسب البطالة في تحسّن مستمرّ منذ الثّورة وحتّى نهاية عام 2014، غير أنّ هذا المنحى التّصاعدي لمؤشّر النموّ الاِقتصادي والتّنازلي لنسب البطالة اِنقلب لضدّه منذ الحكومة الأولى للسيّد الحبيب الصّيد ممّا أدّى إلى اِنخرام التّوازنات الدّاخلية فسّرها البرنامج الحكومي بتضاعف نسبة الأجور من النّاتج المحلّي الإجمالي بـ7 نقاط كاملة وبالتدخّل المفرط لصندوق الدّعم ليمثّل هذا الأخير 26% من ميزانيّة الدّولة.

حكومة الشّاهد وتراجع المؤشّرات الاِقتصادية:

كان للاِنزلاق المتواصل للدّينار التّونسي، خاصّة في حكومة الشّاهد الأولى، من جرّاء توسّع العجز التّجاري ليبلغ حولي 1.2 مليار دينار شهريا، الأثر السيّء على ميزانية الدّولة حيث اِرتفعت تباعا قيمة الدّيون الخارجية المستخلصة. كما زاد هذا التّراجع في وتيرة التضخّم المالي وأثّر سلبا على المقدرة الشّرائية للمواطن التّونسي ممّا قد يدفع المنظّمة الشّغيلة المطالبة بالزّيادة في الأجور ويسقط تعهّدات الحكومة التّونسية تجاه صندوق النّقد الدّولي. وقد زاد العجز المالي المتواصل للصّناديق الاِجتماعية وللمؤسّسات والمنشآت العمومية في تعميق عجز ميزانية الدّولة بعد أن كانت هذه الأخيرة أو على الأقلّ البعض منها مصدر تمويل لها قبل الثّورة.

الاِستثمار الخاصّ وعقدة المنشار:

في الواقع فإنّ حالة التردّد والاِنكماش الّذي ميّزت سلوك المستثمر التّونسي منذ الثّورة لا يزال قائما ممّا قلّص بصفة جليّة نسبة الاِستثمار من النّاتج بأكثر من 5 نقاط وعطّل النموّ الاِقتصادي الّذي اِنحصر أساسا في القطاعات غير المنتجة. ولعلّ من أهمّ عوامله النّسق البطيء للاِنتقال الدّيمقراطي رغم النّجاحات الّتي تحقّقت في المجال السّياسي حيث بوّأت تونس المرتبة الأولى عربيّا في مؤشّر الحرّية السّياسية بالرّغم من الطّبيعة التّوافقية للدّيمقراطية التّونسية والّتي جعلت من شرعية الصّندوق شرطا غير كاف للحكم. إلّا أنّ جلّ التّصنيفات للمؤسّسات الدّولية في مؤشّر الحرّية الاِقتصادية أعطت تونس ترتيبا سيّئا ولم تقدّم رسالة جيّدة للمستثمر الأجنبي تدفعه للاِستثمار في تونس. ولعلّ من أهمّ الأسباب الّتي ذكرت في تقارير هذه المؤسّسات التّعقيدات الإدارية من كثرة الإجرءات وطول آجالها في إحداث الشّركات الجديدة وكذلك صلابة سوق العمل والّتي أدّت إلى تراجع مكانة تونس كبلد جاذب للاِستثمار الخارجي.

بوادر اِنتعاشة بين الأرقام والأمل:

