أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / فيديو/ العمليّات “القذرة” لروسيا في تركيا…

فيديو/ العمليّات “القذرة” لروسيا في تركيا…

Spread the love

 

بثّت قناة بي بي سي العربية يوم 14 ديسمبر 2016 شريطا استقصائيّا يبحث في سلسلة الاغتيالات السّياسية الّتي جرت على أراض أجنبيّة، بينها تركيا وقطر مؤخّرا، بحقّ معارضين للرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين. 06 من أصل 12 اغتيالا لرجال معظمهم من الشّيشان ومن جمهوريات الاتّحاد السّوفياتي السّابق. وكشف الشّريط بالأدلّة قيام عملاء روس باغتيال معارضي بوتين.

ولإنجاز الشّريط، قام مراسل “بي بي سي” مراد بطل الشّيشاني، الّذي يتحدّث العربية بطلاقة، بتتبّع صور وشخصيّات العملاء الرّوس في تركيا وروسيا، وقام أيضا بزيارة أسر وأصدقاء الضّحايا الّذين لقوا مصرعهم في حوادث الاغتيال الغامضة.

إسرابيلوف.. “كانوا يعدّون شيئاً”!

لم تحظ قضيّة اغتيال الشّيشاني رسلان إسرابيلوف بإسطنبول في أبريل 2016 بتغطية واسعة.

كان إسرابيلوف الّذي فرّ لتركيا لاجئا من الحرب الشّيشانية يدرك أنّ الرّوس يمكن أن يصلوا إليه. ففي الشّهر ذاته الّذي اغتيل فيه قال في رسالة صوتيّة تركها لصديقه: “كانوا يُعدّون شيئا.. أتى الرّجلان إلى هنا، وخبّآ سيّارتيهما بين الأشجار، وبدآ المراقبة. شوهدا هنا”. وأضاف الرّجل الّذي أقام في بلدة إليمتيا وسط مجموعة من اللاّجئين الشّيشان “قلتُ لمن زعموا أنّهم شاهدوهما: إذا كنتم شاهدتموهما، وأدركتم حتما أنّهما روسيّان، لماذا لم تمسكوا بهما؟”.

وبعد أسبوعين من رسالته قُتل إسرابيلوف بالرّصاص على مدخل شقّته، وهو لم يتجاوز الـ46 من العمر.

وروت فطيمة، زوجة رسلان إسرابيلوف: “فزعتُ عندما سمعت صوت إطلاق النّار. ركضتُ من المطبخ لأرى ابني يصرخ ‘بابا!’ كان الدّم في كلّ مكان.. أُطلق الرّصاص عليه في الرّأس والرّقبة والقلب. أطلقوا الرّصاص فور فتحه الباب. الأمر كلّه بيد الله الآن، أدعوا الله أن ينتقم منهم”.

في التّسعينيات، عندما كان إسرابيلوف شابّا، انضمّ إلى آلاف الشّيشان الّذين شاركوا في القتال ضدّ الرّوس في حرب اعتبرها كثيرون حرب استقلال. فشلت الحرب، وسَحق الرّوس المقاتلين الشّيشان وعيّنوا واحدا منهم، اسمه رمزان قديروف، رئيسا لجمهورية الشّيشان. ويبدو من صفحة إسرابيلوف على فايسبوك أنّه لا يزال على علاقة بحركة المقاومة الشّيشانية المتواصلة للوجود الرّوسي. ففي إحدى الصّور تراه واقفا في مطار إسطنبول وبيده جوار سفر أصدرته دولة الشّيشان المستقلّة الّتي لا وجود لها في الواقع.

“إيديلغيريف”.. هل حاول اغتيال بوتين؟

لماذا قُتل إسرابيلوف؟ لا نعرف. لكنّنا نعرف أنّ قتله كان الـ12 ضمن سلسلة جديدة من الاغتيالات لرجال أتوا من جمهوريّات الاتّحاد السّوفياتي السّابق، الشّيشانية والأوزبكية والطّاجيكية، للّجوء في تركيا.

فقبل ستّة أشهر تقريبا من اغتياله، وتحديدا في الأوّل من نوفمبر 2015، قُتل شيشانيّ آخر اسمه عبد الواحد إيديلغيريف وهو في طريقة للتّسوّق، في ضاحية كاياشيهير في إسطنبول. كان الضّحية في سيّارته عندما سدّت سيارة أخرى الطّريق عليه وقفز منها رجل أطلق النّار على إيديلغيريف لكنّه لم يصبه. ترك إيديلغيريف السيّارة وجرى باتّجاه بيته بينما كان المهاجمون يطاردونه. أصابوه برصاصة، ثمّ طعنوه في الرّقبة، وتركوه في الشّارع، ينزف حتّى الموت.

