أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / في الأسباب النّفسية والجنائية لمعاداة العدالة الاِنتقالية..

في الأسباب النّفسية والجنائية لمعاداة العدالة الاِنتقالية..

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الحقبة النّوفمبرية للدّولة البورقيبية كانت في جوهرها كما اِنكشف لكلّ النّاس منظومة قتلة وسُرّاق لخّصتها سردية 17_14 في التّسمية المعلومة منظومة الفساد والاِستبداد، ومن هذا المنطلق لا تشعر “نخبة هذه المنظومة” من “مثقّفيها” و”إعلاميّيها” و”سياسيّيها” المتجمّعين حول “النّداء” ومشتقّاته وأشباهه بالاِرتياح من كشف حسابها لأنّهم في آخر التّحليل سيظهرون مجرّد شركاء سابقين لنظام ليس في تركيبته وتاريخه ما يشرّف في سابقيّة الشّراكة معه.

بقايا أو “نخب” نظم عديدة سقطت بثورات أو اِنتخابات كانت تجد في هذه النّظم بعض ما تدافع به على شراكتها معه ثقافيّا أو سياسيّا أو اِجتماعيا، لكنّ الجوهري الغالب في نظام رئيس البوليسية الهارب كان مجرّد دم أو سرقات ممّا يجعلنا نفهم حجم العداء الّذي أظهرته للثّورة نخب بن علي الأكاديمية والإعلامية والسّياسية والأمنية ونتفهّم حجم رعبهم الرّاهن من اِستكمال كتابة التّقرير النّهائي لهيئة الحقيقة والكرامة.

في عهد بن علي لم يكن مطلوبا ممّن ينتمي إلى “النّخبة” (دعنا من عموم الشّعب) أن يكون ضحيّة لبن علي، فالحقّ أنّ رئيس البوليسية الهارب قد اِختار ضحاياه أساسا من الإسلاميّين أساسا ومن حزب العمّال في درجة ثانية ليمارس سياسته في الحبس والتّعذيب والقتل لتوسيع الرّعب وقتل السّياسة وتوفير شروط الفساد المافيوزي.

لكن ما لم يكن مسموحا به ممّن ينتمي إلى النّخبة الواعية أن لا تكون معارضا لبن علي تقول له بالسّقف الّذي تريد: اللّهم إنّ هذا منكر، خصوصا بعد بداية تبيّن الحقائق للجميع منذ منتصف التّسعينات عن الرّعب الّذي مورس في بدايتها، وبعد تبيّن الفساد الاِقتصادي للمافيا منذ أوائل سنوات الألفين.

المرعوبون من تقرير العدالة الاِنتقالية من سياسيّين وإعلاميين ومثقّفين وأكاديميّين وأمنيّين نوعان:
أوّلا: المرعوبون نفسيّا ممّن سكتوا أو سقطوا بشكل أو بآخر أمام حجم المغريات الرّهيبة. لم تكن الشّجاعة في عهد بن علي أن تعارضه وتكتب ضدّ نظامه فهذا أقصى الشّجاعة، لكن كان أدناها أن لا تسقط في مغرياته فتأكل بقلمك أو لسانك من سحته وزقّومه الملطّخ بالدّم والسّرقات.
ثانيا: المرعوبون جنائيّا ممّن كانوا شركاء في الحكم معه ما يجعلهم بالضّرورة شركاء في جرائم الدّم والسّرقة.

لهذه الأسباب لا نستغرب الحماس بل الرّوح القتالية وحجم قلّة الحياء الّذي ظهر به نوّاب نداء ومشتقّاته وآفاق في جلستي السّبت واليوم لقبر الهيئة وتجربة الاِنتقال، فهم ينتمون جميعا بلا اِستثناء إلى الصّنف الثّاني من المرعوبين جنائيّا.

أمّا الحماس والرّوح القتالية الّتي رافقت قلّة حياء نوّاب منظومة القتل والسّرقة في الإعلام والأكاديميا من الإعلاميين والمثقّفين فقد صدر جلّه من مرعوبي الصّنف الأوّل ممّن يعانون عقدة الضّمير لمن وضع لسانه وقلمه في خدمة منظومة الدّم والسّرقة.

حتّى لو سقط المسار باِنقلاب.. فالتّاريخ لن يغفل آجلا أو عاجلا عن كشف الحساب.

المجرمون الرّمزيون والفعليّون تمّ وضعهم أخلاقيّا في مزبلة التّاريخ وسيوضعون يوما وراء القضبان حين تتغيّر الموازين وستتغيّر. كلّ المستقبل بدقائقه وساعاته وأيّامه وأشهره وسنواته هو زمن عذاب شركاء القاتل السّارق.