اِستند البرنامج الحكومي في تقديراته للأهداف الاِقتصادية المرتقبة على ما سمّاه “بوادر الاِنتعاشة” خلال السّبع أشهر الأولى لسنة 2017 حيث اِرتفعت الاِستثمارات الخارجية بـ6.7% وتطوّرت نوايا الاِستثمار في القطاع الصّناعي بـ22% وفي الخدمات بـ67% وفي القطاع الفلاحي بـ68% واِرتفع إنتاج الفسفاط بـ34% وتحسّنت مؤشّرات القطاع السّياحي خلال الثّمانية أشهر الأولى لسنة 2017 بـ31% بالنّسبة لعدد الوافدين و22.1% بالنّسبة للمداخيل السّياحية. ولئن اِعتبرنا جدلا أنّ اِرتفاع الاِستثمارات الخارجية مؤشّر إيجابي يمكن أن يكون عاملا من عوامل النموّ حتّى وإن اِنحصر في مجال اِستكشاف الطّاقة فإنّ نسبة هذه الأخيرة من النّاتج المحلّي الإجمالي قد لا تمثّل شيئا أمام الاِستثمار الخاصّ والعمومي خاصّة إذا اِستثنينا منه قطاع الطّاقة. أمّا اِعتبار اِرتفاع نوايا الاِستثمار مؤشّرا إيجابيا لعودة النموّ الاِقتصادي فهو الخطأ بعينه خاصّة في فترة الاِنتقال الدّيمقراطي حيث يتأثّر هذا الأخير بالعوامل غير الاِقتصادية من اِستقرار سياسي واِجتماعي ووضوح في المقاييس المعتمدة في العدالة الاِنتقالية. وحتّى فيما يخصّ العوامل الاِقتصادية، فإنّ السّياسة التضخّمية الّتي اِتّبعتها حكومة الشّاهد من جرّاء السّياسة المرنة لسعر الصّرف والّتي أدّت إلى تراجع كبير للعملة المحلّية قد تزيد من حالة التردّد والاِنكماش الّتي يعيشها المستثمر التّونسي. كما أنّ السّياسة النّقدية الحذرة، والّتي أدّت إلى التّرفيع في نسبة الفائدة المديرية، قد تزيد من متاعب المستثمرين الخواصّ بما يخصّ تمويل مشاريعهم. ويبقى تحسّن مؤشّرات السّياحة العنوان الأكثر جدلا. فهل يمكن اِعتباره مؤشّرا للاّنتعاشة الاّقتصادية خاصّة وأنّ جلّ السيّاح إمّا جزائريون أو ليبيون قادمون من الحدود حيث يتمّ تداول العملة الصّعبة في معظمها في السّوق السّوداء بعيدا على دواليب المنظومة البنكية ولا تنتفع خزينة البنك المركزي إلاّ بالشّيء القليل وهو ما دفع محافظ البنك المركزي بالقول أمام البرلمان في جلسة عامّة يوم 16 ماي 2017 “وينهم فلوس السّياحة…وين مشاو” بالرّغم من المؤشّرات الإيجابية المسجّلة خلال الأشهر الأربعة الأولى لسنة 2017. ويمكن اِعتبار تطوّر الاِستهلاك خاصّة من جانب الأخوة الجزائريين المؤشّر الّذي خلق نوعا من الاِنتعاشة لدى بعض المهن المرتبطة بالسّياحة كالمطاعم والمساحات الكبرى وأدّى إلى دفع التّشغيل في هذه القطاعات وهو مؤشّر جيّد على قوّة محرّك الاِستهلاك في دفع عجلة النموّ الاِقتصادي خلافا لما ذهبت فيه الحكومة من سياسة اِقتصادية تضخّمية تحدّ من الاِستهلاك الخاصّ.

ما هي الأهداف الكبرى للبرنامج؟

عند قراءة شروط صندوق النّقد الدّولي لتونس وإشكالية الاِنتعاش الاِقتصادي، تتبيّن الأهداف الكبرى لهذا الاِتّفاق في موفّى 2020 والمعلنة في البرنامج الحكومي القديم الجديد، هي الاِرتقاء تدريجيا بنسق النموّ الاِقتصادي ليصل إلى 4.5% والتّخفيض من نسبة البطالة إلى مستوى 12%. ويمكن الوصول إلى هذا المستوى من النموّ الاِقتصادي بمساهمة أكبر للإنتاجية الجملية في النموّ عبر التّرفيع من حصّة القطاعات ذات المحتوى المعرفي المرتفع إلى حدود 25% من النّاتج في موفّى 2020 ومن نسبة الاِستثمار العمومي بـ0.3 نقطة سنويا والتّخفيض من حصّة الأجور من النّاتج المحلّي الإجمالي حتّى لا تتعدّى حدود 12.5% وكذلك من حجم الدّعم الموجّه للمواد الأساسية ممّا يمّكن من إحلال التّوازن الدّاخلي والتّقليص من عجز موازنة الدّولة إلى حدود 3% والدّين العمومي الخارجي إلى مستوى 70% من النّاتج المحلّي الإجمالي في موفّى 2020. ويقدّر البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي لحكومة الشّاهد أنّ اِنزلاق الدّينار إلى مستواه الحقيقي سيمكّن من التّقليص من العجز الجاري إلى حدود 6% من النّاتج المحلّي الإجمالي وأنّ جملة الإجراءات المقترحة ستمكّن من التحكّم في نسبة التضخّم المالي إلى حدود 4% في موفى 2020.