كان إيديلغيريف واحدا من الشّيشانيين الّذين واصلوا الكفاح في سبيل دولة شيشانية مستقلّة، رغم أنّ المقاتلين الشّيشانيّين كانوا إمّا هُزموا في الحرب أو انضمّوا إلى الوحدات التّابعة للرّئيس قديروف الموالي لموسكو. ظلّ إيديلغيريف مختبئا في الجبال حتّى 2008 عندما انفجر لغم خلال سيره فأصيبت قدمه اليسرى إصابة بالغة، فذهب إلى تركيا للعلاج. وفي 2011 انضمّ إلى آلاف المقاتلين القادمين من دول الاتّحاد السّوفياتي السّابق وذهب إلى سوريا حيث قاتل مع جبهة النّصرة، التّابعة لتنظيم القاعدة. ثمّ عاد إيديلغيريف إلى تركيا حيث شارك في نشاط جماعة تسعى لمواصلة “الجهاد” في روسيا. ولعلّ هذا كان دافعا كافيا بالنّسبة لموسكو لتقرّر قتله.

لكنّ إيديلغيريف كان أيضا أحد المشتبه بهم الرّئيسيّين في خطّة فاشلة لاغتيال الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين عام 2012، عندما وقع انفجار داخل بناء سكنيّ في مدينة أوديسا الأوكرانية قالت وسائل الإعلام وقتها إنّه ناتج عن تجربة فاشلة قام بها أشخاص كانوا يحاولون صنع قنبلة. نتيجة هذا الحدث اعتقل عدد من الرّجال أحدهم قال أمام الكاميرات إنّ الهدف كان اغتيال فلاديمير بوتين، لكنّه سحب اعترافه هذا لاحقا، إلا أنّ رجلا آخر بين المعتقلين قال إنّ عبد الواحد إيديلغيريف هو من وضع خطّة اغتيال بوتين، وأمّن المتفجّرات لذلك.

بعد ذلك، أصدر فلاديمير بوتين التّحذير المبطن التّالي: “لم يقفوا في السّابق في طريقي، ولن يقفوا أبدا. اسمعوا، إذا كان المرء سيفكّر في الأمر طوال الوقت، ويشعر بالخوف الدّائم، فهذه ليست حياة. إنّهم هم من عليهم أن يخافونا”.

اغتيال الرّئيس.. في قطر

بالنّسبة لكثيرين، يُعدّ قتل أليكساندر ليتفينينكو قبل عشر سنوات في لندن باستخدام البلوتونيوم المشعّ النّموذجَ الصّادم لعملية قتل يُشتبه بارتكاب عملاء روس لها على أرض أجنبيّة. لكنّها ليست الجريمة الوحيدة. ففي عام 2004 قُتل سليم خان يندرباييف، الّذي كان قائما بأعمال رئيس جمهورية الشّيشان بين عامي 1996 و1997، بتفجير سيّارته في قطر.

وأدين عنصران في الاستخبارات العسكرية الرّوسية بقتله، وحكم عليهما بالسّجن المؤبّد. وبعد أشهر اتّفقت الدّوحة وموسكو على أن ينفّذ الرّجلان عقوبتيها في روسيا، حيث استُقبلا استقبال الأبطال عندما وصلا إلى المطار.

يقول البروفيسور مارك غاليوتي، الّذي يعمل في معهد العلاقات الدّولية في براغ والمتخصّص بدراسة أجهزة الاستخبارات الرّوسية منذ أكثر من عشرين سنة، إنّ نظام الحكم الحالي في موسكو يؤمن بشيئين: “الأوّل أنّ من حقّه أن ينفّذ عمليّات في الخارج لخدمة مصالحه الأمنيّة. والثّاني أنّ لديه طريقة دمويّة جدّا للتّعامل مع ما يهدّده، ولا مشكلة لديه في قتل النّاس”.

عملية ثلاثية في “زيتون بورنو”

نجحت السّلطات التّركية في حلّ القليل من الجرائم المرتكبة على أراضيها بشكل مُرضٍ. إلاّ أنّ وثيقة للشّرطة التّركية حصلت بي بي سي على نسخة منها تُظهر أنّ منفذّي إحدى العمليّات، الّتي استهدفت ثلاثة أشخاص في سبتمبر 2011، تركوا وراءهم الكثير من الأدلّة. ضحايا هذه العمليّة كانوا ثلاثة مقاتلين شيشان يشتبه بضلوع اثنين منهم في تفجير دموي وقع في مطار دوموديدوفو قرب موسكو أوائل تلك السّنة فقتل 37 شخصا وجرح 170.

