شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | في القياس الكمّي لدرجات الفساد وإهدار المال العام..

في القياس الكمّي لدرجات الفساد وإهدار المال العام..

Spread the love
الأستاذ محمّد بن جماعة

في تجارب مكافحة الفساد في العالم، توجد مؤشّرات لقياس درجة الفساد.. وغالبية الدّول تعتمد مقاربتين ناقصتين بشكل كبير:

1- مقاربة منظّمة الشّفافية الدّولية، والقائمة على “الاِنطباع الشّعبي” (la perception du public)، عن طريق اِستطلاعات الرّأي..

2- مقاربة الأمم المتّحدة القائمة على مؤشّرات متعلّقة بمدى تكريس التّشريعات في إطار دولة القانون..

والمقاربتان هامّتان ومفيدتان ولا شكّ.. ولكنّهما لا تسمحان بقياسات حقيقية وكمّية لحجم الفساد.. حيث توفّر المقاربتان ما لا يتجاوز 40 أو 50 أو 100 مؤشّر قياس في أقصى تقدير..

في زيارتي لتونس، قابلت بعض أصحاب القرار، وعرضت عليهم فكرة أنّ قياس درجات الفساد لن يصل إلى درجة أكثر دقّة وتفصيلا إلاّ باِعتماد مقاربة تضمّ ما لا يقلّ عن 50- 100 ألف مؤشّر.. وأنّ السّبيل الوحيد للوصول إلى هذه الدّرجة من الدقّة يكمن في الاِستثمار في تكنولوجيا المعلومات.. وأعطيت المثال التّالي:

لنفترض أنّ لدينا 50 قطاعا حيويّا يعاني من ممارسات فساد (نقصد بالفساد: كلّ ما يتعلّق بإهدار المال العامّ، والمحاباة، والرّشوة، والتهرّب الضّريبي، وإخلالات النّزاهة والشّفافية والمسؤولية في تسيير الممتلكات والأموال العمومية، والاِقتصاد الموازي، إلخ.)

نأخذ من هذه القطاعات الحيويّة، قطاع الصّناعة والتّجارة.. الّذي يحتوي على قرابة 150 قطاع فرعي..
نأخذ من القطاعات الفرعية، قطاعا وحيدا، هو قطاع الصّناعات التّقليدية.. الّذي يحتوي على قرابة 300 مهنة..
نأخذ من الصّناعات التّقليدية مهنة وحيدة، هي مهنة صناعة العطورات.. والّتي تحتوي على قرابة 300 منتج..
نأخذ من المنتجات، فقط منتج البخور (النّدّ).. الّذي يحتوي على قرابة 20 نوعا..

يوجد في قطاع إنتاج الندّ بتونس، ما لا يقلّ عن 50 شركة تصنع الندّ. رقم المعاملات السّنوية (chiffre d’affaire annuel) لكلّ واحد منهم في الندّ فقط، يتراوح بين 20 ألف دينار و300 ألف دينار (هذا رقم صحيح، وليس اِفتراضي)..

بناء على هذا المعطى، فإنّ المقاربة الكمّية لقياس الحوكمة والفساد توفّر ما لا يقلّ عن 50 مؤشّرا من مؤشّرات الحوكمة والفساد في قطاع الندّ فقط:
– عدد صانعي الندّ
– معدّل رقم المعاملات السّنوي.
– عدد أنواع الندّ المصنوع.
– المواد الأوّلية لكلّ منتج ندّ.
– هل المواد الأوّلية محلّية أو مستوردة؟
– كم هو حجم المواد الأوّلية (المحلّية والمستوردة) كمّيا وماليا؟
– هل يصرّح تجّار الموادّ المحلّية بكلّ مبيعاتهم أم لا؟
– هل يتمّ التّصريح بكلّ الوارادات في الدّيوانة أم لا؟
– كم حجم خسارة الدّولة من الضّرائب غير المصرّح بها محلّيا واِستيرادا؟
– كم يصرف الصّناعي على عمليّة التّعليب والطّباعة والإشهار؟
– هل يصرّح بكلّ مصاريفه أم لا؟
– هل تصرّح كلّ شركات الطّباعة والتّعليب على دخلها أم لا؟
– كم عدد العمّال الموظّفين في إنتاج الندّ؟
– كم هي أجور العمّال في ما يتعلّق بالندّ فقط؟
– هل يتمّ التّصريح بالعمّال لدى صندوق التّضامن الاِحتماعي، والصّحة؟
– كم هي خسارة الدّولة من عدم التّصريح؟
– كم يبيع الصّانع في السّوق الدّاخلية؟ وكم يصدّر إلى الخارج؟
– هل يتمّ التّصريح بكلّ الفواتير أم لا؟
– ما هي خسارة الدّولة في هذا؟
– هل يملك تجّار الجملة وتجّار التّفصيل لمنتوج الندّ باتيندة أم لا؟
– هل يصرّحون بدخلهم من الشّراءات والمبيعات أم لا؟
– كم يوجد في سوق الندّ من منتوج مقلّد، يباع في الاِقتصاد الموازي؟
– كم هي خسارة الصّناعي من إغراق السّوق بمنتوج مقلّد ومغشوش ومزوّر؟
– كم هي خسارة الدّولة من السّوق الموازية في إنتاج الندّ فقط؟
– إلخ..

عشرات المؤشّرات يمكن تفصيلها للوصول إلى أقصى درجة ممكنة من المعلومات..
حينها، سنكتشف أنّ خسائر الدّولة في منتوج الندّ ستتجاوز عدّة مليارات (عدّة ملايين من الدّينارات) سنويا..

هذا في الندّ فقط.. لو نقوم بتطبيق نفس الشّيء على 300 منتج في العطورات، ثمّ 300 مهنة في الصّناعات التّقليدية، ثمّ 150 قطاع فرعي في الصّناعة والتّجارة، ثمّ 50 قطاع حيوي.. فإنّنا سنصل حتما إلى عدد ضخم جدّا من المؤشّرات: بين 50- 100 ألف مؤشّر.. ونقترب أكثر من قياس حجم خسائر الدّولة مادّيا.. والّذي سيكون حتما بمئات المليارات..

في غياب هذا المستوى من الدقّة في قياس الفساد، لن يتمكّن أيّ صاحب قرار من اِتّخاذ قرارات سليمة، أو من إدارة القطاع المسؤول عنه..

مثل هذه المنظومات الإلكترونية لا تدّعي الشّمولية والدقّة بنسبة 100% ولكنّها ستسمح بمستوى دقّة قد يقترب من نسبة 70 أو 80%.. وهذا في حدّ ذاته إنجاز عظيم، في مقابل نسبة غياب الدّقة الرّاهنة الّتي تصل إلى حدود 90%.

أقول: مثل هذه المنظومة تحتاجها رئاسة الحكومة، ويحتاجها كلّ وزير في وزارته، وكلّ مدير عامّ في مؤسّسته العمومية، وتحتاجها هيئة مكافحة الفساد.. ويحتاجها المجتمع المدني أيضا للرّقابة المواطنية على الجميع..

والأمر يحتاج أيضا لتشريعات إضافيّة تساعد على خلق ثقافة الرّقابة والمحاسبة، وفرضها واقعيّا، والتّضييق على ثقافة التّراخي والتّهاون، والتّواطؤ على التّراخي، والسرقة والتحيّل، إلخ..