سياسات اِقتصادية في مواجهة العراقيل:

غير أنّ رفع الدّعم على المواد الأساسية والسّياسة المرنة لسعر الصّرف والّتي أحدثت اِنزلاقا متواصلا للعملة المحلّية لا يمكن إلاّ أن تؤدّي إلى مزيد من التضخّم المالي والّذي سيرهق قفّة المواطن التّونسي ممّا قد يجعل من تحقيق الهدف المنشود، وهو التّخفيض من حصّة أجور الوظيفة العمومية في ميزانية الدّولة أو في النّاتج المحلّي الإجمالي أمرا يكاد أن يكون مستحيلا ولا يمكن تحقيقه إلاّ إذا وصلت الحكومة إلى اِتّفاق مع المنظّمة الشّغيلة على أن تجمّد الأجور حتّى موفّى 2020 بالرّغم من الزّيادات المتوقّعة لمجمل الأسعار. كما لا يمكن اِعتبار أنّ تراجع قيمة الدّينار إلى هذا المستوى أو حتّى أكثر في قادم الأشهر سيمكّن من التّقليص من العجز الجاري خاصّة وأنّه سيؤدّي إلى كلفة إضافية على مستوى الواردات وخاصّة منها موادّ التّجهيز والموادّ الأوّلية الضّرورية لعملية الإنتاج ممّا قد يهدّد التّنافسية السّعرية للمؤسّسة الاِقتصادية. وحتّى هامش التصرّف الّذي كان متوفّرا في النّصف الثّاني من الثّمانينات وهو التّخفيض في نسب الأداءات الجمركية، لم يعد متوفّرا في الوقت الحاضر، لكي يؤدّي تراجع قيمة العملة المحلّية دوره كاملا في التّخفيض من العجز الجاري.

الإصلاحات الاِقتصادية والاِجتماعية المقترحة:

وتتمثّل الإصلاحات الاِقتصادية المقترحة في البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي للحكومة في مواصلة إصلاح المنظومة الجبائية لإحداث التّوازن لميزانية الدّولة ولدفع نسق الاِستثمار الخاصّ، وإصلاح الوظيفة العمومية لتحسين خدمات المرفق العمومي والتحكّم في كتلة الأجور، وإصلاح منظومة الضّمان الاِجتماعي لتقليص عجز الصّناديق الاِجتماعية وتطوير وحوكمة المنشآت والمؤسّسات العمومية لتحسين قدرتها التّنافسية. وإصلاح منظومة الدّعم للمواد الأساسية قصد تخفيف الضّغط على ميزانية الدّولة. وتصاحب هذه الإصلاحات الكبرى، إصلاحات في المنظومة البنكية والمالية حتّى تقوم بوظيفتها في تمويل التّنمية على أحسن وجه. ولإضفاء مسحة اِجتماعية للبرنامج، تقترح الحكومة جملة من الإجراءات ذات الطّابع الاِجتماعي تتعلّق بتعزيز سياسات الإدماج الاِجتماعي والتّشغيل.

إصلاح المالية العمومية وإشكالية ترسيخ العدالة الجبائية:

