شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | “في مقهى العبث”/ الثّقافة هي الفلاحة

“في مقهى العبث”/ الثّقافة هي الفلاحة

image_pdfimage_print
Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

الفلاحة

المخرج المنجي الفرحاني

المخرج المنجي الفرحاني

وصل صديقي البهلول بعد غياب طويل كعادته يجرّ علب الطّماطم والهريسة والمعجون الخاوية.. فرح لمّا رآني..
سألني عن سرّ غيابي فشككت في أمري.. هل أنا حقّا من طال غيابه؟
ثمّ قال: “سأحدّثك عن سي خليل أستاذ الفلسفة.. أتذكره؟ كان أطول من شهر مارس وأشبه باِبن المقفّع كما أتخيّله أنا بجنوني.. أتسمعني؟
دع عنك الهاتف الغبيّ والقهوة واِفتح أذنيك وعقلك إن كان فوقك واِستمع..”
ولمّا فعلت ما طلب منّي واستويت في جلستي واصل:

“في أوّل درس في مادّة الفلسفة عام الباكالوريا كتب سي خليل على السبّورة “الثّقافة هي الفلاحة” ثمّ سطّر تحتها بالطّباشير الغليظ..
ضحك من في القسم جميعا.. ولم أضحك أنا فعقلي كما تعلم يخونني دائما ولو فعلت لقالوا أنّني لا قدّر الله عاقل..
سخر سي خليل من ضحكاتهم الغبيّة دون تلميح يذكر ثمّ نظر إليّ وفي عينيه تساؤل إن كنت أنا “العِرّيف” الّذي فهم، فاِلتهمت بعض الصّفحات من مقدّمة اِبن خلدون على طاولتي لأثبت له جنوني..
ضحك سي خليل وضحك من في القسم جميعا..
نظر إلى مقدّمة اِبن خلدون على الطّاولة فأومأ أن قد فهم حكاية ما شكّكته في حال عقلي.. فالمقدّمة لا تزال تحتفظ بصفحاتها في خاطري..
ثمّ فسّر لنا مفهوم الفلسفة الّذي لخّصه في النّهاية في ألاّ مفهوم محدّد لها قبل أن تنتهي الحصّة على ساعته فغادرنا قبل الجرس بمفهوم على الأقلّ..

في صبيحة اليوم الموالي مررت على والدي وأعمامي يزرعون الأرض قمحا..
“يا وليد خويا أرّاح جاي.. القراية راهي كي الأرض، تخدمها مليح وتزرعها تعطيك.. أقرا على روحك باش ما تخرجش كيفنا خمّاس عند الطحّانة..”
لم أبالِ في تلك اللّحظة بحال الإقطاع الّذي يعاني منه والدي وأعمامي ولا بجرأة عمّي في التّصنيف بل ظللت أكرّر بيني وبين نفسي ما قاله عن الأرض في مقارنتها بطلب العلم:
” القراية راهي كي الأرض، تخدمها مليح وتزرعها تعطيك..”
عندها فقط اِستوعبت درس سي خليل الأوّل في مادّة الفلسفة.. ردّ بالك تقلّهم راني فهمت.. راني نتغشّش عليك وماعادش نعطيك حتّى حكّة طماطم وإلاّ هريسة فارغين تفوّح بيهم عشاك..”
ثمّ واصل طريقه وهو يردّد نفس الجملة.. “ردّ بالك تقلّهم”.. بألحان مختلفة حتّى غاب وسط الزّحام…

-من “في مقهى العبث” للمنجي الفرحاني-

Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

%d مدونون معجبون بهذه: