أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / في الثّورة والدّيمقراطية والسّيادة الوطنية والمقاومة: هل من تكامل بين هذه العناوين أم هل من تعارض؟

في الثّورة والدّيمقراطية والسّيادة الوطنية والمقاومة: هل من تكامل بين هذه العناوين أم هل من تعارض؟

Spread the love

الأستاذ البحري العرفاوي

أعتقد أنّنا نحتاج وعيا قادرا على فصل “الدّوائر” وعلى “ربطها” في آن، نحتاج وعيا مرنا غير “متصلّب”، مرونة لا تنفي “المبدئيّة” ولا تلغي “الوضوح”.

الثّورة ليست فقط حالة غضبيّة تنتهي بقلب جهاز حكم بما هو شخوص وأدوات، الثّورة رؤية، مسار، رموز، قيم جديدة وعلاقات جديدة وقدرة متبصّرة على القطع الهادئ العميق مع ماض سيّء من أجل مستقبل أرقى وأنقى ومن أجل حياة جديرة بأن تُحيا.
من معاني الثّورة تغيّر النّظام الاِجتماعي باِتّجاه عدالة أقلّ حيفا وطبقيّة وتغيّر النّظام السّياسي باِتّجاه ديمقراطية عميقة لا ديمقراطية شكليّة وتغيّر التّعبيرات الفنّية والثّقافية والقيميّة نحو ما هو إنساني جمالي.

الثّورة تهدف ـ نهايةـ إلى تحرير الإنسان بما هو إرادة وشوق وفكر وتعبير وفعل، كما تهدف إلى تحرير الوطن في قراره السّيادي سياسة وثقافة وتشريعا وهذا يظلّ مشروطا بتحقيق شروط السّيادة إذ لا سيادة لمجتمعات تستورد ما تستهلك من أغذية وملابس وأدوية وتجهيزات وآلات ومعدّات وتقترض من البنوك الأجنبية لبعث مشاريع أو لدفع مرتّبات الموظّفين، لا سيادة لمجتمعات لم تحقّق اِكتفاءها الذّاتي ولم تتحرّر من الحاجة لغيرها “ومن يملك قوتَك يملك أن يقودك ومن يطعمك يُلجمك”.
المجتمعات الّتي تتوقّف مشاريعها وجرايات موظّفيها على القروض الخارجية وعلى المنح والهبات لا يمكن أن تكون ذات قرار سيادي سواء في سياسة أو في ثقافة أو حتّى في تشريعات.

الثّورة الّتي تنتهي إلى بناء نظام ديمقراطي يتحرّر فيه المواطن ويتحرّر فيه القرار السّيادي هي الثّورة الّتي ستنتهي ـ نهايةـ إلى بناء وطن “مقاوم” للضّغوط الأجنبية ولإملاءات الدّوائر الاِستعمارية، الأوطان المتحرّرة من “الحاجة” هي الأوطان المتحرّرة من الإملاءات ومن التّبعية وهي الأوطان الّتي يقدر فيها مسؤولوها ومواطنوها على رفض أيّ تدخّل خارجي في شؤونهم الوطنية وفي كيفيّات تصريف شؤونهم.

الثّورات ليست حدثا معجزا يتنزّل جاهزا إنّما هي حالة تشكّل عبر دُربة ثوريّة تحتاج مكابدة وجهدا وصبرا وتحتاج تجريبا ومراوحة بين مدّ وجزر أو كرّ وفرّ دون “جبن” ودون “تهوّر”، وفي ذلك تحتاج الثّورات عقولا مُنظّرة ومطّلعة على الواقع بتفاصيله وعلى الخفايا الّتي تدار وتحاك في غرف الظّلام، فليس الثّوري من يُبدي شجاعة دائمة ولكنّه من يظلّ صاحيا دائما فلا يُستغفل ولا يُحاط به.
في الحالة التّونسية يتساءل مثقّفون ومحلّلون عن ثورة كيف لم تقدر على حسم موقفها من النّظام القديم ولم تقطع مع الدّوائر الخارجية الّتي كانت داعمة للاِستبداد؟

هذه الأسئلة تبدو منطقيّة نظريّا إذ من معاني الثّورة القطع مع الماضي السيّء، ولكنّنا حين ننظر نظرة واقعية نكتشف أنّ الواقع ليس ما نشتهي إنّما هو ما يتبدّى لنا بكلّ عناصره لا نملك قبالته إلاّ التّفاعل معه ببعض آلياته وببعض آلياتنا الّتي هي من أحلام الثّورة.

هل كان ممكنا قطع العلاقات مع فرنسا وأمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا مثلا لكونها دولا كانت في علاقة مع النّظام الاِستبدادي؟ وهل يمكن إعلان عدم الاِلتزام بكلّ مواثيق ومعاهدات الدّولة التّونسية مع تلك الدّول عقابا لها على وقوفها ضدّ حرّية شعبنا وكرامته؟ وهل كان ممكنا غلق سفارات تلك الدّول ورفض مقابلة سفرائها؟

الإجابات الثّورية الفورية تقول “نعم” ولكن الواقع العملي يقول إنّنا دولة لم تخرج عن كونها “تابعة” بالواقع والحقيقة لا بالمشيئة والاِختيار، فنحن في دولة مثقلة بالدّيون وعليها أعباء عقود من التخلّف والفقر والبطالة والعجز حتّى وإن كانت مُعبّأة بالأشواق التحرّرية وروحيّة التمرّد والمقاومة.

سيكون من السّهل على أيّ متابع من موقع نظري أن يتّهم السّاسة الّذين هم في الحكم بالضّعف أو حتّى بـ”الخيانة” و”العمالة” لكونهم لم يخرجوا من مدار الدّول الاِستعمارية ولكونهم يتلقّون دعما أو مشورة من تلك الدّول ولكونهم يلتقون سفراءها.
بل أكثر من ذلك سيجد آخرون سهولة في اِتّهام السّاسة الّذين هم في الحكم بكونهم لا يدعّمون المقاومة ضدّ الكيان الصّهيوني، والسّؤال هنا: هل ننتظر منهم دعما عمليّا أم سياسيّا للمقاومة؟.

أعتقد أنّ ما يتوفّر الآن في بلادنا من حرّية هو أكبر “منصّة” لدعم المقاومة حين نمارس نقدنا المسؤول للنّظام السّياسي وأدائه في كلّ المجالات وحين نمنع اِرتخاءه وضعفه حتّى لا يتجرّأ عليه أعداء الأمّة ينتزعون منه مواقف مهينة لشعبنا وأمّتنا ومحبطة لروحه المقاومة وحين نفهم أنّ المقاومة جهد شامل في مواجهة المشاريع الاِستعمارية والصّهيونية وهي مشاريع تشتغل على كلّ الواجهات السّياسية والعلمية والثّقافية والقيمية والرّياضية والنّفسية والأخلاقية وهي واجهات مهمّة وخطيرة وهي مقدّمات للواجهة العسكرية.

الثّورة التّونسية الّتي تغمرنا فيها أجواء الحرّية هي ثورة تفتح على الدّيمقراطية وعلى السّيادة الوطنية وعلى المقاومة حين نعي بأنّنا نحن الّذين نذهب بمداها بقدر وعينا وصبرنا وفعلنا وحكمتنا.