الهدف من إصلاح المنظومة الجبائية هو تخفيض عجز موازنة الدّولة تحت سقف 5% سنة 2018 وتحت سقف 3% سنة 2020 وذلك بمزيد التحكّم في الإنفاق العمومي دون المساس بنسق الاِستثمار العمومي والإنفاق الاِجتماعي وهذا يعني أنّ العناوين الّتي سيقع العمل على تقليص حجمها في ميزانية الدّولة هي الأجور ونفقات الدّعم. أمّا من ناحية الموارد، فيقترح البرنامج مزيدا من تعبئة الموارد الجبائية وذلك بتوسيع قاعدة الأداءات غير المباشرة وتحويل عبء الضّرائب المباشرة إلى ضرائب غير مباشرة مع إلغاء النّظام التّقديري وتعويضه بمنظومة أكثر مرونة سمّاها “النّظام الجبائي للمؤسّسات الصّغرى” إضافة إلى جملة من الإجراءات تهدف إلى مقاومة التهرّب الجبائي من ناحية عبر سنّ مخالفة عدم الاِمتثال للواجبات الجبائية وتوسيع واجب التّصريح بالوجود للحدّ من ظاهرة القطاع الموازي وتوفير حظوظ المصالحة وتحديث إدارة الجباية من ناحية أخرى عبر إعادة تنظيم إدارة الشّركات الكبرى ودعم المراقبة الجبائية بالوسائل البشرية والمادّية اللاّزمة وتثمين وظيفة اِستخلاص الدّيون الجبائية ممّا يمكّن اِسترداد متوسّط 75 إلى 100 مليون كلّ 3 أشهر.
وإن تعتبر فكرة تحويل بعض الأداءات المباشرة إلى أداءات غير مباشرة فكرة جيّدة عندما يتعلّق الأمر بجباية المؤسّسات وقد تساعد على الرّفع من تنافسيتها إلاّ أنّ التّرفيع من الأداءات غير المباشرة سيزيد من حدّة التضخّم المالي وبالتّالي من تآكل القدرة الشّرائية للتّونسي والّتي سيكون لها الأثر السّيء على أهمّ المحرّكات للنموّ الاِقتصادي. إنّ تحويل الأداءات المباشرة إلى أداءات غير مباشرة تثقل كاهل المستهلك التّونسي وترسّخ الطّبيعة غير العادلة للمنظومة الجبائية والقائمة أساسا على مساهمة أكبر للأجراء وهي الطّريقة السّهلة للاِستخلاص الّتي دأب عليها النّظام الجبائي منذ الاِستقلال.

إصلاح الوظيفة العمومية:

ويهدف إصلاح الوظيفة العمومية علاوة على التحكّم في كتلة الأجور من النّاتج المحلّي الإجمالي، تحسين خدمات المرفق العمومي وذلك بتشجيع المغادرة عبر إحداث برامج مختلفة موجّهة إلى شرائح عمرية مختلفة مع معالجة المخاطر المتأتّية عن ذلك والحدّ من الاِنتدابات العشوائية وإحداث 20 دار خدمات إدارية سنة 2017 من أجل تيسير النّفاذ إلى الخدمات الإدارية من خلال تجميعها وتقريبها من المواطن وإرساء نظام التّقييم حسب الجدارة ونظام التصرّف التّقديري في الموارد البشرية.

إصلاح الصّناديق الاِجتماعية:

أمّا فيما يخصّ معالجة العجز الهيكلي للصّناديق الاِجتماعية، فإنّ الخيارات تبقى رهينة التّوافق وتتمثّل إمّا في التّرفيع في سنّ الإحالة على التّقاعد أو مراجعة الأجر المرجعي ومردودية سنوات العمل مع دراسة إمكانية تنويع مصادر تمويل الصّناديق الاِجتماعية. وفي اِنتظار التوفّق إلى الحلول المقترحة فإنّ الحكومة ستواصل دعم الصّناديق الاِجتماعية ويرجّح أن يقع تحويل نصف مليار دينار إلى صندوق التّقاعد والحيطة الاِجتماعية واِتّخاذ الإجراءات الكفيلة باِسترجاع متخلّدات الصّندوق لدى المنشآت العمومية والّتي تقدّر بـ1.5 مليار دينار ضمن قانون المالية لسنة 2018. إلّا أنّ الحلول المقترحة لا تتطرّق إلى حوكمة الصّناديق الاِجتماعية من حيث ترشيد نفقاتها كحلّ يمكن أن يسهم في تخفيف عجزها كقيامها بنفقات ليست من مشمولاتها (كراء بأسعار تفاضلية، النّفقة، …) وفي اِعتقادي لا بدّ من تدقيق مالي يشمل جلّ الصّناديق الاِجتماعية ويمكّن من ترشيد نفقاتها خاصّة وأنّ التّرفيع من مساهمة الأجراء سينعكس سلبا على مقدرتهم الشّرائية والتّرفيع من مساهمة الأعراف سيقلّص من القدرة التّنافسية للمؤسّسة التّونسية وفي كلتا الحالتين لن يستفيد الاِقتصاد التّونسي إلاّ ظرفيا من حيث التّوازنات الدّاخلية. أمّا مقترح التّرفيع من سنّ الإحالة على التّقاعد فيمكن أن يزيد من متاعب المالية العمومية من حيث كلفة الأجور ولا يمكّن الشّباب من الولوج إلى الوظيفة العمومية كأحد الحلول للتّخفيض من البطالة.