استُهدف الثّلاثة في منطقة زيتون بورنو في إسطنبول، وقُتلوا بشكل عالي الحرفيّة على الفور.

كان القتلة خمسة رجال، رغم مهنيّتهم العالية في التّنفيذ، إلاّ أنّهم تَركوا الكثير جدّا من الأدلّة على هويّاتهم داخل إحدى السيّارات الّتي استأجروها لتنفيذ العمليّة. هذه المعلومات تشير إلى أنّ الخمسة أتوا من روسيا. كما أنّ إحدى السيّارات الّتي استأجروها خلال التّحضير لعمليّتهم كان فيها نظام تحديد المواقع الّذي لم يعرفوا بوجوده، وهذا جعل الشّرطة لاحقا تعرف تماما أماكن ذهاب الخمسة خلال الأسبوعين السّابقين لتنفيذ العمليّة، كما تمكّنت باستخدام ما صوّرته كاميرات المراقبة في تلك الأماكن، من معرفة ما كانوا يفعلونه.

أمّا الضّحايا الثّلاثة فقتلوا في الطّريق إلى البيت بعد صلاة الجمعة حيث كان بانتظارهما سيّارتان مستأجرتان، إحداهما لونها أبيض وهي تلك الّتي فيها جهاز تحديد المواقع، والثّانية لونها أسود فيها القاتل الّذي خرج من السيّارة بملابسه السّوداء وشعره المستعار الأسود وقفّازاته السّوداء وأطلق 11 رصاصة، ثمّ عاد إلى سيّارته وفرّ الجميع. وبعد قليل كان الرّوس الخمسة في الطّريق إلى خارج تركيا.

وفي موسكو، عثرت بي بي سي على أشخاص قالوا إنّهم يعرفون أحد القتلة، وهو نديم أيوبوف، الّذي لم يكن عميلا في الاستخبارات الرّوسية، بل عضوا في عصابة روسيّة متخصّصة بسرقة السيّارات. وهذا أمر لم يفاجئ البروفيسور مارك غاليوتي الّذي أكّد أنّه في التّسعينيات بدأ يصبح هناك بعض التّداخل في العضوية بين عالمي الجريمة المنظّمة والاستخبارات. وأضاف: “لدينا حالات تلقّى فيها قتلة محترفون التّدريب على يد أفراد في سبيتسناز (فرقة عسكرية خاصّة روسية تابعة للجيش الرّوسي)، وحالات أسّس فيها أفراد سابقون في أجهزة الأمن، السّوفياتية ثمّ الرّوسية، عصابات إجرامية”.

اغتيال الشّيخ البخاري

وكما يؤكّد الشّريط، فإنّ الاستهداف لم يكن للشّيشانيّين وحدهم، ففي صباح الـ10 من ديسمبر 2014، وصل الشّيخ الأوزبكي، عبد الله بخاري، إلى مدرسته الدّينية في منطقة زيتون بورنو. وعند مدخل البناء، كان الباب مقفلا كما يبدو ممّا صوّرته كاميرات المراقبة. فبدأ الشّيخ بخاري يدقّ الباب ثمّ الشبّاك لكن لم يفتح أحد. فانتظر على الرصيف. بعد قليل، نرى رجلا يقترب بحذر، يُخرج مسدّسا من جيبه ويُطلق رصاصة واحدة، ثمّ يهرب. عندها، فتح أحدهم باب المدرسة لكن بعد فوات الأوان. فعبد الله بخاري مات في المستشفى بعد ذلك بقليل.

ومن جديد، هناك ما يشير إلى أنّ التّخطيط لهذه العمليّة حدث في موسكو.

استئجار قاتل

يقول صاحب الشّريط: التقيت على شاطئ بحر مرمرة، قرب إسطنبول، بشرطي تركي سابق اسمه علي جان إليمان، ليحدّثني عن أمر وقع أوائل عام 2014. قال إنّ مقاتلا شيشانيّا سابقا يعيش في تركيا تواصل معه ليخبره أنّ هناك من طلب منه قتل أحدهم. قرّر إليمان والشّيشاني أن يتظاهرا بقبول تنفيذ العمليّة، وطلبا عقد اجتماع لمناقشة التّفاصيل.