حوكمة المؤسّسات العمومية:

ويبقى الإصلاح المتعلّق بتطوير وحوكمة المنشآت والمؤسّسات العمومية رهين التّوافق عبر الحوار الاِجتماعي والّذي سينظر في بعض المقترحات المجدولة في هذا البرنامج كإحداث هيكل إداري مركزي موحّد خاصّ بالمنشآت العمومية وتفعيل إلزامية عقود الأهداف والبرامج بالنّسبة للدّولة والمؤسّسة وذلك بعد مراجعة النّصوص القانونية والتّرتيبية وتوزيع المنشآت العمومية إلى اِستراتيجي وغير اِستراتيجي. وفي اِعتقادي لا يمكن الحديث عن التّفويت في المنشآت العمومية قبل إصلاحها وتقويتها خلافا لما وقع سابقا عندما لجأت أطراف متنفّذة في الحكم إلى إضعاف بعض المؤسّسات العمومية قصد التّفويت فيها إلى بعض المقرّبين من السّلطة.

إصلاح منظومة الدّعم:

أما فيما يخصّ إصلاح منظومة الدّعم لتوجيهه إلى مستحقّيه قصد المرور بشكل تدريجي نحو حقيقة الأسعار، فإنّ البرنامج الحكومي يقرن هذا الإصلاح بمدى التقدّم في إنجاز المعرّف الاِجتماعي الوحيد. لكنّ بعض الخبراء قدّموا العديد من المقترحات العملية كسنّ أداء على الأجور المرتفعة أو أداء على الثّروة مقابل المحافظة على أسعار الموادّ المدعومة.

في تقديري موضوع الدّعم كان فعلا يشكّل عبئا ثقيلا في ميزانية الدّولة في السّنوات الأولى بعد الثّورة عندما كان السّعر العالمي للنّفط في مستويات عالية تفوق في أغلب الأحيان 100 دولار للبرميل الواحد، عندها اِرتفعت نفقات الدّعم من 8% من ميزانية الدّولة سنة 2010 إلى 21% سنة 2013. لكن مع نزول هذا السّعر إلى نصف ما كان عليه سابقا، اِنخفضت حصّة الدّعم في ميزانية الدّولة وعادت كما كانت عليه سنة 2010 وهي 8% من ميزانية الدّولة لسنة 2016 وكذلك لسنة 2017. إزالة الدّعم للموادّ الحسّاسة من شأنه أن يزيد في الضّغوط التضخّمية وفي إرهاق قفّة المواطن وبالتّالي في الاِحتقان الاِجتماعي بدون أن تستفيد منه ميزانية الدّولة بالقدر الكافي.

الإصلاح المالي والاِفتقاد للسّياسة النّقدية:

إنّ إنجاح الإصلاحات الكبرى الآنفة الذّكر يتطلّب حسب البرنامج الحكومي إصلاحات في القطاع البنكي على المدى القريب تتعلّق بمضاعفة رأس المال للبنوك العمومية وتركيز الحوكمة البنكية فيها كالفصل بين رئيس مجلس الإدارة والمدير العام ومراجعة المنظومة البنكية المقيمة وغير المقيمة وتدعيم صلاحيات البنك المركزي في مجال الرّقابة المصرفية وإحداث صندوق لضمان إيداعات الحرفاء. ويقترح البرنامج جملة من الإصلاحات المستقبلية في المجال المالي كإعادة هيكلة البنوك ذات المساهمة غير الإستراتيجية وسنّ مشروع قانون لتدعيم جودة المعلومات الاِئتمانية ومراجعة الإطار القانوني لنسب الفائدة المشطّة ووضع إستراتيجية في مجال الاِندماج المالي لتطوير النّفاذ للقطاع المالي وإحداث بنك الجهات وإصدار مجلّة رأس مال الاِستثمار بتجميع كافّة النّصوص والأحكام المتعلّقة بنشاط رأس مال الاِستثمار ومراجعة الإطار القانوني المنظّم للسّوق المالية وإعادة هيكلة القروض الصّغرى. غير أنّ البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي الحكومي لا يعطي أيّ تفسير للجوء البنك المركزي للسّياسة المرنة لسعر الصّرف، التعهّد الأهمّ للبنك المركزي تجاه صندوق النّقد الدولي، وقد تربك هذه السّياسة الاِقتصادية حسابات حكومة الشّاهد في بلوغ الأهداف المعلنة والمتّفق عليها مع الصّندوق ولعلّ أهمّها بلوغ نسبة تضخّم مالي بـ4% بحلول 2020. كما أنّه لا توجد في البرنامج الحكومي أيّ تبرير للسّياسة النّقدية للبنك المركزي والّتي تتمثّل في التّرفيع من نسب الفائدة قصد الحدّ من الاِستهلاك ممّا قد يحدّ من فاعلية المحرّك الاِقتصادي الأهمّ في عملية النموّ وهو الاِستهلاك ويعطّل الهدف الأساسي للبرنامج الاِقتصادي وهو بلوغ نسبة نموّ بـ4.5% في موفّى 2020.

سياسات التّشغيل والإدماج الاِجتماعي:

يقترح البرنامج الحكومي في الأخير جملة من الإجراءات الاِجتماعية المتّصلة بسياسات التّشغيل والإدماج الاِجتماعي. كالشّروع في إعداد الاِستراتيجية الوطنية لمقاومة الفقر والإدماج الاِجتماعي والاِستراتيجية الوطنية للتّشغيل أو تحيين ومراجعة الاِستراتيجيات الوطنية في مجال الهجرة ومحو الأمّية وتعليم الكبار وتفعيل الاِستراتيجية الوطنية للنّهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة والاِستراتيجية الوطنية للمبادرة الخاصّة والخطّة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال. ولتدعيم هياكل الحوار الوطني والتّشاور، يقترح البرنامج الإسراع بإحداث المجلس الوطني للحوار الاِجتماعي والمجلس الوطني للتّونسيين بالخارج. ولدعم المقدرة الشّرائية للمواطن التّونسي، سيقع التّرفيع في الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن ومواصلة النّهوض بالعائلات المعوزة ومحدودة الدّخل. كما سيتمّ معالجة التّشغيل الهشّ حيث بلغ عدد عملة الحظائر قرابة الـ85 ألفا، ممّا يستوجب التّدقيق في قوائم المباشرين مقابل توفير فرص التّكوين وتشجيع باعثي المشاريع الصّغرى وفتح التّعاقد المباشر مع المؤسّسات العمومية وإقرار إجراءات مبسّطة وآليات تمويل خاصّة لأصحاب الشّهادات العليا وذوي الاِختصاصات الفنّية والتّقنية.

خاتمة:

يقترح البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي للحكومة تفعيل الشّراكة بين القطاع العامّ والقطاع الخاصّ ويقدّم 19 مشروعا بقيمة 5.2 مليار دينار، منها 12 مشروعا في مجال النّقل والبيئة والطاّقة وهو ما سمّي بالمحرّك الرّابع أو بالعنوان الثّالث لميزانية الدّولة. ويبقى نجاح هذا المحرّك الإضافي رهين اِستجابة القطاع الخاصّ للشّراكة مع القطاع العامّ وبالتّالي لا بدّ من العمل على تهيئة المناخ الملائم للاِستثمار من إنجاح للمسار الدّيمقراطي واِستكمال بناء المؤسّسات ومكافحة للفساد وتحسين أداء المرفق العمومي. إنّ التردّد في إجراء المواعيد الاِنتخابية قد يعطي رسالة سيّئة لمؤسّسات التّرقيم السّيادي أوّلا وللمستثمرين التّونسيين والأجانب ثانيا ويربك البرنامج الاِقتصادي والاِجتماعي للحكومة ويصعّب مهمّة هذه الأخيرة في بلوغ الأهداف المرجوّة.