يقول إليمان إنّ الرّجل الّذي يبحث عمّن ينفّذ له عملية القتل أوزبكيّ روسيّ تلقّى تدريبه لدى جهاز الأمن الاتّحادي الرّوسي FSB، اسمه صابر شاكروف، ويُعرف باسم ساشا. “اجتمعنا. تحدّث عن قائمة فيها 15 شخصا في تركيا. لكنّ الاستخبارات الرّوسية أرادت أن يُقتل أربعة منهم فورا. وأرادت قتلهم أن يحدث في نفس الوقت”، بحسب إليمان، الّذي أضاف “ميزانيّتهم كانت هائلة؛ عرضوا علينا 300 ألف دولارا أميركيّا مقابل كلّ قتيل”.

قرّر إليمان وصديقه الشّيشاني تحذير المستهدَفين الأربعة الّذين كان عبد الله بخاري منهم، وبينهم كذلك زعيم المعارضة الأوزبكي السّابق محمّد صالح. ثمّ ذهبوا إلى الشّرطة وأخبروها بكلّ شيء. كان ذلك قبل اغتيال بخاري بـ6 أشهر، لكنّ الشّرطة لم تتحرّك إلاّ بعد أن قُتل. أمّا محمّد صالح فهو يعيش اليوم في مكان سرّي تحت حماية الشّرطة. نادرا ما يترك بيته، ولا يقوم بأيّ تحرّكات روتينيّة، ونوافذه مغلقة دائما.

“يمكننا المساعدة في مهامّكم القذرة”

لكن، ما الّذي يجعل روسيا، تريد قتل معارضي نظام الحكم في أوزبكستان؟ يقول مارك غاليوتي “إنّ روسيا تحافظ على سطوتها في المنطقة عبر مصادقة حكّام دولها القمعيّين”. ويضيف: “نلاحظ أنّ جهاز FSB تحديدا على علاقة قويّة مع نظرائه في دول مثل أوزبكستان وتركمنستان وطاجيكستان، وحتّى كازاخستان.. هناك نوع من تبادل المصالح بينها، وهذه واحدة من الأساليب الّتي تحتفظ موسكو من خلالها بدور لها، عبر قولها: يمكن أن نساعدكم في مهامّكم القذرة، أو أن نقوم بها نيابة عنكم أحيانا”.

في أفريل 2016، قبل شهر من قتل رسلان إسرابيلوف، حدث تطوّر هامّ في قضيّة اغتيال عبد الواحد إيديلغيريف، المقاتل الشّيشاني الّذي قتل وهو في طريقة للتّسوّق. وصل إلى مطار إسطنبول روسيّان يسافران تحت اسمي أليكساندر سْميرنوف ويوري أنيسيموف. وفور هبوط طائرتيهما، كانت الشّرطة والاستخبارات التّركية تستعدّ لمراقبتيهما. استأجرا سيّارة في المطار، أرادا أن تكون بيضاء وليس فيها جهاز تحديد المواقع. لكن قبل قيامهما بأيّ شيء، اعتُقل الرّجلان وأخذتهما الشّرطة إلى سجن عالي الحراسة للاشتباه بعلاقتهما بمقتل إيديلغيريف.

يقول مراسل بي بي سي: “التقيتُ في موسكو بأليكساندر شفاريف من وكالة روزبالت الرّوسية المعروفة بمصادرها الممتازة عن أجهزة الاستخبارات الرّوسية. أخبرني أنّ الاسم الحقيقي لأليكساندر سْميرنوف هو وليد لوراخماييف، وكان في التّسعينيات عضوا في إحدى جماعات المافيا الشّيشانية العاملة في موسكو، اختصاصه القتل”. يتساءل المراسل: “إذا كان هذا الكلام صحيحا، ما الّذي يجعل قاتلا محترفا قادرا على السّير بحرّية في شوارع موسكو دون خوف من الاعتقال طيلة هذه السّنوات؟”. ويجيب على نفسه: “أخبرني صحفيّ روسي بارز آخر متخصّص بالجرائم هو سيرغي كانيف إنّ لوراخماييف كان يعمل في جهاز الأمن الاتّحادي الرّوسي ضمن وحدة مكافحة الإرهاب في القوقاز. وهذا ما جعله محميّا”.

طلبت بي بي سي الحديث مع السّلطات في كلّ من تركيا وروسيا حول ما ورد في هذا الوثائقيّ، لكنّ كلتا الدّولتين لم ترغب بالتّعليق. ونفى الرّدّ الرّوسي على طلب بي بي سي علاقة الرّئيس بوتين أو مؤسّسات الدّولة الرّوسية بموضوع الشّريط.

ويبقى السّؤال الأهمّ: هل تجلب هذه الاغتيالات الأمن لروسيا؟

يقول مقاتلون شيشان عادوا بعد قتال طويل في سوريا إنّ العكس هو الصحيح؛ فهذه الاغتيالات ستجعلهم أكثر إصرارا على إعادة المعركة إلى روسيا.